ليست المشكلة في حرية النائب بتغيير موقفه، إنما في بنية سياسية تُعلي شأن الفرد على حساب الحزب، فتتحول الكتل إلى تجمعات شخصية رخوة. إن بناء الدولة الحضارية يحتاج الانتقال من الولاء الفردي إلى الالتزام البرنامجي والمؤسسي، لتحويل الانتخابات إلى تجربة ديمقراطية متراكمة تخدم المجتمع بدلاً من إعادة توزيع المواقع...
تشهد الحياة البرلمانية العراقية ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها، يمكن أن نطلق عليها اسم «السيولة السياسية». والمقصود بها سهولة انتقال النواب بين الكتل، وانشقاق الكتل والتحالفات، وإعادة تشكيلها، بحيث تبدو الخريطة البرلمانية متحركة باستمرار، ولا تحتفظ الكتلة السياسية دائمًا بالتماسك الذي ظهرت به عند الانتخابات أو عند بداية الدورة البرلمانية.
وما يجري حاليًا من انسحابات وانتقالات داخل ائتلاف الإعمار والتنمية يقدم مثالًا راهنًا لهذه الظاهرة، لكنه ليس حالة منفردة أو خاصة بهذه الكتلة؛ فقد عرف المسرح السياسي العراقي خلال السنوات الماضية صورًا متعددة من الانشقاق وإعادة التحالف وانتقال النواب وتبدل مواقع القوى السياسية. ولذلك فالمشكلة أوسع من كتلة بعينها وأعمق من خلاف سياسي عابر.
ويمكن أن يقدم المسار السياسي للنائبة عالية نصيف مثالًا آخر على هذه السيولة، من دون أن يعني ذلك إصدار حكم على دوافع انتقالاتها السياسية. فقد ظهرت خلال دورات ومراحل مختلفة ضمن أطر وتحالفات سياسية متعددة، وكانت ضمن ائتلاف دولة القانون قبل أن تعلن خروجها منه في حزيران/يونيو 2024، ثم ظهرت لاحقًا ضمن ائتلاف الإعمار والتنمية. والمهم هنا ليس الشخص، وإنما ما يكشفه المثال من قابلية الانتماء البرلماني في البيئة السياسية العراقية للانتقال وإعادة التشكل.
في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، ليس انتقال السياسي من حزب إلى آخر أمرًا مستحيلًا أو ممنوعًا. وقد يحدث نتيجة خلاف حقيقي في الأفكار أو السياسات أو القيادة. لكن الأمر يصبح ظاهرة مختلفة عندما ترتفع قابلية الانتماءات السياسية للتغير إلى درجة تجعل حدود الكتل نفسها غير مستقرة.
هنا نكون أمام السيولة السياسية. والسيولة بهذا المعنى تكشف مشكلة أعمق هي ضعف المأسسة الحزبية. فالحزب السياسي بالمعنى المؤسسي ليس مجرد مجموعة من الأشخاص اجتمعوا حول زعيم أو خاضوا الانتخابات في قائمة واحدة، وإنما هو مؤسسة لها هوية سياسية وبرنامج وقواعد للعضوية وآليات لاتخاذ القرار وذاكرة تنظيمية ومشروع يفترض أن يكون أقدر على البقاء من الأشخاص الذين يتعاقبون على قيادته.
وحين تكون هذه العناصر ضعيفة، تصبح قوة الرابط الشخصي أو المصلحي أو الظرفي أكبر قياسًا بقوة الرابط الفكري والبرنامجي والمؤسسي. وعندئذ يصبح الانتقال من كتلة إلى أخرى أسهل، ويصبح الانشقاق أكثر احتمالًا، وتصبح التحالفات قابلة لإعادة التشكيل تبعًا لتحولات موازين القوة.
وهنا تظهر إحدى السمات المهمة للحياة السياسية غير المكتملة المأسسة: يصبح الفرد أكثر ثباتًا من المؤسسة، بينما يفترض في النظام المؤسسي الناضج أن تكون المؤسسة أكثر بقاءً من الفرد. فالسياسي قد يبقى حاضرًا في البرلمان والحياة العامة سنوات طويلة، فيما تتغير الأطر التي ينتمي إليها، أو تتفكك التحالفات التي أوصلته إلى البرلمان، أو تظهر تجمعات جديدة حول الأشخاص أنفسهم. وبذلك تستمر النخبة، بينما تتغير المؤسسات التي تحمل أسماءها السياسية.
وهذه الظاهرة لها تداعيات تتجاوز الأحزاب نفسها إلى طبيعة العملية الديمقراطية. فالناخب عندما يصوت لقائمة سياسية لا ينتخب أفرادًا مجردين فقط، وإنما يفترض أنه يمنح ثقته لاتجاه وبرنامج ومشروع سياسي. ولكن إذا أصبحت الخريطة التي أنتجتها الانتخابات قابلة لإعادة التشكيل بصورة واسعة بعد الانتخابات، تظهر فجوة بين الخريطة التي صوت عليها المواطن والخريطة التي تعمل فعليًا داخل البرلمان.
وهنا تتضرر المساءلة السياسية. فمن الذي يحاسب المواطن في الانتخابات المقبلة؟ ومن كان جزءًا من الأغلبية؟ ومن كان في المعارضة؟ ومن يتحمل مسؤولية السياسات والقرارات؟ كلما ازدادت حركة الانتقال والانشقاق وإعادة التحالف، أصبحت الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر صعوبة.
كما تؤدي السيولة السياسية إلى ارتفاع القيمة السياسية للنائب الفرد على حساب المؤسسة الحزبية. فعندما تكون الكتل شديدة التماسك تكون المفاوضات في الغالب بين مؤسسات سياسية؛ أما عندما تصبح الحدود بين الكتل رخوة، فإن انتقال بضعة نواب قد يؤثر في التوازنات البرلمانية، فتزداد أهمية المفاوضات الفردية وإعادة التموضع السياسي.
ولا يعني هذا بالضرورة أن كل انتقال من كتلة إلى أخرى تحكمه مصلحة شخصية أو صفقة سياسية؛ فهذا حكم يحتاج إلى دليل في كل حالة على حدة. ولكن البيئة السياسية التي تضعف فيها الروابط البرنامجية والمؤسسية وتزداد فيها سهولة الانتقال تجعل العلاقات الشخصية والمصالح الظرفية وموازين القوة أكثر قدرة على التأثير في حركة النواب والتحالفات.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا تقف مشكلة السيولة السياسية عند تغير أسماء الكتل والتحالفات، وإنما تظهر خطورتها بصورة أعمق حين تكشف ضعف المأسسة الحزبية. فالمؤسسة السياسية الناضجة تحفظ الخبرة المتولدة من الممارسة، وتضيف إليها، وتنقلها عبر الزمن من قيادة إلى أخرى ومن جيل سياسي إلى آخر. الحزب يتعلم من أخطائه، ويطور برنامجه، ويكوّن قياداته، ويحفظ ذاكرته التنظيمية، ويبني كل مرحلة من تجربته على الخبرة التي أنتجتها المرحلة السابقة.
أما حين تتمحور التجربة حول الأشخاص، وتتغير التنظيمات والتحالفات بتغير مواقعهم وظروفهم ومصالحهم، فإن الخبرة تميل إلى البقاء خبرة شخصية أو خبرة شبكات محدودة، ولا تتحول بالقدر الكافي إلى ذاكرة مؤسسية مستقرة.
ومن هنا ينبغي أن نفهم العلاقة بين السيولة السياسية والمراكمة المؤسسية بصورة دقيقة. فالسيولة ليست في ذاتها نقيضًا للمراكمة، وانتقال نائب أو انشقاق مجموعة لا يعني تلقائيًا انهيار المؤسسة. لكن ضعف المأسسة الحزبية يؤدي إلى ارتفاع السيولة السياسية، والسيولة المزمنة تجعل حفظ الخبرة داخل المؤسسة ونقلها عبر الزمن أكثر صعوبة، ومن ثم تضعف المراكمة المؤسسية.
وبعبارة أخرى، فإن السلسلة تبدأ من ضعف المؤسسة: ضعف المأسسة يجعل الانتماءات أكثر هشاشة، وهشاشة الانتماءات تزيد السيولة، واستمرار السيولة يعرقل تحول الخبرة السياسية إلى رصيد مؤسسي متراكم.
وهنا تحديدًا تظهر المشكلة الحضارية. فالديمقراطية لا تنضج بمجرد تكرار الانتخابات، وإنما تنضج عندما تنتج التجربة خبرة سياسية تتراكم داخل مؤسسات مستقرة نسبيًا. الحزب يتعلم من أخطائه، ويطور برنامجه، ويكوّن قياداته، ويحفظ خبرته، وينقلها من جيل سياسي إلى آخر. أما إذا ظلت التنظيمات تتشكل وتتصدع ويعاد تشكيلها باستمرار، فإن جزءًا مهمًا من الخبرة السياسية يتبدد بدل أن يتحول إلى قدرة مؤسسية متراكمة.
وفي هذه الحالة قد نكون أمام مراكمة للأشخاص من دون مراكمة موازية للمؤسسات. فالسياسي نفسه يراكم الخبرة والعلاقات والنفوذ والقدرة على التفاوض والتحرك داخل النظام، لكنه قد يحمل هذه الخبرة معه من كتلة إلى أخرى بدل أن تستقر في المؤسسة التي عمل داخلها. وهكذا تزداد خبرة الأفراد، بينما تبقى المؤسسات السياسية أضعف من أن تحول الخبرة الفردية إلى قدرة جماعية مستدامة.
وهنا نصل إلى المفارقة الأساسية: قد يكون البرلمان مستقرًا دستوريًا، لكنه شديد السيولة سياسيًا. المقاعد موجودة، والنواب موجودون، والجلسات مستمرة، لكن الخريطة السياسية التي تعطي لهذه المقاعد معناها تبقى قابلة للتحول.
وليست المشكلة في حرية النائب في تغيير موقفه؛ فالحرية السياسية جزء من الديمقراطية. المشكلة في نوع البنية السياسية التي تجعل تغيير الانتماءات بهذه السهولة أمرًا متكررًا.
إن بناء الدولة الحضارية الحديثة يحتاج إلى حياة سياسية تنتقل تدريجيًا من الشخص إلى المؤسسة، ومن الولاء الفردي إلى الالتزام البرنامجي، ومن التحالف المؤقت إلى التنظيم القادر على إنتاج الخبرة ومراكمتها. فالدولة القوية لا تقوم على مؤسسات حكومية قوية وحدها؛ إنها تحتاج أيضًا إلى أحزاب وكتل سياسية ناضجة تستطيع حمل البرامج، وإنتاج القيادات، وتحمل المسؤولية أمام المواطنين.
ولهذا فإن السيولة البرلمانية ليست مجرد حركة مقاعد داخل مجلس النواب، وإنما مؤشر ينبغي قراءته في سياق أوسع: مدى انتقال العراق من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات.
وحين تصبح المؤسسة أقوى من الشخص، والبرنامج أقوى من المصلحة الآنية، والمراكمة أقوى من إعادة البدء في كل مرة، عندها فقط تتحول الانتخابات المتكررة إلى تجربة ديمقراطية متراكمة، وتتحول السياسة من ساحة لإعادة توزيع المواقع إلى إحدى أدوات بناء القدرة الحضارية للدولة والمجتمع.



اضف تعليق