شهر الصيام يفرض على الصائم أن يكون نظيف النفس والقلب، وأن لا يقرب الظلم، بل عليه أن يكون المثال النموذجي للتعاطف والتراضي والتسالم والتعاون بأعلى درجاته، بحيث يكون النموذج الإنساني المؤثر في المجتمع، لكي يحث الآخرين على اغتنام هذا الموسم الروحي العظيم، كي تُصنَع الجماعة أو المجتمع المتقدم والمستقر...
(إن شهر رمضان المبارك شهر صيام وصلاة وطهارة ونزاهة وقداسة وتقوى)
الإمام الشيرازي
تفرض أجواء شهر رمضان أنماطا خاصة من السلوك البشري بين المسلمين، حيث يكون اللّين متصدرا ذلك، كما أن التقوى تزدهر بين النفوس والقلوب، ويبعث الصيام إشاراته لتنظيف النفس، والقلب، لتكون الطهارة عنوانا لهما، حتى نزاهة الإنسان تصل إلى أعلى درجاتها، وهذا يعود إلى سعي الصائم لتنظيف نفسه وقلبه من الشوائب، وكذلك هناك درجة قصوى من تجنّب الظلم، فلا يمكن للإنسان الظالم أن يلتقي الصائم مع الظلم إلا إذا كان نوعا من الرياء.
شهر الصيام يفرض على الصائم أن يكون نظيف النفس والقلب، وأن لا يقرب الظلم، بل عليه أن يكون المثال النموذجي للتعاطف والتراضي والتسالم والتعاون بأعلى درجاته، بحيث يكون النموذج الإنساني المؤثر في المجتمع، لكي يحث الآخرين على اغتنام هذا الموسم الروحي العظيم، كي تُصنَع الجماعة أو المجتمع المتقدم والمستقر.
هذا ما يمكن أن يصنعه شهر رمضان عند الإنسان الصائم، ليس شكليا ولا نفاقا ولا رياءً، بل حقيقة قائمة بين الناس، لدرجة أن الشخص الصائم يتحول إلى أيقونة اجتماعية مؤثرة في الآخرين، وجاذبة لهم بأعمالها ونموذجيتها وقدرتها على الإسهام الفعال في صنع النموذج الجمعي النظيف في النفس والقلب والسلوك المسالم والمتعاون.
الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يوضح هذا الموضوع بشكل تفصيلي ومدى قدرة الإنسان الفرد والجماعة على استثمار الموسم الروحي العظيم في شهر رمضان المبارك، فيقول في كتابه القيّم (شهر رمضان شهر البناء والتقدم):
(إن شهر رمضان المبارك شهر صيام وصلاة وطهارة ونزاهة وقداسة وتقوى. فعلى الإنسان أن ينظف نفسه حسب المستطاع، ولا يظلم الآخرين وذلك بتصحيح اعتقاداته وأعماله).
ولكي يسمو الصائم في فكره وسلوكه، مطلوب منه أن يغتنم الموسم الروحي العظيم في شهر رمضان، ولعل أهم السلوكيات التي تتوفر عند الإنسان الصائم هي ابتعاده عن الظلم، وعدم إلحاق الظلم بالآخرين، فالظلم الذي يحدث بين الناس ليس فعلا ولا أمرا إلهيا، وإنما هو فعل بشري بحت، فما يجري من حالات ظلم هنا أو هناك بين بني البشر هي من أفعالهم حصرا، وليس من الله تعالى لأنه عادل ولا يأمر بالظلم مطلقا.
تنظيف النفس من دوافع الظلم
مع العلم أن الله تعالى لا يغفر للإنسان الظالم، فأما أن ينال الظالم عقابه العادل وهو لا يزال على قيد الحياة، أو أنه سوف يلاقي العقوبة المناسبة لظلمه بانتظاره في الآخرة، لهذا يجب أن يحذر الإنسان من ظلم الآخرين، وعليه أن يعرف تمام المعرفة بأن الله تعالى عادل، لهذا على الإنسان أن يستفيد من فرصة الموسم الروحي العظيم وينظّفها من دوافع الظلم بكل أنواعها، وأن يسعى بكل ما يمتلك من إرادة الاستفادة من هذا الشهر المبارك.
يقول الإمام الشيرازي:
(علينا الاعتقاد بان الله عادل لا يظلم أحداً ولا يأمر بالظلم، وان ما نراه من ظلم الناس بعضهم البعض، ليس ظلماً من الله تعالى وإنما ظلم من الإنسان لأخيه الإنسان وسوف ينتقم الله من الظالم ويجزي المظلوم إما في الدنيا وإما في الآخرة).
والإنسان الذي يعاني من أعراض كثيرة في حياته، سوف تطاله وتأتي إليه بفعل إلهي، لأن الله سبحانه وتعالى قد يجعل الإنسان مصابا بمرض معين، أو يحدث له عارض معين، فمثل هذه الأمراض والأعراض تأتي من الله تعالى للإنسان حتى تعيده إلى صوابه، فالإنسان الذي فقد إيمانه أو ابتعد عن التقوى يكون المرض أو أي عارض آخر عقوبة له.
أما الإنسان المؤمن فإن ما يصيبه من عارض أو مرض إنما يكون بمثابة تكفير عن سيئاته، أو الأعمال الضارة بالآخرين التي قد يرتكبها الإنسان حتى لو كان صائما، فالنفس البشرية مجبولة على خليط من الشهوات والتمنيات والخيالات، بعضها يدفع به نحو الشر وبعضه الآخر يدفه به نحو الخير، لذلك فإن المرض أو العارض سيأتي من باب تخفيف عقوبة الإنسان حين يحين يوم الحساب وتُكشف للإنسان أخطاءه ومعاصيه.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن ما نراه من أمراض وأعراض ليس للإنسان دخل فيها، والتي تأتي من قبل الله سبحانه، فهي ليست ظلماً من الله، حيث تكون للمؤمن بمثابة رفع لدرجاته أو كفارة عن سيئاته، وتكون لغير المؤمن عقاباً أو أن ذلك يأتي من أجل التخفيف من عقوبة الإنسان في الآخرة).
لهذه الأسباب وسواها فإن صيام شهر رمضان أمر واجب ومندوب، ولعل أهم هذه الواجبات هو صوم هذا الشهر المبارك، بحيث يتطلب من الإنسان الصائم أن يمسك عن الطعام والشراب في الوقت المحدد شرعيا لاستمرار الصيام، وكذلك هنالك صوم الجوارح، فعلى الصائم أن لا يقف عند حدود الصيام المادي المعروف، وإنما يرتفع إلى الصيام الروحي.
نفحات شهر رمضان تعمّ الجميع
وهذا النوع من الصيام يساعد الصائم على تنظيف نفسه وقلبه ونيّته وحتى أفكاره، وهذا الشيء يجعله قادرا على رفض الظلم وإبعاده عن قراراته وسلوكياته، خصوصا في هذا الموسم الروحي الذي يعطي للصائم فرصة عظيمة لطرد الظلم بعيدا عن أفكاره وقراراته وسلوكياته أيضا، وهذا هو المكسب الكبير الذي يقدمه شهر رمضان للصائمين.
ونحن جميعا قد نكون عرضة لارتكاب الخطيئة، وربما نلحق الظلم بآخرين عن قصد أو من دون قصد، فكيف نعثر على الدوار الناجع لهذه الأخطاء الكبيرة، وما هو الحل الذي يمكن من خلاله أن نتخلص من عواقب ظلم الآخرين، إن شهر رمضان المبارك يقدم مثل هذه الفرصة وهذا العلاج الناجع، ألا وهو تنظيف النفس والتوبة وعدم الاستمرار في ظلم الآخرين.
وفي هذا السياق يقول الإمام الشيرازي:
(إن الصوم واجب ومندوب، والصوم الواجب أقسام، أهمها صوم شهر رمضان، ويجب الإمساك فيه من الفجر الصادق إلى المغرب الشرعي المفطرات، والالتزام بالصوم يعني قدرة الإنسان على تنظيف نفسه وقدرته على عدم ارتكاب الظلم).
ولابد أن المؤمنين، ومعظم الناس تقريبا لاحظوا الاختلاف الكبير لهذا الشهر عن الشهور الأخرى، وأبسط دليل أن انتظار الناس له، لاسيما المؤمنون منهم، يكون كبيرا، فهؤلاء ينتظرون شهر رمضان بـ أحرّ من الجمر، لأنهم يعلمون تمام العلم بأنه يحمل لهم نفحات من طراز خاص، لذا هم يشتاقون له، ويقفون يربون عودته لهم ساعة بعد أخرى، حتى يحصلوا على ضالتهم من نفحات العفو والتوبة والشعور بالراحة والاستقرار النفسي.
لذلك هناك تأكيد كبير ومتواصل على حتمية استثمار هذا الموسم الروحي الذي يمنح الصائمين فرصا حقيقية للتوبة ولتحصيل التقوى، وللفوز بالفرص العظيمة التي يوفّرها شهر رمضان للصائمين الملتزمين والمتّقين.
وهذا ما يؤكد عليه الإمام الشيرازي حين يقول:
(اذاً نفحات هذا الشهر ستعم الجميع، فشهر رمضان هو للناس كافة كما ان الدين الإسلامي للناس كافة، اذاً لابدّ من استثمار هذا الموسم الروحي العظيم بأحسن وجه).
وهكذا نحن نقف في رحاب شهر عظيم ومختلف، يمتلئ بالخيرات والبركات والفرص الكبيرة لتنظيف النفس والقلب، لكي نفوز بحصانة حقيقية ضد الظلم، ونفوز بالرضوان الإلهي الذي ينشده الجميع، حتى أولئك الظالمين الذين ظلموا الآخرين، لأن أبواب التوبة مشرعة طوال أيام هذا الشهر الذي يستحق وصفه بأنه شهر الله.



اضف تعليق