تحويل حماية الدخل الأساسي للمواطن من إجراء حكومي مؤقت إلى نظام مؤسسي دائم يمثل جوهر الدولة الحضارية الحديثة؛ فالدولة لا ينبغي أن تُدار بأجر يومي يعتمد على تقلبات الإيرادات النفطية، بل بحماية العيش الكريم ومنع الصدمات المالية عن شبكات الأمان الاجتماعي والمتقاعدين والموظفين...
لم تعد الأزمات المالية التي تتعرض لها الدول مجرد أحداث اقتصادية عابرة، بل أصبحت اختبارات حقيقية لقدرة الدولة على حماية المجتمع والمحافظة على استقراره. فالدولة التي تعجز عن دفع رواتب موظفيها أو معاشات متقاعديها أو إعانات الفئات الهشة لا تواجه مشكلة في السيولة المالية فحسب، وإنما تكشف عن خلل في بنيتها المؤسسية، وعن قصور في فلسفة إدارة المال العام.
وقد كشفت الأزمة المالية التي يمر بها العراق بوضوح عن هذا الخلل. فمجرد انخفاض الإيرادات النفطية أو اضطراب الصادرات أصبح كافيًا لإثارة القلق بشأن قدرة الدولة على الإيفاء بأهم التزاماتها تجاه المواطنين. وهذا يعني أن النظام المالي القائم لا يمتلك أدوات مؤسسية كافية لعزل المجتمع عن الصدمات الاقتصادية، وأن الأمن المعيشي لملايين المواطنين ما زال معلقًا بعوامل خارجية لا يملكون السيطرة عليها.
وليس المقصود من هذا التشخيص التقليل من أهمية العوامل الطارئة التي قد تؤدي إلى الأزمات، كالحروب أو انخفاض أسعار النفط أو الاضطرابات الاقتصادية العالمية، فهذه عوامل يمكن أن تواجهها جميع الدول. لكن الفارق بين الدول لا يكمن في وقوع الأزمات، وإنما في قدرتها على امتصاص آثارها وحماية مواطنيها منها. فالدول التي بنت مؤسسات مالية راسخة وصناديق احتياطية وأنظمة ضمان مستقرة تستطيع تحويل الأزمة إلى تحدٍ يمكن السيطرة عليه، في حين تتحول الأزمة نفسها في الدول الهشة إلى تهديد مباشر لحياة المواطنين واستقرار المجتمع.
ومن هنا فإن المشكلة الأساسية في العراق ليست أن الإيرادات النفطية قد تنخفض في بعض السنوات، فهذا أمر طبيعي في اقتصاد عالمي متقلب، وإنما المشكلة أن الدولة ربطت الوفاء بالتزاماتها الأساسية بالتدفق الشهري للإيرادات النفطية، حتى أصبحت، في وصف يعبر بدقة عن طبيعة هذا الخلل، دولة تعمل بأجر يومي لدى شركات النفط. فهي تنتظر ما يدخل إلى خزينتها من عائدات النفط لكي تدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية، فإذا انخفضت الإيرادات أو تعطلت الصادرات، انتقلت الأزمة فورًا إلى المجتمع.
ولم ينشأ هذا الوضع من سبب واحد، وإنما كان نتيجة تراكمات امتدت سنوات طويلة، من أبرزها التوسع غير المدروس في التعيينات الحكومية، وتضخم الإنفاق الجاري، واستمرار الاقتصاد الريعي، واستنزاف الموارد العامة بسبب الفساد وسوء الإدارة، وضعف الإيرادات غير النفطية، وغياب المؤسسات المالية التي تتولى تكوين الاحتياطيات اللازمة لمواجهة الأزمات. وهكذا أصبحت الدولة تؤدي وظائفها اليومية من الإيراد الجاري، من دون أن تمتلك نظامًا مؤسسيًا يضمن استمرار هذه الوظائف عند تعرض الاقتصاد لأي صدمة.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن هذه المشكلة لا تعد مشكلة مالية فحسب، بل تعبر عن نقص في بناء الدولة نفسها. فالدولة الحضارية الحديثة لا تقاس بقدرتها على إدارة الموارد في الظروف الطبيعية فقط، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان في الظروف الاستثنائية أيضًا.
ومن هنا فإن حماية الدخل الأساسي للمواطن ليست سياسة اجتماعية اختيارية، وليست إجراءً مؤقتًا تتخذه الحكومة عند الأزمات، وإنما هي وظيفة أصيلة من وظائف الدولة، لأنها تمثل الحد الأدنى من الأمن المعيشي الذي لا يجوز أن يتعرض للانقطاع بسبب التقلبات الاقتصادية أو السياسية.
وانطلاقًا من هذا الفهم، يقدم هذا الكتاب نظرية جديدة ضمن إطار الفلسفة الحضارية، تقوم على أن حماية الدخل الأساسي للمواطن ينبغي أن تتحول من التزام مالي سنوي إلى نظام مؤسسي دائم، يمتلك موارده وآلياته وقواعده القانونية، ويكون قادرًا على حماية المجتمع من آثار الأزمات المالية مهما كانت أسبابها. وتجسيدًا لهذه النظرية، يقترح الكتاب إنشاء النظام الوطني لحماية الدخل الأساسي للمواطنين بوصفه مؤسسة وطنية مستقلة تتولى ضمان استمرار دفع الرواتب الأساسية، ومعاشات التقاعد، وإعانات الحماية الاجتماعية، وغيرها من الحقوق الأساسية التي يحددها القانون، بعيدًا عن التقلبات الظرفية في الإيرادات العامة.
ولا يقدم هذا الكتاب معالجة تقنية لمسألة مالية فحسب، بل يطرح تحولًا في فلسفة الدولة ذاتها؛ انتقالًا من دولة تستهلك الإيرادات الجارية إلى دولة تبني الضمانات المؤسسية، ومن دولة تلاحق الأزمات بعد وقوعها إلى دولة تستعد لها قبل وقوعها، ومن دولة يعتمد استقرارها على حسن الحظ الاقتصادي إلى دولة تجعل أمن مواطنيها جزءًا من بنيتها الدائمة.
وبذلك يسعى هذا المشروع إلى الإسهام في تطوير نظرية الدولة الحضارية الحديثة، من خلال إضافة أحد أركانها الأساسية، وهو الضمان الحضاري للدخل الأساسي للمواطن، بوصفه حقًا دائمًا ومسؤولية مؤسسية لا يجوز أن تخضع لتقلبات الأسواق أو لتغير الحكومات أو للأزمات الاقتصادية، لأن الدولة التي تعجز عن حماية الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها لا تكون قد استكملت شروط الدولة الحضارية الحديثة.



اضف تعليق