يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتقاطع على أرضه صراعات إقليمية ودولية تعكس تحولات أعمق في بنية الشرق الأوسط. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه بالانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرته على بناء توازناته الداخلية وتعزيز دولته الوطنية...

لم يعد العراق مجرد بلد يواجه أزمة سياسية داخلية أو خلافات بين قواه المتنافسة على السلطة، بل أصبح مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي يتصاعد على أرضه. فمنذ اندلاع الحرب بين محور المقاومة والكيان الإسرائيلي، وتوالي الهجمات الضروس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها من جهة أخرى، صرنا أمام مشهد فوضوي معقد تتداخل فيه الاستراتيجيات وردود الأفعال بما ينذر بمخاطر جسيمة تلحق بالعراق رغم أنه عنصر منفعل بالحرب وليس فاعلا فيها.

إن العراق يقف اليوم في قلب مواجهة تتجاوز حدوده بكثير، في لحظة تستفحل فيها الأزمة السياسية والمالية ويتعطل انتخاب رئيس للجمهورية وتتفاقم فيها الخلافات حول تشكيل الحكومة، و تتعرض منشآته العسكرية وحقول النفط والطاقة لضغوط أمنية واقتصادية مكشوفة، يبدو البلد وكأنه يدخل مرحلة شديدة الحساسية وربما مصيرية قد تعيد رسم موقعه في معادلات الشرق الأوسط حين تضع الحرب أوزارها ويبدأ حساب الخسائر والفرص المهدورة والحكمة الناقصة.

فالحرب الدائرة حالياً في المنطقة بين إيران ومحورها من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد محصورة في جغرافية محددة. فقد امتدت آثارها من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق والخليج وعموم الشرق الأوسط، وبدأت تدفع المنطقة بأكملها نحو حالة من السيولة السياسية وعدم الاستقرار الواسع، كما أن تداعياتها لم تتوقف عند حدود ساحات القتال، بل بدأت تمسُّ الاقتصاد الإقليمي وأمن الطاقة، بما في ذلك دول الخليج التي تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في الاستقرار الإقليمي أو في حركة التجارة والطاقة. وفي خضم هذه المواجهة الواسعة أصبح العراق أحد أكثر البلدان عرضة لتداعياتها، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب طبيعة التوازنات السياسية والأمنية الهشَّة داخله.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا عاد العراق ليكون أحد مراكز الصراع الإقليمي والدولي؟. الجواب يكمن في عدة عوامل متداخلة. فالعراق يحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب الشرق الأوسط، حيث يشكل نقطة التقاء بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا. كما أنه يمثل حلقة أساسية في شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.

إلى جانب ذلك، فإن النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 أفرز واقعاً معقداً من التوازنات الداخلية، حيث تتداخل القوى السياسية مع قوى مسلحة متعددة الارتباطات الإقليمية. وهذا الوضع جعل العراق عرضة للتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى المتصارعة على النفوذ .كما أن الأهمية الاقتصادية للعراق، بوصفه أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، تضيف بعداً آخر للصراع، إذ إن استقرار إنتاج النفط العراقي أو اضطرابه يؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة العالمية.

لكن ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن تفسيره فقط من خلال الصراع العسكري أو التنافس الجيوسياسي، بل يرتبط أيضاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط. فخلال العقدين الماضيين برز ما يمكن تسميته بنموذج “التشيع السياسي”، أي توظيف الهوية المذهبية في بناء شبكة نفوذ سياسية وعسكرية تقودها إيران في عدد من دول المنطقة. 

وقد اتخذ هذا النموذج أشكالاً مختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فمن نموذج ثنائية الدولة -المقاومة بعد عام 2003 إلى نموذج المقاومة الذكية بعد عام 2016 تحول العراق إلى مختبر لصراع نفوذ متعدد المحاور ولم تعد الدولة قادرة على التحرر من شبكات المصالح المتضاربة.

غير أن التحولات الجارية اليوم تشير إلى أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة ونهاية قريبة نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتعرض لها إيران ومحورها. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية هذا النفوذ، لكنه يشير إلى أن المرحلة التي تمكنت فيها إيران من توسيع نفوذها الإقليمي بسهولة نسبية قد دخلت مرحلة مختلفة وأكثر تعقيداً.

في هذا السياق يبدو العراق وكأنه يقف في قلب هذه التحولات، حيث يدور جزء من الصراع حول مستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية من جهة، ومشاريع النفوذ الإقليمي من جهة أخرى.

تكمن المشكلة الأساسية في أن العراق يواجه هذه التحولات الكبرى في ظل وضع داخلي هشّ. فالأزمة السياسية المستمرة، وتعطل انتخاب رئيس للجمهورية، والانقسامات الحادة حول تشكيل الحكومة، كلها تعكس عمق الاختلالات في النظام السياسي. كما أن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضعف سيادة المؤسسات الرسمية ويجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.

وفي ظل هذا الواقع يصبح العراق أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الإقليمية، حيث يمكن لأي تصعيد في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أن ينعكس مباشرة على الوضع الأمني والاقتصادي، توقف صادرات النفط مثالها الاوضح.

في أجواء هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات عقلانية تحمي العراق من الانزلاق إلى صراعات أكبر لا يتحملها، رغم الأجواء العاطفية والحماسية التي يعيشها صنف من العراقيين .

أولى هذه السياسات هي العمل على تحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية، بحيث لا تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة. أما السياسة الثانية فتتمثل في تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وهو شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية سيادتها. كما أن العراق بحاجة إلى تسوية سياسية داخلية واسعة تعيد الاستقرار إلى النظام السياسي وتمنع استمرار حالة الانقسام التي تضعف الدولة.

إلى جانب ذلك، يجب حماية قطاع النفط والطاقة من الاضطرابات الأمنية والسياسية، لأن استقرار هذا القطاع يمثل الحجر الأساس في الاقتصاد العراقي.

في مثل هذه اللحظات الحرجة يعود الدور المعنوي والسياسي المهم الذي تمارسه مرجعية النجف، وعلى رأسها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني.

فقد أسهمت المرجعية في محطات سابقة بجهود فاعلة وحاسمة في حماية الدولة العراقية وتوجيه العملية السياسية نحو الاستقرار. كما أن مواقفها التي تؤكد على أولوية الدولة العراقية ورفض تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الخارجية يمكن أن تسهم في تهدئة التوترات وإعادة توجيه المسار السياسي.

يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتقاطع على أرضه صراعات إقليمية ودولية تعكس تحولات أعمق في بنية الشرق الأوسط. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه بالانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرته على بناء توازناته الداخلية وتعزيز دولته الوطنية. فإما أن يبقى العراق ساحة مفتوحة للصراع، أو أن يتمكن من تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوة واستقرار في منطقة مضطربة، هذا الأمر يتوقف على نمط من القيادات السياسية وخطابات وسردية واضحة غير التي جربناها حتى الان .

اضف تعليق