وسيبقى الغدير إشراقةً للمعنى، وتبقى كربلاء حارساً لذلك المعنى، وبينهما تمتد مدرسة أهل البيت عليهم السلام بوصفها مدرسة للعدل والوعي والرحمة، تستمد حضورها من قدرتها على مخاطبة ضمير الإنسان في كل زمان، وإبقاء سؤال الحق مفتوحاً أمام الأجيال مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأزمنة...
بقلم: علي اسحاق

في ذاكرة المسلمين تقف بعض الأحداث بوصفها محطات تاريخية كبرى، غير أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في زمن وقوعها، بل في قدرتها على البقاء فاعلة في الوعي الإنساني عبر القرون. ومن بين هذه المحطات يبرز الغدير بوصفه لحظة مفصلية في مسار الرسالة الإسلامية، فيما تمثل كربلاء الامتحان الأشد صعوبة لذلك المسار. وبين الحدثين تتشكل رؤية متكاملة لمعنى القيادة، ومسؤولية السلطة، وموقع الإنسان في معادلة الحق والعدالة.

ففي الثامن عشر من ذي الحجة، وفي منطقة غدير خم أثناء عودة المسلمين من حجة الوداع، نزل قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

(المائدة: 67).

وفي ذلك المشهد الذي حضره جمع غفير من المسلمين، أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وآله قوله المشهور:

«مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه».

وقد رُوي هذا الحديث بطرق متعددة في مصادر إسلامية عديدة، منها ما أورده الإمام أحمد بن حنبل في المسند، والإمام الترمذي في السنن، والإمام النسائي في خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

وعندما يُقرأ الغدير ضمن سياقه الفكري والحضاري، تتجاوز دلالاته حدود الجدل التاريخي إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمواصفات القيادة التي تحفظ الرسالة وتصون المجتمع. فالولاية هنا ليست امتيازاً شخصياً ولا انتقالاً للسلطة بمعناها التقليدي، وإنما تأكيد على نموذج أخلاقي ومعرفي قادر على إدارة الإنسان والدولة وفق معايير العدالة والحكمة.

لهذا ارتبط اسم الإمام علي عليه السلام في الوجدان الإسلامي بقيم الإنصاف والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية. ففي عهده الشهير إلى مالك الأشتر، وهو من أهم النصوص السياسية والأخلاقية في التراث الإسلامي، يضع قاعدة إنسانية ما زالت تحتفظ براهنيتها حتى اليوم حين يقول:

«الناسُ صنفانِ: إمّا أخٌ لكَ في الدينِ أو نظيرٌ لكَ في الخلق»

(نهج البلاغة، الكتاب 53).

تكشف هذه العبارة عن رؤية تتقدم على كثير من التصورات السياسية التي عرفتها البشرية في عصور طويلة؛ إذ تنطلق من الاعتراف بقيمة الإنسان قبل النظر إلى انتمائه أو معتقده أو موقعه الاجتماعي. ومن هنا اكتسبت تجربة الإمام علي بعداً عالمياً يتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنها قدمت نموذجاً للحاكم الذي يقيس نجاحه بمدى اقترابه من العدالة لا بمقدار ما يملكه من القوة.

ولم يكن الإمام علي عليه السلام يمثل مدرسة أخلاقية في الحكم فحسب، بل كان أيضاً مرجعاً معرفياً وعلمياً كبيراً، وهو ما تشير إليه الرواية المشهورة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله:

«أنا مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابُها».

وقد أورد الحاكم النيسابوري هذا الحديث في المستدرك على الصحيحين (ج3)، وعدّه من الأحاديث المشهورة في فضل أمير المؤمنين عليه السلام.

غير أن الأفكار الكبرى لا تُختبر في أوقات الاستقرار، وإنما تظهر حقيقتها عندما تواجه التحديات والانحرافات التاريخية. ومن هنا تكتسب كربلاء معناها الأعمق. فبعد عقود من الغدير وجدت الأمة نفسها أمام واقع سياسي وأخلاقي مختلف، واقع أخذ يبتعد تدريجياً عن روح الرسالة ومبادئ العدالة التي تأسست عليها.

في تلك اللحظة التاريخية خرج الإمام الحسين عليه السلام ليعلن موقفه بوضوح، قائلاً:

«إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمّةِ جدّي».

وقد ورد هذا النص في المصادر التاريخية المتقدمة، ونقله الطبري وابن الأثير، كما أورده العلامة المجلسي في بحار الأنوار (ج44).

تعبّر هذه الكلمات عن جوهر النهضة الحسينية؛ فهي تضع الإصلاح في مواجهة الفساد، والضمير في مواجهة الاستبداد، والمسؤولية في مواجهة الصمت. ولهذا تحولت كربلاء إلى حدث يتجاوز حدود المعركة العسكرية، لتصبح رمزاً عالمياً لمقاومة الظلم والدفاع عن الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى العلاقة بين الغدير وكربلاء بوصفها علاقة تكامل لا علاقة تعاقب تاريخي فحسب. فالغدير وضع الأساس النظري والأخلاقي للقيادة، وكربلاء قدمت البرهان العملي على ضرورة حماية ذلك الأساس مهما كانت التضحيات.

وفي هذا السياق تكتسب دلالة حديث الرسول صلى الله عليه وآله:

«حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا».

وهو الحديث الذي رواه الترمذي في السنن، ليؤكد الامتداد الرسالي بين النبي وحفيده الإمام الحسين عليه السلام.

كما يستحضر المسلمون في الحديث عن الولاية قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾

(المائدة: 55).

وقد ذكر عدد من كبار المفسرين، منهم الطبري والثعلبي والواحدي والزمخشري، أن الآية نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.

وإذا كان الغدير قد قدّم للأمة معياراً للقيادة الصالحة، فإن الإمام علي نفسه وضع معياراً آخر أكثر أهمية لمعرفة الحق وسط ازدحام الأسماء والشعارات. فعندما طُلب منه التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل قال كلمته الخالدة:

«اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله، إنّ الحق لا يُعرف بالرجال وإنّما يُعرف الرجال بالحقّ».

وهي قاعدة فكرية ما تزال تمتلك قدرة استثنائية على مواجهة التضليل وخلط الأوراق الذي تعيشه المجتمعات في مختلف العصور.

إن الحاجة إلى هذه القاعدة تبدو أكثر إلحاحاً في عالم اليوم، حيث تتصاعد الشعبوية السياسية، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتسع مساحات التضليل الإعلامي، ويصبح من السهل صناعة الرموز وصعوبة صناعة القيم. وفي خضم هذه التحولات تعود رسالة الغدير لتطرح سؤالاً جوهرياً: ما المواصفات التي ينبغي أن تتوافر في من يتولى شؤون الناس؟

كما تعود كربلاء لتذكّر بأن العدالة لا تُصان بالخطب والشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى مواقف تدافع عنها عندما تتعرض للتهديد.

لهذا يبقى الغدير أكثر من مناسبة دينية تُستذكر كل عام، وتبقى كربلاء أكثر من واقعة تاريخية تُروى للأجيال. إنهما مشروع متكامل لبناء الإنسان الواعي، والمجتمع العادل، والدولة التي تجعل من الكرامة الإنسانية أساساً للحكم والإدارة.

ومن أحب علياً عليه السلام تعلّم قيمة الإنصاف، ومن سار مع الحسين عليه السلام تعلّم معنى الحرية المسؤولة ورفض الخضوع للظلم. ومن هنا ظل نداء الإمام الحسين يوم عاشوراء:

«هيهاتَ منّا الذلّة»

يتردد في وجدان الأحرار بوصفه إعلاناً دائماً لانتصار الكرامة على الخوف، والحق على القوة المجردة.

وسيبقى الغدير إشراقةً للمعنى، وتبقى كربلاء حارساً لذلك المعنى، وبينهما تمتد مدرسة أهل البيت عليهم السلام بوصفها مدرسة للعدل والوعي والرحمة، تستمد حضورها من قدرتها على مخاطبة ضمير الإنسان في كل زمان، وإبقاء سؤال الحق مفتوحاً أمام الأجيال مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأزمنة.

اضف تعليق