الحديث عن الاصلاح مع تشعب موضوعاته وخصوصاً في رقعة جغرافية كرقعة الشرق؛ ليس له أن ينفصل خصوصاً في العقدين الأخيرين عن تداعيات الأحداث السياسية التي أنتجت عدة تغييرات على المستوى السياسي والثقافي، فهي تداعيات عصفت بالواقع بشكل كبير.

وبالعودة إلى الاصلاح؛ ترى هل أنتجت التداعيات العاصفة إصلاحاً؟

لماذا إذن هذه الفوضى، والتداعيات العاصفة أفرزت تغييراً لأنظمة لم تعرف الاصلاح فكراً أو سلوكاً؟

هذان السؤالان يجب أن يتم بحثهما على طاولة صريحة يجلس عليها من تصدوا لمرحلة ما بعد التغيير؛ عسى أن نصل لنتيجة نتعامل بها مع الاصلاح على أنه فكرة نبلورها، أو صناعة نجتهد في تنميتها.

مشكلتنا مع الاصلاح المُغَيّب هي قبولنا بالأمر الواقع كمصداق للمثل الشعبي (شين اللي تعرفه أحسن من زين اللي ما تعرفه) أي أن المجتمع قابل للتماهي مع الوضع السيء طالما هو معروف ومشخص، وهو الأفضل ــ لمن يتبنى هذه المقولة ــ من أي وضع إيجابي متخيل قد لا يأتي. هذا الخوف يتأتى من المزاج السوداوي لكثير من المجتمعات التي عانت من القهر والاضطهاد؛ بسبب السلطات الجائرة والمستبدة. وهنا يستثمر البراغماتيون هذه الثقافة؛ لإنتاج الاصلاح الذي يلبي رغباتهم، ويشبع نهمهم التسلطي، فيكون الثراء الفاحش، والامتيازات التي يحصلون عليها إصلاحاً لشؤونهم هم، وحدهم، لا غيرهم.

الواقع يقول إن الاصلاح فكرة هي أقرب للتبشير تتبعها خطوات سلوكية تعززها وهذه الخطوات هي ما يمكن لنا أن نصفها بـ (الصناعة)، فالرسالات السماوية تمثل الفكرة، بينما يتولى الأنبياء والرسل مهمة صناعتها التي قد تجلب ــ وقد جلبت فعلاً ــ المصاعب.

الاصلاح اليوم هو صناعة؛ لأن الرسالات السماوية توقفت، وهذا لا يعني توقف الفكرة، لكن كيف تكون الصناعة، ومن يقوم بالصنع؟

لو اتفقنا على أن المعنيين بالتغيير ومخرجاته هم الذين يصنعون الاصلاح؛ فإنَّ فريقين متصارعين إيديولوجيَّاً سيأخذان على عاتقهما مهمة صناعة الاصلاح وهما :

1/ فريق يمثل خط التديِّن وهو الفريق الذي وجد نفسه في كثير من بلدان التغيير منتقلاً من خط المعارضة السياسية للأنظمة الفاسدة إلى خط الصعود إلى الحكم.

2/ فريق يمثل خطَّاً علمانياً وجد نفسه في مأزق التماهي مع زملاء المعارضة من المتديِّنين المختلفين معه فكرياً، ومأزق ترميم خطابه الذي بدا متناقضاً مع حجم التطورات التي تتسارع في العالم.

الصعوبة الأكبر في عملية صنع الاصلاح تقع على عاتق الخط الأول؛ وذلك لأن كل إمكانيات الدولة تقريباً تحت تصرفه. ومع ذلك؛ نجد أن هذا الخط فشل فشلاً ذريعاً في صناعة الاصلاح؛ بسبب تعامله الثنائي في الحكم، حيث تعامل مع الأكثرية التي تتبعه بحكم الفطرة الدينية بخطابات اللغة السائدة والمكرورة، وإقحام الغيبيات كلما زاد وهج التذمر الاجتماعي وهو يرى الذين آمن بهم وبأفكارهم التي تمثل التطلعات المستقبلية وهم أبعد ما يكون عن الأفكار التي نادوا بها، فمفردة مثل مفردة (الزهد) على سبيل المثال تنتعش في الخطابات، لكنها عملياً متلاشية في لذة التسلط.

وقد تكون صناعة الاصلاح ــ في مثل الوضع الذي نتحدث عنه ــ تقع على عاتق من يعارض التوجهات الجديدة، فهل صنع المعارضون إصلاحاً؟

الجواب قطعاً : لا، لماذا؟ لأنَّ الكل مؤيدين ومعارضين إنما يؤيدون ويعارضون من أجل الهدف السلطوي لا الاصلاحي. وقد لمسنا ذلك من خلال الاتحادات المرحلية بين الإيديولوجيات المختلفة بذريعة أن العمل في جو (الديموقراطية) يتيح مثل هذا الاتحاد، بل ويباركه، فجاءت نتائج الاتحاد (الديموقراطي) بمزيد من اللوعات الاجتماعية، والامتيازات السلطوية للمتحدين (الاصلاحيين)، وفي العراق أنموذج صريح لهذا الذي نتحدث عنه.

في مكان آخر ليس بعيداً عن العراق، سوريا تحديداً؛ أخذت صناعة الاصلاح طابعاً عنفياً إذ تحالف المعارضون للنظام الحاكم مع قوى لها إرادات مختلفة، والهدف طبعاً هو إصلاح ما أفسده نظام متسلط ، فجاء الاصلاح المزعوم بالتعاون مع الجماعات المتطرفة والارهابية، وصار الارهاب عنصراً من عناصر الصناعة الاصلاحية التي لم تقدم للحالمين بالغد الأفضل غير الدمار والرعب والقتل والتهجير.

في الأنموذجين العراقي والسوري، نصل إلى قناعة أن الاصلاح ما هو إلا إطالة لزمن الأخطاء، ولكن بصور مختلفة، وبأدوات صناعية تعمل وفق المرحلة الزمنية التي تنتجها!

إننا نعيش فعلياً في زمن الاصلاح البراغماتي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0