لم يذكر لنا التاريخ مطلقاً أن أئمة أهل البيت، عليهم السلام، توسلوا بالأفعال الخارقة (المعجزة) لإثبات صحّة كلامهم، بقدر ما اعتمدوا لغة الدليل العلمي والمنطق الصحيح لإضاءة الطريق أمام الباحثين عن الحق والحقيقة، هذه كانت الرؤية الاستراتيجية للمعصومين منذ ذلك الوقت لنشر الدين والإيمان من خلال العلم والمعرفة...
"الناسُ أعداءُ ما جَهِلوا".
أمير المؤمنين، عليه السلام
يفترض ان تواكب مسيرة العلم حياة الانسان منذ وُجد على هذه البسيطة، وأن تكون العلاقة ايجابية وبناءة وفق القانون الإلهي الذي عرّفه للبشر، حيث دعا –عزّ وجلّ- الى التعلّم والتفكّر، وجعل العلم نوراً يمزق ظلام الجهل والتخلف، ويضع الانسان دائماً على طريق التطور والتقدم في الحياة من خلال مواهب ومكارم عظيمة مثل؛ العقل والإرادة والحرية وسائر عناصر القوة والاقتدار بما يجسد عدالة الله -تعالى- ولطفه بعباده، ولكن المشكلة ظهرت من الانسان نفسه مع عوامل القوة هذه، فالحكام على مر الزمن –والى اليوم- يخشون انتشار نور العلم بين افراد المجتمع، فكانوا يحتكرونه في سالف الزمان لفئة محدودة يكونوا من المقربين من البلاط على الأغلب، والشواهد الحضارية اليوم بما فيها من معالم مذهلة في حجمها ودقة إنشائها مثل الإهرام، والمعابد والقصور، تكشف عن القلّة القليلة من علماء الهندسة والكيمياء، المخططون، والأغلبية من العمال الجَهلة المنفذون، واستمرت معاناة البشرية لقرون طوال حتى ظهر نور الإسلام في أرض الجزيرة العربية و دمّر أسوار الجهل المحيطة بهم من خلال جملة من الوصايا من النبي الأكرم، أبرزها: "العلم نور والجهل ظلام"، و عدّه طلب العلم من الفرائض: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، محطماً جدار الحظر على المرأة ايضاً.
هذا العلم بأبعاده الواسعة بات من أبرز الوسائل للوصول الى الحقائق، ثم فهمها واستيعابها، بينما اذا جاءت بوسيلة أخرى ستقدم لنا نتائج عكسية، "لأن الانسان الجاهل لا يستوعب الحقيقة، واذا لم يستوعبها فسوف يتصورها ضلالاً أو منكراً، ويتصور أن الحقيقة تكمن في غيرها، أو في عكسها". (محاضرات ثقافية- آية الله السيد جعفر الشيرازي)، بما يؤكد الحاجة دائماً الى الاكتفاء الذاتي علمياً ومعرفياً لفهم ما يجري قبل اتخاذ أي موقف أو إصدار حكم إزاء قضية ما تجنباً لارتكاب الخطأ والانزلاق في المحذور.
لغة العلم والتواصل الناجح
منذ اربعة عشر قرناً تحيط بنا التأكيدات الوافرة بأن يكون عماد الحوار والفكر والنشر هو العلم والتوثيق، وطالما نقرأ الاحاديث عن المعصومين، عليهم السلام، عن منزلة العلم والعلماء، وأهمية العلم والمعرفة في الحياة وعلاقتها بالأخلاق والعقيدة، يقول أمير المؤمنين في "غُرر الحكم": "قيمة كل امرئ ما يعلم"، فيما يدعو رسول الله، صلى الله عليه وآله، الى التوثيق والتدوين: "اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء".
وقد جسّد هذا النمط من الخطاب الرسالي؛ الأئمة المعصومين في سيرة حياتهم، وفي طريقة تعاملهم مع اتباعهم المؤمنين، وايضاً؛ مع المعارضين، وفي المقدمة؛ الحكام، ثم الجاحدين والمشككين وحتى الناصبي العداء لأهل بيت رسول الله، ونقرأ في حياة الأئمة أمثلة رائعة عن لغة العلم والمنطق والبرهان على حقانيتهم وصحة كلامهم، كما في قصة الامام زين العابدين، عليه السلام، مع ذلك الرجل الهرم في الكوفة الذي واجهه بالسبّ والتشفّي بعد يوم واحد من واقعة الطف واستشهاد الامام الحسين، عليه السلام، فعرّف الامام نفسه من خلال القرآن الكريم وأنه من أهل بيت رسول رب العالمين، وكذا الامام الصادق، عليه السلام، ومناقشته ابو حنيفة صاحب مذهب القياس في الفقه، وكيف أفحمه بآيات من القرآن الكريم، حتى ان الاخير صرّح للإمام الصادق بأن "وكأني اقرأ هذه الآية لأول مرة"! ومناظرات الامام الرضا، عليه السلام، مع أهل الديانات والمذاهب ممن ينكرون حقانية الإسلام، وايضاً؛ مع الزنادقة والمشككين والملحدين، ولم يذكر لنا التاريخ مطلقاً أنهم، عليهم السلام، توسلوا بالأفعال الخارقة (المعجزة) لإثبات صحّة كلامهم، بقدر ما اعتمدوا لغة الدليل العلمي والمنطق الصحيح لإضاءة الطريق أمام الباحثين عن الحق والحقيقة.
هذه كانت الرؤية الاستراتيجية للمعصومين منذ ذلك الوقت لنشر الدين والإيمان من خلال العلم والمعرفة التي تمثل الأرضية الصالحة لتقبّل "الخطاب الإسلامي الذي يبتني على علم الناس و وعيهم، فالجهلاء لا يستوعبون الحقائق"، وهذا دليل آخر ليس فقط على حقانية مذهب أهل بيت رسول الله فقط، وإنما دليل صحّة اسلوبهم الحضاري في الخطاب مع المسلمين ومع أهل العالم أجمع، وهذا يؤكده العلماء والمؤرخون والمفكرون في العالم، بأن التشيع إنما حافظ على كيانه المتماسك، وقاعدته الفكرية والعقدية الصلبة بفضل اعتماده لغة العلم والمنطق في الحوار، والاستدلال بكتب وتجارب الآخرين، رغم ما واجهه من تنكيل مريع، و تسقيط هائل، بينما انحنت مدارس وانحسرت أخرى بسبب تقوقعها في شرنقة مصادرها الخاصة التي لا يفهمها سوى اتباعها.
سلاح التجهيل قبل سلاح القتل
طالما سعى الحكام في البلدان الديكتاتورية بالدرجة الاولى لأن يُظهروا اهتمامهم بالعلم والتعليم، و إظهار مودتهم إزاء العلماء، بيد أن الحقيقة في الظل تخفي خشية بالغة من نور العلم ومن عقول العلماء لأن تسلط ضوءها على الزوايا المظلمة التي تعشعش فيها المصالح المشبوهة والمخططات الخبيثة للإمساك بناصية المجتمع وقيادته حيث تتجه سياساتهم في الاقتصاد، والأمن، والثقافة.
وقد حرصت الانظمة الديكتاتورية، ومنها؛ نظام حزب البعث البائد في العراق بقيادة صدام على أن تاخذ بزمام العلم والتعليم بقوة، وتضرب حوله سوراً عالياً منيعاً أمام أي تأثيرات للدين الذي يمثل الهوية الأساس للشعب العراقي، ولا غرو إن عرفنا أن معظم من سقطوا شهداءً في سوح الاعدام او تحت التعذيب في السجون خلال سنوات الديكتاتورية البعثية، كانوا من طلبة الجامعة، أو من شريحة التربويين (المعلم والمدرس)، وايضاً من طلبة الجامعة، من البنين والبنات.
إن أكبر نقطة ضعف في فكر حزب البعث كان خوفه الشديد من الحوار الفكري مع الآخر المعارض له، لمعرفته المسبقة بزيف الشعارات التي يحملها مثل؛ الحرية والوحدة والمساواة بين افراد المجتمع تحت شعار "الاشتراكية"، وأن هناك نماذج أرقى، وتجارب أكبر وأنجح بما لا يُقاس، تطيح بأفكارهم الالتقاطية، لذا قبل أن يحرجه أحد بلغة الحوار، بدأ بلغة العنف والدم والارهاب لاسكات الطرف المقابل، أو إيقافه عند حدّه، وفي خطوة لاحقة إبعاده عن الساحة الاجتماعية والسياسية كاملة كما حصل في سبعينات القرن الماضي.
تجربة الارهاب الفكري لم تتوقف مع انهيار نظام حزب البعث، وسقوط الصنم (صدام)، بل نراها اليوم تظهر بثوب جديد في ظل نظام حكم جديد (الديمقراطية)، فما نسمعه من ساحة الحوار الفكري والثقافي ليس سوى محاولات التسقيط والقتل المعنوي لأشخاص أو قيم أخلاقية ودينية في النفوس، أو لمقدسات، او كيانات تُعد منافساً مقتدراً لقيادة المجتمع والدولة على حدٍ سواء، وهذا ما نلاحظه جلياً على بعض شاشات الفضائيات، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
هذا العجز المشهود يحفّزنا أكثر من أي وقت آخر لأن ندعم حوارنا على الاصعدة كافة، بالدليل والبرهان والمنطق، وكل ما يمتّ الى العقل والفطرة السليمة بصِلَة، واستبدال لغة التسقيط والتشهير والتضليل، بلغة الوعي وتحفيز المشاعر الايجابية نحو البناء وتحمل المسؤولية، والمشاركة في عملية الإصلاح من أبسط مواطن، وأصغر موظف، الى أكبر شخصية اجتماعية وأكبر مسؤول في الدولة.



اضف تعليق