قدّم لنا يوم الغدير درسا كبيرا باتجاه الحرية وتعميقها، مع حماية الدولة لحرية الرأي، والحفاظ على معايير العدالة بشتى السبل، كل هذا لكي يعي المسلمون في الدول الإسلامية وفي دول العالم أجمع، هذا الدرس الخالد في الحرية وفي قدرتها على النهوض بالإنسان وحماية حقوقه، والتشبث التام بالحرية والعدالة معا...
(كلّ من يتمتع اليوم بشيء من الحرية فهو مدين فيها لأمير المؤمنين
سلام الله عليه) سماحة المرجع الشيرازي
في يوم الغدير توفرت فرصة عظيمة لأمة الإسلام، ولو أن المسلمين اغتنموا هذه الفرصة بالشكل الصحيح، لتخلصوا من جميع الأمراض الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية التي فتكت بهم، وجعلت من تلك الأمة التي تصدرت الأمة في الحضارة تتراجع إلى الوراء لتهبط إلى مستويات مخيفة من التخلف وغياب العدل، وتدهور القيم التي بثها الإسلام بين المسلمين بقيادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
ولكن حين انحرف المسلمون وتنكروا لما أوصاهم به نبيهم محمد صلى الله عليه آله في يوم الغدير بخصوص تنصيب الإمام علي عليهم السلام خليفة لهم من بعده، تغيّر مسار الأمة، وعصفت بها النزاعات والاضطرابات، واختلت معايير العدالة والحق، وتفشّت الفرقة فيما بينهم، وضاعت الفرص تلو الفرص في جعل أمة الإسلام في صدارة الأمم من حيث الحضارة والقيادة المتوازنة العادلة والرصينة.
لذا خسر المسلمون الكثير بإقصاء يوم الغدير وتدهورت أوضاعهم وتغلبت عليهم حالة الفرقة والضياع، بسبب هذا التنكّر، لهذا لابد من العودة إلى لحظة التصحيح الكبرى، وإعادة عجلة التطور والتقدم للأمة، وهذا الأمر يرتّب على المسلمين خطوات مهمة وكبيرة يجب الالتزام بها وتنفيذها من أجل إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
سماحة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (نفحات الهداية):
(نعرض سؤالين هامين ونجيب عنهما باختصار، الأول: ما الذي كان سيحدث لو أن الغدير تحقَّق وكان الإمام هو الحاكم مباشرة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وماذا خسر المسلمون والعالم بتغييب الغدير وإقصاء الإمام سلام الله عليه؟ والثاني: ماذا ينبغي لنا أن نعمل الآن؟ أي ما هي مسؤوليتنا تجاه ما حدث وقد مرّ عليه زهاء 1400 عام، وما هو واجبنا حسب الأدلّة الشرعية؟).
إذن هذان السؤالان مهمان جدا، كونهما يأتيان من باب التصحيح الجوهري للانحراف، الأول يؤكد خسارة المسلمين لفرصة عظيمة في مسيرتهم عندما تم إقصاء الإمام علي عليه السلام، والثاني يبحث في كيفية تلافي هذا الخطأ الاستراتيجي في تاريخ الأمة الإسلامية، ويبين لنا مسؤوليتنا بالنسبة لطرائق التصحيح والإصلاح.
الغدير ونشر الحرية بين المسلمين
مع أن المسلمين بكل طوائفهم وتوجهاتهم يتفقون بحسب الروايات الموثوقة والمسنَدة، وهي كثيرة جدا، بحيث يمكن لأي باحث متخصص أن يؤلف منها موسوعة كاملة وليس كتابا واحدا، فما يعيشه الإنسان اليوم في مختلف بقاع الأرض من أجواء الحرية إنما يعود الفضل فيها للإمام علي عليه السلام، فهو الذي غرس جذور الحرية في أرض البشرية كلها، فاستفاد منها الإنسان في كل مكان.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الكلام كثير والروايات عديدة في المقام؛ ولو وُفّق أحد الباحثين لجمعها لألّف منها موسوعة وليس كتاباً واحداً، ولكن اُشير هنا إلى بعضها ليتبيّن لنا أننا إذا كنا نشهد اليوم بعض الحرية في العالم، في أيّ بقعة من الأرض وبأيّ درجة، فإن الفضل في ذلك يعود لأمير المؤمنين سلام الله عليه، لأنّه هو الذي وضع أساسها وأرسى دعائمها ـ طبعاً بعد رسول الله صلى الله عليه وآله).
ويضيف سماحته قائلا:
(كلّ من يتمتع اليوم بشيء من الحرية فهو مدين فيها لأمير المؤمنين سلام الله عليه، وكلّ من كان محروماً من الحرية فالسبب في ذلك يعود لعدم قيام واستمرار الغدير، ولإبعاد الإمام سلام الله عليه عن تحقيق ما أراده الله تعالى ورسوله له).
لقد نشر الإمام علي عليه السلام ثقافة الحرية في المجتمع، وكان يضع البراهين ويستدل بها على كل ما يطرحه للمسلمين، وكان التطبيق العملي لأقواله هو أول البراهين التي يقدمها للناس حتى لا تبقى عندهم حجة للجدال أو التشكيك، فكانت الحرية هي الهدف الأعظم ونشرها بين المسلمين لا تراجع عنه مطلقا.
ولكن مع ذلك كان هناك من يسعى للتخريب، ومن يشكك ويحاول زرع الضغينة والخلاف بين المسلمين، لدرجة أن هناك منهم من حاول أن يحوّل الفضائل إلى رذائل، وكانوا يسعون بكل الأساليب والسبل والوسائل المشبوهة إلى إثارة الإشكالات الباطلة، وكان هدفهم الأول هو الإساءة للإمام عليه السلام.
التشبث بالحرية والعدالة
ولكن أنّى لهم ذلك والاستقامة كانت ترافق الإمام علي عليه السلام، وتلتصق به ويراها جميع المسلمون في أقواله وأعماله، وما كان يطبقه واقعيا آنذاك ويجسده فعليا بالاستناد إلى العدالة والحرية، وهما الركنان العظيمان اللذان قامت عليهما مسيرة الإمام علي عليه السلام وهو يدير شؤون الدولة وشؤون المسلمين.
لقد بلغ بأعداء أمير المؤمنين عليه السلام، أن يشككوا بكل خطوة يخطوها للنهوض بأمة الإسلام ودولتهم، وأثاروا في كل خطوة ادعاءات باطلة لا أساس لها من الصحة، كل هذا حتى يجعلون من فضائل الإمام عليه السلام رذائل، لكنهم قطعا فشلوا، لأن الشمس لا يمكن تغطيتها بغربال، فسطوع الحقائق التي تمسك بها قائد المسلمين طردت ظلام المنحرفين وأفشلت أهدافهم وكشفتهم على حقيقتهم.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله حول هذه النقطة:
(انظروا إلى عدالة الإمام والحرية التي يؤمن بها. فبالرغم من أنّه يقول شيئاً ويستدلّ عليه وكان استدلاله محكماً لم يستطع أن يشكّك فيه حتى أولئك الذين ما برحوا يختلقون الإشكالات الباطلة ويثيرونها في وجهه، بحيث بلغ الأمر بهم أن يعدّوا بعض فضائله رذائل).
ولكي يثبت الإمام علي عليه السلام نهجة القائم على الحرية والعدالة، تغاضى عن أولئك الذين تظاهروا ضده، ولم يتصدَّ لهم بالسلاح، ولم يعتقلهم، ولم يزج بهم في السجون، ولم يتعرض لهم من القوات الحافظة للأمن والقانون آنذاك، بل لم يتعرض لهم حتى القضاء ولا المحاكم عمّا فعلوه من أحداث مناهضة للقانون والسلطة.
كذلك لم يتم قمع المتظاهرين، ولم يتم استخدام وسائل العنف والإكراه أو التكميم بمختلف أشكاله وصوره، نعم لم تكن هناك أية بادرة سلطوية مهما قلّ حجمها تسعى للتكميم أو التضييق أو الملاحقة، وما يلفت النظر أيضا وهذه سابقة كانت في وقتها، أن الإمام علي عليهم السلام، استجاب لمطالبهم في خطوة دعمت حرية الرأي مهما كانت توجهاته ومطالباته.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله قال عن ذلك:
(مع ذلك ماذا فعل الإمام مع المتظاهرين الذين خرجوا ضدَّه؟ هل واجههم بالسلاح؟ هل اعتقلهم وسجنهم، أم نفى أحداً منهم؟ هل أحال بهم إلى المحاكم على أقلّ تقدير؟ كلا ثم كلا. إنه سلام الله عليه لم يفعل أيَّ شيء من ذلك معهم. فلم يقمع المظاهرة ولا استعمل العنف والقوة ضدهم، بل الأعظم من ذلك أنّه سلام الله عليه استجاب لمطالبهم).
لقد قدّم لنا يوم الغدير درسا كبيرا باتجاه الحرية وتعميقها، مع حماية الدولة لحرية الرأي، والحفاظ على معايير العدالة بشتى السبل، كل هذا لكي يعي المسلمون في الدول الإسلامية وفي دول العالم أجمع، هذا الدرس الخالد في الحرية وفي قدرتها على النهوض بالإنسان وحماية حقوقه، والتشبث التام بالحرية والعدالة معا.



اضف تعليق