تتجاوز المسألة حدود الاستخدام الفردي إلى علاقة المجتمع بالوقت الشخصي. فقد نشأ مع الاتصال الفوري توقع اجتماعي غير مكتوب: ما دمت تحمل هاتفاً، فمن المفترض أن تجيب. وإذا تأخرت، فقد تحتاج إلى تفسير. وإذا لم ترد، قد يُفهم صمتك على أنه إهمال أو تجاهل أو ضعف اهتمام. وهكذا انتقلت سهولة الوصول تقنياً إلى توقع بالحضور اجتماعياً...
ثمة لحظة لا يطلب فيها الإنسان شيئاً من العالم، ولا ينتظر منه شيئاً. يضع هاتفه جانباً، أو يغلقه، ثم يعود إلى عمل كان قد تركه، أو يجلس مع أفكاره، أو يتأمل ما حوله. لا يحدث في الخارج تغير يستحق الانتباه؛ الرسائل تواصل وصولها، والأعمال تنتظر، والأشخاص يمضون في يومهم. ومع ذلك يشعر بشيء يشبه استعادة مساحة مفقودة. كأن باباً ظل مفتوحاً طويلاً أُغلق أخيراً، فعاد المكان إلى صاحبه.
تستحق هذه الراحة تفسيراً يتجاوز القول إن الإنسان تعب من الهاتف. فربما لم يكن متعباً من الجهاز، ولا من التواصل ذاته، وإنما من الحالة التي فرضها الاتصال المستمر على وجوده. لقد أصبح قادراً على الوصول إلى عوالم كثيرة، وصار في المقابل مطالباً بأن يكون متاحاً لتلك العوالم. تتصل به المؤسسة خارج ساعات العمل، وتنتظره الأسرة في مجموعة المحادثة، ويستدعيه صديق بسؤال، ويطلب منه زميل رأياً، وتضع الأخبار أمامه أحداثاً لا تنتهي. تتوالى هذه المطالب من دون أن تتفق على موعد، وتلتقي جميعها في جهاز واحد يحمله الإنسان معه أينما ذهب.
المفارقة أن الهاتف منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الحضور، ثم جعل هذا الحضور نفسه مصدراً لضغط متزايد. لم تعد المسافة عائقاً أمام الوصول إليه، ولم يعد انتهاء الدوام يعني بالضرورة انتهاء علاقته بالعمل، ولم تعد مغادرة المكان كافية للانفصال عن مطالبه. صار العالم قادراً على ملاحقته عبر الشاشة، فيما أخذت حياته الخاصة تفقد بعض الحدود التي كانت تحميها.
المشكلة لم تعد في عدد الرسائل التي تصل إلى الإنسان، وإنما في عدد الأدوار التي يُطلب منه أن يؤديها في الوقت نفسه. فهو قد يجلس في منزله، فيما يظل جزء من انتباهه معلقاً بعمل لم ينتهِ، وجزء آخر ينتظر رداً عائلياً، وثالث يتابع شأناً عاماً، ورابع يحاول الاحتفاظ بخيط فكرة بدأها قبل وصول الإشعار الأخير. جسده في مكان واحد، لكن حضوره موزع على أماكن عديدة. وكل انتقال بين هذه العوالم يقتطع شيئاً من انتباهه، حتى يصبح من الصعب عليه أن يمنح اللحظة التي يعيشها كامل وجوده.
يمكن تسمية هذه الحالة بـ«تعدد الحضور». وهي لا تعني تعدد المسؤوليات وحده، فذلك جزء طبيعي من الحياة، وإنما تعني تداخلها داخل اللحظة نفسها، حتى يفقد الإنسان القدرة على الفصل بينها. لقد أصبحت الأدوار الاجتماعية والمهنية والعائلية قادرة على استدعائه في أي وقت، وأصبح الهاتف الواجهة التي تتجمع عندها هذه الاستدعاءات. ومن ثم فإن ما يبدو اتصالاً بين أشخاص قد يتحول إلى منافسة مستمرة على انتباه شخص واحد.
حق غير معلن
تتجاوز المسألة حدود الاستخدام الفردي إلى علاقة المجتمع بالوقت الشخصي. فقد نشأ مع الاتصال الفوري توقع اجتماعي غير مكتوب: ما دمت تحمل هاتفاً، فمن المفترض أن تجيب. وإذا تأخرت، فقد تحتاج إلى تفسير. وإذا لم ترد، قد يُفهم صمتك على أنه إهمال أو تجاهل أو ضعف اهتمام. وهكذا انتقلت سهولة الوصول تقنياً إلى توقع بالحضور اجتماعياً.
لكن القدرة على الاتصال بشخص لا تمنح صاحب الاتصال حقاً مطلقاً في وقته. هذه نقطة تستحق إعادة النظر؛ لأن التكنولوجيا اختصرت المسافة بين الناس، لكنها لم تلغِ حق كل فرد في تنظيم حياته. فالعلاقة الإنسانية لا تقاس بسرعة الرد وحدها، والالتزام المهني لا ينبغي أن يتحول إلى استعداد دائم، والاهتمام بالآخرين لا يتطلب إلغاء الحدود الشخصية.
قد يكون الإنسان مسؤولاً عن عمله، ومخلصاً لأسرته، وحريصاً على أصدقائه، مع احتفاظه بوقت لا يجيب فيه عن أحد. لا تعارض بين الوفاء للمسؤولية وامتلاك مساحة خاصة، كما لا ينبغي أن يصبح التأخر في الاستجابة دليلاً تلقائياً على التقصير. فالمجتمع الذي يساوي بين سرعة الرد وصدق العلاقة يختزل الروابط الإنسانية في مؤشر تقني، ويتجاهل ما تمنحه الثقة من قدرة على الانتظار.
من هذه الزاوية، يمكن فهم (حق الإنسان في الغياب) باعتباره امتداداً لحقه في الخصوصية والاستقلال. إنه حق في تحديد شروط الحضور، وفي اختيار الأوقات التي يستجيب فيها، وفي الاحتفاظ بمساحة لا تخضع للمطالب المتتابعة. ولا يتعلق الأمر بغياب مطلق أو انسحاب من الواجبات، وإنما بحدود معقولة تفصل بين الضرورة والاعتياد، وبين المسؤولية والاستنزاف.
فالطبيب الذي يتلقى نداءً طارئاً يختلف عن موظف يُطلب منه متابعة رسالة إدارية غير عاجلة بعد انتهاء دوامه، والأب الذي يحتاج طفله إلى مساعدته يختلف عن شخص ينتظر تعليقاً فورياً على منشور. جمع هذه الحالات في مستوى واحد يجعل كل طلب عاجلاً، وكل تأخر موضع مساءلة، وكل وقت خاص قابلاً للاقتطاع.
اقتصاد الانتباه والإنسان المتاح
تزداد أهمية هذه القضية مع طبيعة الاقتصاد الرقمي. فالمنصات تتنافس على الوقت الذي يقضيه المستخدم داخلها، وتستثمر في الإشعارات والتوصيات والتحديثات المتواصلة لجذب انتباهه وإبقائه متصلاً. لا يقتصر التنافس على ما يشتريه الإنسان أو يشاهده؛ إنه يمتد إلى الدقائق التي يمنحها للشاشة، وإلى قدرته على الانتقال من محتوى إلى آخر.
ومع تراكم هذه الممارسات، يصبح الانتباه مورداً اقتصادياً واجتماعياً. تتنافس عليه المنصات، وتستحوذ عليه الأخبار، وتطلبه المؤسسات، وتنتظره العلاقات. وقد يجد الإنسان نفسه في نهاية اليوم قد منح أجزاء متفرقة من انتباهه لعدد كبير من الجهات، من دون أن يحتفظ بوقت كافٍ لما يخصه.
وهذه هي المفارقة الأكثر عمقاً: كلما ازدادت وسائل الوصول إلى الإنسان، ازدادت الحاجة إلى حماية انتباهه. فالتواصل الواسع لا يضمن علاقة أعمق بالعالم، ووفرة المعلومات لا تعني بالضرورة اتساع المعرفة، وسهولة الاستجابة لا تعني أن الإنسان أصبح أكثر حرية. قد يكون متصلاً بالجميع، لكنه عاجز عن الإصغاء الكامل إلى شخص يجلس أمامه، أو عن متابعة فكرة حتى نهايتها، أو عن قضاء وقت مع نفسه من دون أن ينتظر شيئاً من الشاشة.
الانتباه هو قدرة ذهنية على التركيز؛ وايضا الطريقة التي يمنح بها الإنسان العالم معناه. ما ننتبه إليه يدخل في تجربتنا، وما نمنحه وقتنا يسهم في تشكيل اهتماماتنا وقراراتنا وصورتنا عن أنفسنا. وعندما تتوزع هذه القدرة باستمرار على مطالب متعارضة، يصبح الإنسان معرضاً لفقدان السيطرة على أولوياته، حتى لو ظل يعتقد أنه يدير يومه بنفسه.
لهذا يمكن النظر إلى إغلاق الهاتف باعتباره استعادة مؤقتة للسيادة على الانتباه. لا يختفي العالم، ولا تتوقف مسؤولياته، وإنما يتوقف الإنسان عن استقبال كل ما يطرأ عليه، ويستعيد القدرة على اختيار ما يستحق حضوره. إنه انتقال من حالة الاستعداد الدائم إلى حالة الاختيار.
الغياب الذي يجعل الحضور ممكناً
تحتاج الفكرة إلى تمييز مهم: الغياب لا يساوي اللامبالاة، كما أن الحضور الدائم لا يساوي المحبة أو الإخلاص. قد يكون الإنسان أكثر اهتماماً بأسرته عندما يضع هاتفه جانباً ويصغي إليها، وأكثر إنتاجاً في عمله عندما يحمي وقتاً للتركيز، وأكثر قدرة على الإبداع عندما يمنح ذهنه فرصة للابتعاد عن تدفق المعلومات. في هذه الحالات، لا يقلل الغياب من قيمة العلاقة؛ إنه يحمي نوعية الحضور داخلها.
فالإنسان الذي لا يملك حق الانسحاب المؤقت قد يتحول إلى شخص يستجيب للجميع، لكنه لا يمنح أحداً انتباهاً كاملاً. وقد يؤدي واجبات كثيرة، لكنه يشعر بأن يومه لم يكن ملكاً له. أما امتلاك مساحة للغياب فيتيح له العودة إلى علاقاته وأعماله بوعي أكبر، لأنه لم يعد يتحرك تحت ضغط الاستدعاء المستمر.
وهذا يفتح باباً لمراجعة ثقافة العمل أيضاً. فالمؤسسات الحديثة تتحدث عن الإنتاجية والابتكار والمرونة، لكنها قد تضع العامل في بيئة تتداخل فيها ساعات العمل والراحة، وتُقاس فيها الجدية بسرعة الرد، ويُفهم فيها التواجد الرقمي بوصفه دليلاً على الالتزام. مثل هذه الثقافة قد تنتج موظفاً متاحاً على الدوام، لكنها لا تضمن موظفاً أكثر إبداعاً أو قدرة على التفكير.
المؤسسة التي تحترم وقت العامل لا تتخلى عن مصالحها؛ إنها تنظم التواصل، وتحدد الحالات التي تستدعي التدخل، وتمنح الموظف فرصة لاستعادة طاقته الذهنية. وكذلك الأسرة التي تحترم خصوصية أفرادها لا تضعف روابطها، وإنما تسمح لكل فرد بأن يحتفظ بمساحته. أما المجتمع الذي يتقبل تأخر الرد أحياناً، فيمنح العلاقات قدراً أكبر من الثقة، ويحررها من الاختبار المتكرر.
ولا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى الغياب إلى وصفة جديدة يطالب الإنسان بتطبيقها وفق جدول صارم. فالمسألة أعمق من تحديد ساعات لإغلاق الهاتف؛ إنها تتعلق بإعادة توزيع السلطة على الوقت. من يقرر متى أعمل؟ ومتى أرتاح؟ ومتى أستجيب؟ وما الذي يستحق أن يقتطع جزءاً من يومي؟ هذه أسئلة تتصل بحرية الفرد، وبالطريقة التي تنظم بها المؤسسات والعلاقات الاجتماعية حضور الإنسان.
ربما لا يحتاج الإنسان إلى أن يغلق هاتفه كي يبتعد عن العالم، وإنما كي يختبر قدرته على البقاء في عالمه الخاص من دون أن يشعر بأنه مطالب بمغادرته كلما وصلته رسالة. وربما تكون الراحة التي يشعر بها بعد إغلاق الجهاز علامة على أن انتباهه عاد إليه، وأنه لم يعد مضطراً إلى توزيع نفسه على كل من يستطيع الوصول إليه.
لقد أصبح الاتصال الدائم إحدى سمات العصر، لكن تحويله إلى واجب دائم يطرح سؤالاً عن الحرية التي يفترض أن تخدمها التكنولوجيا. فالتقدم الذي يمنح الإنسان قدرة أكبر على التواصل ينبغي أن يمنحه أيضاً قدرة أكبر على الاختيار، بما في ذلك اختيار الصمت والابتعاد المؤقت. وإلا فقد تتحول الوسيلة التي وسعت عالمه إلى إطار يضيّق زمنه الشخصي.
حق الإنسان في الغياب هو حقه في ألا يكون متاحاً طوال الوقت، كي يستطيع أن يكون حاضراً بكامل انتباهه عندما يختار الحضور. فالحرية الرقمية لا تكتمل بامتلاك وسائل الاتصال، وإنما بامتلاك القرار في استخدامها، وتحديد حدودها، وحماية المساحة التي يبقى فيها الإنسان لنفسه.



اضف تعليق