لماذا ينهار الإنسان أحياناً أمام خسارة صغيرة، بينما يستطيع تجاوز أزمات أكبر؟ ولماذا يتحول الفرح بالنجاح عند بعض الناس إلى غرور، كما يتحول الحزن على الفقد إلى حالة تستنزف أيامهم؟ لماذا نمنح بعض العلاقات مساحة أكبر من قدرتها على منحنا الأمان، ثم نشعر بالخذلان عندما لا يأتي الآخرون كما توقعنا؟...

لماذا ينهار الإنسان أحياناً أمام خسارة صغيرة، بينما يستطيع تجاوز أزمات أكبر؟ ولماذا يتحول الفرح بالنجاح عند بعض الناس إلى غرور، كما يتحول الحزن على الفقد إلى حالة تستنزف أيامهم؟ لماذا نمنح بعض العلاقات مساحة أكبر من قدرتها على منحنا الأمان، ثم نشعر بالخذلان عندما لا يأتي الآخرون كما توقعنا؟ وهل يمكن للإنسان أن يحب من دون أن يفقد توازنه، وأن يختلف من دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، وأن يفرح بما يملك من دون أن يصبح أسيراً له؟ ثم أين يقف الاعتدال بين اللامبالاة والمبالغة، وبين التسامح والتنازل، وبين الأمل والاندفاع؟

قد تكون الإجابة في تلك المسافة الهادئة التي يتعلم فيها الإنسان كيف يرى الأشياء من دون أن يسمح لها بأن تستولي على عقله وحياته. فالمشكلة ليست في أن نشعر، وإنما في أن تتحول المشاعر إلى قوة تقود قراراتنا وتحدد صورتنا عن أنفسنا والعالم من حولنا. ومن هنا يصبح الاعتدال أكثر من سلوك أخلاقي؛ إنه طريقة لحماية الإنسان من الاستنزاف، وإعادة تنظيم علاقته بالخسارة والنجاح والحب والخصومة والانتظار.

يضع القرآن الكريم قاعدة دقيقة لهذا التوازن في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، وهي دعوة إلى تحرير النفس من الارتهان الكامل لما تمنحه الظروف أو تنتزعه. فالحزن على الخسارة شعور إنساني طبيعي، والفرح بالنجاح جزء من الحياة، غير أن المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على استعادة توازنه، فيجعل خسارته تعريفاً لنفسه، أو يحوّل نجاحه إلى شعور بالتفوق على الآخرين.

ويبدأ الاعتدال من إدارة المشاعر. فالإنسان المتوازن لا يحاول إلغاء حزنه ولا يخجل من فرحه، وإنما يعرف أن الشعور حالة تمر به ولا ينبغي أن يتحول إلى هوية دائمة. قد نخسر شخصاً أو فرصة أو مالاً أو مكانة، ومن الطبيعي أن نتألم، لكن تحويل الخسارة إلى حكم نهائي على الحياة يجعل الألم أكبر من الحدث نفسه. وكذلك النجاح يحتاج إلى وعي؛ فالإنسان قد ينجح في عمل أو مشروع أو علاقة، ثم يظن أن النجاح دليل على تفوقه في كل شيء. الاعتدال يحفظ للفرح جماله، وللحزن حدوده، ويمنح العقل فرصة للعودة إلى موقع القيادة.

ويمتد الاعتدال إلى العلاقات الإنسانية، وهي من أكثر المجالات التي تختبر قدرة الإنسان على ضبط توقعاته. فنحن لا نتعب دائماً بسبب ما يفعله الآخرون، وإنما بسبب الصورة التي رسمناها عما ينبغي أن يفعلوه. قد نحب شخصاً وننتظر منه أن يفهمنا دائماً، وأن يساندنا في كل موقف، وأن يبادلنا الدرجة نفسها من الاهتمام، ثم نشعر بالخذلان عندما يختلف الواقع عن توقعاتنا. هنا لا تعني الحكمة أن نتخلى عن محبتنا، وإنما أن نفهم حدود الآخرين وحدودنا، وأن نميز بين المحبة والتعلق، وبين الثقة وتسليم الذات، وبين التسامح والسماح المتكرر بالإيذاء.

وهذا الجانب له صلة بما تشير إليه بعض الدراسات النفسية والصحية حول أثر العلاقات والتفاعلات الاجتماعية في التوتر وبعض المؤشرات الجسدية. فالعلاقات الداعمة يمكن أن تمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء، فيما قد تصبح العلاقات المتوترة مصدراً مستمراً للضغط. ومن المهم هنا ألا نحول هذه النتائج إلى أحكام طبية مطلقة، فالصحة تتأثر بعوامل كثيرة، وإنما تكشف لنا أهمية البيئة الاجتماعية في حياة الإنسان. لذلك يحتاج الاعتدال إلى أن يسأل الإنسان نفسه: أي العلاقات تمنحني مساحة للنمو؟ وأيها تجعلني أعيش في حالة دائمة من الترقب والخوف والشرح والدفاع؟

أما الاعتدال في التوقعات فهو من أكثر أشكال الاعتدال أهمية في الحياة الحديثة. فوسائل التواصل الاجتماعي صنعت بيئة تقارن فيها العيون حياتها بحياة الآخرين باستمرار؛ نجاح هنا، سفر هناك، منزل جديد، وظيفة أفضل، علاقة تبدو مثالية، ومظاهر رفاهية لا نعرف ما وراءها. ومع تكرار المقارنة، يشعر الإنسان أن حياته متأخرة حتى عندما تكون تسير بصورة طبيعية. الاعتدال هنا يعني أن نعرف الفرق بين الطموح والمقارنة، وأن نستخدم نجاح الآخرين حافزاً للتعلم لا سبباً لاحتقار الذات. فالإنسان يحتاج إلى هدف يسعى إليه، ويحتاج في الوقت نفسه إلى الاعتراف بما أنجزه فعلاً.

ثم يأتي الاعتدال في الحكم على الآخرين. كم من علاقة انتهت بسبب موقف واحد فُسّر في لحظة غضب على أنه يكشف شخصية الإنسان كلها؟ وكم من شخص تحول في أعيننا من إنسان نحبه إلى عدو بسبب خلاف واحد؟ المشاعر الحادة تختصر الإنسان في موقف، بينما الحياة أكثر تعقيداً من ذلك. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». والحكمة هنا لا تدعو إلى الشك في الناس أو البرود تجاههم، وإنما تربي الإنسان على ألا يجعل مشاعره الحالية حكماً نهائياً لا يسمح بالمراجعة.

ويظهر الاعتدال أيضاً في اتخاذ القرار. فالقرار الذي يصنعه الإنسان وهو غاضب قد يكون محاولة للانتقام، والقرار الذي يصنعه وهو شديد التعلق قد يكون محاولة للاحتفاظ بشيء يخشى فقدانه، والقرار الذي يصنعه تحت ضغط الخوف قد يغلق أمامه فرصاً كان يمكن أن يراها لو انتظر قليلاً. لذلك يصبح التأني جزءاً من الحكمة، لا تأجيلاً دائماً للفعل. أحياناً نحتاج إلى أن نترك المسافة بين الحدث والقرار حتى نعرف ما نريده فعلاً، وما الذي نفعله فقط لأننا غاضبون أو خائفون أو متحمسون.

ولا يكتمل الاعتدال من دون التوازن بين التسامح والكرامة. فالتسامح قيمة إنسانية عالية عندما يساعد على تجاوز الأذى، لكنه يفقد معناه حين يتحول إلى قبول دائم بالإهانة أو الظلم. وقد يحتاج الإنسان إلى أن يسامح شخصاً ويحافظ في الوقت نفسه على مسافة آمنة منه، وأن يتجاوز موقفاً من دون أن يعيد نفسه إلى الظروف التي صنعت الأذى. الاعتدال هنا هو القدرة على تحرير القلب من الرغبة في الانتقام، مع الاحتفاظ بالعقل الذي يعرف كيف يحمي الحقوق والحدود.

وهناك اعتدال آخر يتعلق بـ علاقة الإنسان بجسده وعقله. فالحياة الحديثة تدفع الإنسان إلى العمل المتواصل، والاستهلاك المتواصل، والتعرض المستمر للشاشات والأخبار والتنبيهات. وقد يتعامل مع النوم والراحة والصمت وكأنها أوقات ضائعة، ثم يتساءل لماذا أصبح سريع الغضب، قليل التركيز، ضعيف القدرة على الاستمتاع بالأشياء البسيطة. الاعتدال في الطعام والعمل والراحة والتكنولوجيا والحركة ليس ترفاً؛ إنه جزء من إعادة الإنسان إلى إيقاع يستطيع جسده وعقله احتماله.

ومن هنا يصبح الاعتدال في النجاح والطموح ضرورة أخرى. ليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن طموحه حتى يكون متواضعاً، وإنما أن يعرف أن قيمة الإنسان لا تختصر في منصب أو مال أو شهرة أو عدد من الإنجازات. فالنجاح الذي يدفع صاحبه إلى إهمال أسرته وصحته وراحته وعلاقاته قد يتحول إلى شكل آخر من الخسارة. والطموح الصحي هو الذي يضيف إلى حياة الإنسان، لا الذي يلتهمها. لذلك يحتاج كل شخص، في لحظة ما، إلى أن يسأل نفسه: ماذا أريد أن أصل إليه؟ وماذا سأخسر إذا وصلت إليه بالطريقة التي أسلكها الآن؟

وفي المقابل، لا يعني الاعتدال أن يعيش الإنسان بلا موقف أو أن يساوي بين الصواب والخطأ. هناك قضايا تحتاج إلى وضوح، وحقوق تحتاج إلى حماية، وحدود لا يصح تجاوزها. الاعتدال الحقيقي لا يعني الوقوف في منتصف كل شيء، وإنما يعني أن يكون رد الفعل متناسباً مع الحدث، وأن تكون المشاعر تحت بصيرة العقل، وأن يعرف الإنسان متى يلين ومتى يرفض، ومتى يصبر ومتى يتحرك، ومتى يمنح فرصة جديدة ومتى يضع حداً واضحاً.

ولهذا يصبح الصبر أحد أعمدة الاعتدال. فالإنسان الذي يريد نتائج فورية قد يبالغ في رد فعله عندما تتأخر النتائج، بينما يمنح الصبر العقل فرصة لرؤية الزمن باعتباره جزءاً من الحل. وقد جاء عن الإمام علي عليه السلام: «لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان». الصبر هنا ليس انتظاراً سلبياً، وإنما قدرة على مواصلة الطريق مع مراجعة الوسائل وتصحيح الأخطاء وعدم الاستسلام للانفعال اللحظي.

وفي عالم تتسارع فيه الأخبار، وتتعاظم المقارنات، وتتغير العلاقات بسرعة، يصبح الاعتدال نوعاً من المناعة النفسية والأخلاقية. أن تعرف متى تتوقف عن متابعة ما يستنزفك، ومتى تصمت حتى تفهم، ومتى تتحدث حتى تحمي حقاً، ومتى تراجع توقعاتك، ومتى تعترف بأن بعض العلاقات لا تصلح للاستمرار بالطريقة نفسها. هذه ليست تفاصيل صغيرة؛ إنها الطريقة التي يحافظ بها الإنسان على وحدته الداخلية وسط عالم يحاول باستمرار أن يسحبه إلى أقصى درجات الغضب أو الخوف أو الاستهلاك أو التنافس.

وقد لا يستطيع الإنسان دائماً تغيير البيئة المحيطة به، ولا اختيار كل الأشخاص الذين يلتقيهم، ولا التحكم في الأحداث التي تصيبه، لكنه يستطيع أن يعمل على المساحة التي تقع بين الحدث واستجابته. يستطيع أن يتعلم، وأن يراجع نفسه، وأن يختار كلماته، وأن يؤجل قراراً حتى تهدأ عاطفته، وأن يبني علاقات أكثر صحة، وأن يستعين بمن يثق بهم، وأن يلجأ إلى المختصين عندما يتحول الضغط إلى عبء يفوق قدرته على الاحتمال. كما يستطيع أن يستند إلى منظومة أخلاقية وروحية تمنحه معياراً ثابتاً حين تضطرب الظروف من حوله.

لهذا فإن الاعتدال ليس حياة باهتة خالية من المشاعر، وليس دعوة إلى إطفاء الطموح أو تجنب العلاقات أو الهروب من المواجهة. إنه أن يعيش الإنسان الأشياء بقدرها؛ يحب من دون أن يفقد نفسه، ويحزن من دون أن يجعل الحزن سجناً، ويفرح من دون أن يتحول الفرح إلى غرور، ويختلف من دون كراهية، ويسامح من دون أن يهدر كرامته، ويطمح من دون أن يستهلك حياته في الطريق. وعندما يصل الإنسان إلى هذه المساحة، يصبح أكثر قدرة على التفكير، وأقل عرضة للاندفاع، وأكثر استعداداً لمواجهة تقلبات الحياة.

ربما تكون النجاة في النهاية أقل تعقيداً مما نتصور: أن نتعلم كيف لا نعطي كل حدث أكبر من حجمه، ولا كل إنسان أكثر من مساحته، ولا كل خسارة معنى النهاية، ولا كل نجاح معنى التفوق. فالاعتدال لا يمنع الحياة من أن تؤلمنا، وإنما يمنع الألم من أن يمتلك حياتنا؛ ولا يمنعنا من الفرح، وإنما يجعل فرحنا أكثر وعياً واستقراراً. وهنا تتحول الآية من قاعدة نقرؤها إلى طريقة نعيش بها: لا نأسى حتى نفقد أنفسنا، ولا نفرح حتى نفقد بصيرتنا، وإنما نمضي بينهما بوعي، وصبر، وكرامة، وإيمان.


اضف تعليق