هل يمكن لأوروبا أن تكون قوة مستقلة بذاتها؟ الجواب: بالتأكيد يمكن ذلك في ظل توفر عوامل كثيرة؛ أبرزها اقتصاد متعدد داخل الاتحاد الأوروبي ذاته، وقوة ردع عسكري متوفرة في العديد من بلدانها، والسياسة الأوروبية المتوازنة والهادئة مع مختلف دول العالم لاسيما الصين، وحتى مع موسكو هنالك نقاط التقاء كثيرة ومصالح مشتركة...
مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الحالية لا يزال يعيش على صدى كلمات نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” عندما انتقد الأوروبيين حول ملفي الهجرة وحرية التعبير. وهذه الانتقادات العلنية والرسمية من قبل واشنطن لأوروبا مهدت الطريق لسياسة أمريكية جديدة إزاء الحليف التقليدي لواشنطن؛ سواء في إطار حلف الناتو الذي يشعر الكثير من الأوروبيين أنه انتهى، أو من خلال مواقف أوروبا الثابتة بدعم السياسة الأمريكية في مختلف القضايا.
لهذا نجد أن مؤتمر ميونخ للأمن عام 2026، ورغم مشاركة واشنطن بوفد كبير، إلا أن ذلك لا يعيد الثقة التي انهارت بين ضفتي الأطلسي. وبدأت واشنطن في عهد “ترمب” بتفكيك خيوط العلاقة بينها وبين الأوروبيين، وكما أشرنا؛ فإن تصريح نائب الرئيس قبل عام من اليوم لم يأتِ من فراغ بقدر ما هو خارطة عمل، بدليل ما شهده العام الماضي من إجراءات أمريكية تجارية ومواقف سياسية عكست رغبة واشنطن بإنهاء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي صُمم لمواجهة الخطر الشيوعي آنذاك.
وبما أن العالم اليوم -من وجهة نظر أمريكا- لا تحكمه الأيديولوجيات والشعارات بقدر ما تحكمه المصالح من جهة.
ومن جهة ثانية (المال والقوة)، وهذه بالذات تمتلكها واشنطن التي ظلت تحمي أوروبا مجاناً لعقود طويلة؛ وبالتالي فإن الحماية المجانية في عالم اليوم لا يمكن أن تتحقق ما لم تكن هنالك أثمان تُدفع بطريقة أو بأخرى. وتبرر إدارة “ترمب” ذلك بمحاولة جعل الأوروبيين يعتمدون على أنفسهم في ملفات عدة أبرزها أمنهم، وهذا بحد ذاته دفع الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق العسكري داخل الناتو من أجل إرضاء واشنطن.
وبالتالي، نجد في العام الأول من ولاية “ترمب” الثانية أن أوروبا فقدت الثقة بالحليف الأمريكي، وهذا بحد ذاته لم يحصل من قبل مع مختلف الإدارات الأمريكية التي تعاقبت على البيت الأبيض. في المقابل هنالك تناغم، أو على الأقل (غزل مخفي)، بين “ترمب” والصين وروسيا، وكلاهما كان لوقت قريب الخطر الأكبر لواشنطن؛ لذا وجدنا عديد الدول الأوروبية سارعت لعقد اتفاقيات تجارية وصفقات وزيارات رسمية ذات أبعاد سياسية مع بكين، وقد يحصل ذلك مع موسكو أيضاً في الأسابيع والأشهر القادمة من أجل ضمان أمن أوروبا بشكل أو بآخر.
والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن المتابع: هل يمكن لأوروبا أن تكون قوة مستقلة بذاتها؟ الجواب: بالتأكيد يمكن ذلك في ظل توفر عوامل كثيرة؛ أبرزها اقتصاد متعدد داخل الاتحاد الأوروبي ذاته، وقوة ردع عسكري متوفرة في العديد من بلدانها، والسياسة الأوروبية المتوازنة والهادئة مع مختلف دول العالم لاسيما الصين، وحتى مع موسكو هنالك نقاط التقاء كثيرة ومصالح مشتركة لاسيما في ملف الغاز والطاقة وغيرها.
لكن ما تحتاجه أوروبا فعلاً هو أن تكون قادرة على تعزيز استقلاليتها عن واشنطن في مجالات الأمن والدفاع والتجارة والتكنولوجيا، وهو الأمر الذي يمكن أن يتحقق إن توفرت إرادة سياسية أوروبية في هذا الاتجاه.



اضف تعليق