عيد الغدير، في هذا المعنى، يحمل رسالة تتجدد مع كل عصر. رسالة تدعو إلى بناء الإنسان الرشيد القادر على إدارة نفسه قبل إدارة الآخرين، وإلى بناء دولة تتعامل مع السلطة بوصفها أداة لتحقيق العدالة وصيانة الكرامة الإنسانية، وإلى ترسيخ ثقافة تجعل القيم أعلى من المصالح والأشخاص...
في خضم التحولات السياسية التي يشهدها العالم اليوم، تتجدد الأسئلة القديمة بصيغ جديدة. لماذا تنجح بعض الدول في بناء الاستقرار والثقة بين الحاكم والمجتمع؟ ولماذا تتعثر دول أخرى رغم ما تمتلكه من ثروات وإمكانات بشرية هائلة؟ ولماذا يتصاعد الخطاب الشعبوي في كثير من الديمقراطيات المعاصرة، فيما تتسع فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم؟
هذه الأسئلة لا تنتمي إلى عالم السياسة وحده، بل تمتد إلى جوهر الفكرة التي تحكم العلاقة بين السلطة والإنسان. ومن هنا تكتسب مناسبة عيد الغدير بعداً فكرياً يتجاوز حدود الذاكرة التاريخية إلى فضاء أوسع يتعلق بمعنى القيادة ومعايير الحكم وأسس بناء المجتمع.
عندما وقف الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، كانت الأمة تقف عند مفترق طرق تاريخي. وفي قلب هذا المشهد برزت قضية الولاية بوصفها قضية ترتبط بمستقبل المجتمع واتجاهه الحضاري. فالتحدي الأكبر الذي واجه المجتمعات عبر التاريخ لم يكن في اختيار الحاكم فقط، وإنما في تحديد المنهج الذي يحكم السلطة نفسها ويضبط علاقتها بالناس.
ومن يقرأ تجربة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يكتشف أن القضية كانت أعمق من تداول السلطة وأوسع من حدود السياسة اليومية. فقد قدم نموذجاً أخلاقياً وإدارياً يضع الإنسان في مركز الاهتمام، ويجعل العدالة أساس الاستقرار، ويربط قوة الدولة برضا المجتمع عنها.
التاريخ الإنساني مليء بتجارب حكم انطلقت من شهوة السيطرة والتفرد بالقرار. وفي مثل هذه البيئات تنمو ثقافة الخوف، وتتضخم الأجهزة القمعية، وتتحول الدولة إلى منظومة تراقب المجتمع أكثر مما تخدمه. وعندما تتغلب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، تظهر أمراض الفساد والانتهازية والنفاق السياسي، ويصبح الولاء للأشخاص أهم من الولاء للقيم والمؤسسات.
أما في التجربة العلوية، فكان الطريق مختلفاً. العدالة جاءت في مقدمة الأولويات، والمال العام عُدَّ أمانة، والسلطة مسؤولية ثقيلة، والإنسان قيمة عليا تستحق الاحترام بصرف النظر عن موقعه أو انتمائه. ولهذا ظل عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر واحداً من أهم النصوص السياسية والأخلاقية في التراث الإنساني، لأنه يعالج قضايا الإدارة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية والعلاقة مع المواطنين بلغة تسبق عصرها بقرون طويلة.
حين يوصي الإمام عامله بقوله: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم»، فإنه يرسم ملامح دولة قادرة على صناعة الثقة. فالرحمة هنا تتحول إلى سياسة عامة تنعكس على توزيع الفرص، وعلى مستوى الخدمات، وعلى احترام الكرامة الإنسانية، وعلى قدرة الدولة في تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات.
ولهذا ارتبطت فكرة الحكم الرشيد في الفكر الإنساني الحديث بمبادئ تكاد تتطابق مع تلك القيم؛ كالشفافية، والنزاهة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية. فالمجتمعات التي نجحت في بناء هذه المنظومة استطاعت تحقيق مستويات مرتفعة من الاستقرار والتنمية. وتجارب دول مثل النرويج واليابان وعدد من الدول الإسكندنافية تكشف أن الاستثمار في الإنسان وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات ينتج استقراراً طويل الأمد ويخلق بيئة قادرة على الابتكار والنمو.
وفي الجهة المقابلة، ما زالت دول كثيرة تستهلك جزءاً كبيراً من مواردها في التسلح والأجهزة الأمنية والصراعات السياسية، بينما تتراجع مؤشرات التعليم والصحة والتنمية. وتنعكس هذه الاختلالات على شكل أزمات متراكمة تدفع قطاعات واسعة من الناس إلى فقدان الثقة بالنخب الحاكمة وبالعملية السياسية برمتها.
من هنا يمكن فهم ظاهرة صعود الشعبوية في عدد من دول العالم خلال السنوات الأخيرة. فالكثير من المجتمعات باتت تشعر أن الخطاب الديمقراطي لا يترجم دائماً إلى فرص متكافئة أو عدالة ملموسة في الحياة اليومية. وعندما تتسع الفجوة بين الشعارات والواقع، تنشأ بيئات خصبة للغضب والاستقطاب والتطرف السياسي.
وفي مواجهة هذه التحديات تبرز مقولة الإمام علي (عليه السلام): «اعرف الحق تعرف أهله». إنها قاعدة تتجاوز حدود الجدل التاريخي لتتحول إلى منهج في التفكير وإدارة الشأن العام. فالحق يقدم معياراً ثابتاً وسط ضجيج المصالح المتعارضة والشعارات المتبدلة. ومن خلاله يمكن تقييم الأشخاص والمؤسسات والسياسات بعيداً عن الهالة الإعلامية أو النفوذ السياسي أو الشعبية المؤقتة.
هذه الرؤية تمنح المجتمع حصانة فكرية وأخلاقية. فالمواطن الذي يبحث عن الحق قبل الأشخاص يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الشعبوي، وبين القيادة التي تخدم المجتمع والقيادة التي توظف المجتمع لخدمة مصالحها الخاصة.
عيد الغدير، في هذا المعنى، يحمل رسالة تتجدد مع كل عصر. رسالة تدعو إلى بناء الإنسان الرشيد القادر على إدارة نفسه قبل إدارة الآخرين، وإلى بناء دولة تتعامل مع السلطة بوصفها أداة لتحقيق العدالة وصيانة الكرامة الإنسانية، وإلى ترسيخ ثقافة تجعل القيم أعلى من المصالح والأشخاص.
وحين يتحول الحق إلى بوصلة في إدارة الدولة والمجتمع، تتعزز الثقة، وتتسع مساحة العدالة، وتزدهر الطاقات البشرية، ويقترب المجتمع من الاستقرار الذي تبحث عنه الأمم منذ قرون. تلك هي إحدى الدلالات العميقة التي يحملها الغدير؛ رؤية حضارية ما زالت قادرة على إلهام الحاضر والإسهام في صناعة مستقبل أكثر توازناً وإنصافاً.



اضف تعليق