العطاء لا ينتهي عند التملك. إنه يستدعي الشكر، والشكر يتحول إلى فعل. كأن السورة تنقل الإنسان من سؤال ماذا أُعطيت؟ إلى سؤال ماذا سأفعل بما أُعطيت؟ وهذه النقلة هي جوهر المعنى الإنساني للكوثر. فالإنسان لا يصبح كثير الخير لأنه يمتلك كثيراً، وإنما حين يتحول ما يمتلكه إلى منفعة...
في لحظة هادئة، قد يسأل الإنسان نفسه سؤالاً لا علاقة له بما يملك، وإنما بما سيبقى منه: ماذا صنعتُ بما أُعطيت؟ قد يكون لديه علم، أو مال، أو موقع، أو قدرة على التأثير، وقد تمر السنوات من دون أن يتحول شيء من ذلك إلى أثر يتجاوز حياته. هنا لا تعود قيمة العطاء في كثرته، وإنما في الوجهة التي يأخذها بعد أن يصل إلى الإنسان. في هذا المعنى تفتح سورة الكوثر مساحة واسعة للتأمل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
الكوثر في أصل معناه هو الخير الكثير، وقد تعددت وجوه تفسيره في التراث الإسلامي. وفي القراءة الإمامية يرتبط الكوثر بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وبامتداد النسل النبوي من خلالها. غير أن دلالة الكثرة هنا تكتسب عمقها من فكرة الامتداد: شيء يبدأ عطيةً ثم يتحول إلى رسالة وأثر يتجاوز صاحبه.
وهنا تأتي الآية الثانية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
فالعطاء لا ينتهي عند التملك. إنه يستدعي الشكر، والشكر يتحول إلى فعل. كأن السورة تنقل الإنسان من سؤال «ماذا أُعطيت؟» إلى سؤال «ماذا سأفعل بما أُعطيت؟» وهذه النقلة هي جوهر المعنى الإنساني للكوثر. فالإنسان لا يصبح كثير الخير لأنه يمتلك كثيراً، وإنما حين يتحول ما يمتلكه إلى منفعة. العلم الذي لا يغادر صاحبه يبقى قدرة فردية، أما حين يتحول إلى تعليم وفهم وإصلاح فإنه يبدأ امتداده. والمال حين يتحول إلى تكافل يكتسب معنى يتجاوز قيمته المادية. والمنصب حين يصبح خدمة للناس يتحول من امتياز إلى أمانة. من هنا يمكن فهم الكوثر بوصفه اقتصاداً أخلاقياً للعطاء: لا تقاس النعمة بما تضيفه إلى رصيد الإنسان فقط، وإنما بما تضيفه إلى حياة الآخرين.
وفي هذا السياق يبرز الحسين عليه السلام بوصفه واحداً من أعمق صور الامتداد النبوي في الوعي الإسلامي، وخصوصاً في الرؤية الإمامية التي تراه الإمام الثالث من أئمة أهل البيت عليهم السلام. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حسين مني وأنا من حسين». تكتسب هذه العبارة دلالتها الأوسع حين نقرأها في ضوء الامتداد الرسالي. فالحسين ليس مجرد شخصية بقي اسمها بعد وفاتها، وإنما نموذج لتحول النسب والرسالة والقيمة إلى موقف تاريخي قادر على الاستمرار.
كربلاء تكشف هذه الفكرة بأشد صورها قسوة. كان الصراع في ظاهره بين قوة تمتلك السلاح وإنسان يملك موقفاً، غير أن الزمن أعاد تعريف القوة. انتهت المعركة، وانتهت حياة الحسين عليه السلام، أما الموقف فلم ينته. انتقلت كربلاء من واقعة في التاريخ إلى سؤال دائم عن الكرامة والعدل والخوف والمسؤولية. وهنا تظهر المفارقة التي تجمع الكوثر بالحسين: قد تنتهي حياة الإنسان، ولا ينتهي أثره؛ وقد ينتصر صاحب القوة في لحظة، ثم يخسر أمام الزمن.
ولهذا تحمل الآية الأخيرة من السورة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، دلالة تتجاوز الخصومة الشخصية إلى معنى البقاء والانقطاع. فالتاريخ لا يمنح الامتداد دائماً لمن امتلك القوة، وإنما لمن ترك معنى قادراً على العيش بعده. من هذه الزاوية تصبح كربلاء أكثر من ذكرى دينية. إنها اختبار لطريقة فهمنا لمحبة الحسين عليه السلام. فإذا بقيت المحبة في حدود العاطفة، فقد بقي جزء من المعنى خارج الحياة. أما حين تتحول إلى عدل في التعامل، ورفض للظلم، وحفظ لكرامة الضعيف، وصدق في الموقف، فإنها تستعيد جوهر الرسالة التي جعلت من الحسين رمزاً يتجاوز زمنه. وهنا تلتقي كربلاء مع سؤال الكوثر.
ماذا أفعل بما أعطاني الله؟ هذا السؤال لا يخص أصحاب الثروة أو السلطة وحدهم. يخص كل إنسان. فالكلمة عطاء، والمعرفة عطاء، والوقت عطاء، والقدرة على مساعدة الآخرين عطاء. وقد يكون أعظم ما ي تركه الإنسان بعد رحيله شيئاً لم يكن مادياً أصلاً: فكرةً أنار بها عقلاً، إنساناً حفظ كرامته، موقفاً رفض فيه الظلم، أو خيراً بدأ صغيراً ثم واصل طريقه من شخص إلى آخر. لهذا لا تبدو الكثرة وحدها معياراً للكوثر.
الكوثر هو الخير حين يجد طريقه إلى الآخرين، والحسين هو الأثر حين يتحول الموقف إلى ذاكرة حية.
وفي زمن تتضخم فيه قيمة الامتلاك والظهور والاستهلاك، يصبح هذا المعنى أكثر حاجة إلى الاستعادة: ليس السؤال كم أملك، وكم أستطيع أن أظهر، وإنما ماذا سيبقى من كل ذلك حين أغيب؟
ربما تكون الإجابة أبسط مما نتصور: ما أعطيته للآخرين. وما دافعت عنه من قيم. وما تركته من أثر. وهنا يصبح «الكوثر» مشروع حياة، وتصبح كربلاء تذكيراً بأن الإنسان يستطيع أن يحول حياته المحدودة إلى معنى يتجاوزها. فالعطاء بداية، والتضحية مسؤولية، والأثر هو الامتداد. وما يبقى للإنسان في النهاية ليس مقدار ما جمعه من الحياة، وإنما مقدار الخير الذي استطاع أن يتركه فيها.



اضف تعليق