أقام مركز الإمام محمد الباقر(ع) لإحياء التراث، ندوته الفكرية التخصصية الحادية عشرة، بالتعاون مع مؤسسة الطفيلي للثقافة والآداب والعلوم، ألقاها سماحة الشيخ الدكتور جواد أحمد البهادلي. وكانت بعنوان (الاتجاه الأصولي والأخباري وأثرهما في أصول الفقه). في مقر المؤسسة يوم الاثنين 2 ربيع الثاني 1440.

وقد وقع موضوع البحث في ثلاث محطات:

المحطة الأولى: المسار التاريخي لأصول الفقه بين النشأة والتدوين وموقف الأصولية والإخبارية فيه.

المحطة الثانية: نماذج من اختلاف الاتجاهين في المسائل الأصولية بنحو الاستعراض النظري الثبوتي لا الاستدلالي الإثباتي.

المحطة الثالثة: الإشارة إلى أن مسائل الاختلاف ليست مدعاة للخلاف؛ بل اختلافهم من حرصهم على الشريعة الغراء.

المحطة الأولى: مع النشأة والتاريخ

جاءت الشريعة الإسلامية بمجموعة من الوظائف والأحكام عن طريق الكتاب الكريم والسنة الشريفة، إلا أنها في صدرها الأول كانت:

1- محفوظة في صدور الرجال

2- وبعض الكتابات الخاصة.

3- ولم تخرج لمستوى التدوين كمؤلفات مستقلة بما عليه اليوم.

 ومع ذلك كان تحصيل العلم بالأحكام في ذلك العصر أمراً ميسوراً، بلحاظ أن باب العلم على الأمة مفتوحاً، والسؤال من الرسول (صلى الله عليه وآله) مقدوراً عليه.

وحيث أن الشريعة الإسلامية ناظرة إلى حفظ المصالح؛ فردية ــ متعلقة بروحه أو جسده باعتبار نشأته الدنيا أو حياته الباقية ــ أو مجتمعية باعتباره مدني بالطبع واستمراراً لديمومة الحياة؛ فلذا لابد من إيجاد ما يناسب لكل واقعة نصّاً أو اجتهاداً باستخدام قواعد معينة لذلك.

فكان المحتم البحث عن بعض المداليل والصيغ للوصول للواقع واستخراجه من الأدلة التفصيلية التي اعتبرها الشارع أو أشار إليها.

فمن هذا وذاك وغيره من الخصوصيات تولد علم أوجدته الحاجة الفعلية والعنائية لأحكام الدين وشدة العلاقة بإحراز الواقع من طريق القطع واليقين؛ للاعتماد عليه في مضامينه وقوانينه، علم لا يختص في الانتفاع به علم الفقه فقط، بل نجد هذا العلم يدرس في معظم كليات القانون نظراً لأهميته بالنسبة للقوانين، وصلته بالقانون نفسه؛ وذلك من وجوه عدة لسنا بصدد استقصائها هنا بهذا العرض.

ويمكن ان تعقد لذلك ندوة فكرية مستقلة للإحاطة بتفصيلاتها ونقدم ذلك مقترحاً لندوة قادمة بعنوان: (أثر المدرسة الأصولية في صياغة النص القانوني بين التنظير والتطبيق).

عوداً على بدء:

لم يكن المجتمع ــ في غالبه ــ خلال عصر التشريع بحاجة إلى قواعد عامة يستند إليها أو عليها في الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي بعد أن كان بالإمكان التوصل للحكم الشرعي من خلال السؤال المباشر من المشرع خلال عصر التشريع.

بل إن المجتمع لم يكن بالمستوى الفكري اللائق ــ من هذه الجهة ــ لتلقي القواعد العامة، إذ أن مواردها تحتاج إلى ذوق في التطبيق.

وبالرغم من ذلك، كانت تزرق بأناة وحكمة مع عدد من الأجوبة، ولبعض الأفراد فالقواعد العامة الذين أرتقوا بأفكارهم عمقاً وتحليلاً؛ ليعرفوا أن الفرد لا ينبغي له أن ينقض اليقين بالشك ونحوها من القواعد؛ لتكوين الركيزة الأساسية في إستكناه الأحكام الشرعية حين نتجه بعيداً عن عصر التشريع ــ النص ــ مكونين بذلك نواة ما سُمِيَ بعلم الأصول، مستبقين ما لدى علماء العامة فيه، كما سيأتي.

ولما بدأ الابتعاد عن عصر التشريع ظهرت جملة أمور نذكر منها:

1. تعذر توجيه السؤال إلى مصدر التشريع مباشرة.

2. تجدد الحوادث والوقائع مما لم يرد فيه نص واضح.

3. وجود التعارض بين مضامين السُنة المنقولة.

4. وجود التعارض بين ظاهر القرآن الكريم ومضامين السنة الشريفة.

5. وجود الخلافات المذهبية والاتجاهات المتعددة المبتنية على بعض الفهم المتعدد وصرف النص قرآناً كان أو سنة متواترة بما يدعمها من شاهد وقرينة عما عليه؛ تحقيقاً لما يرمون تحقيقه.

هذا وذاك وغيره قد حدا بالعلماء إلى محاولة استخراج جملة من القواعد العامة التي تساعد على معرفة الأحكام الشرعية بالخصوص، إلا أن الأمر لا يتعدى استعمال الخبر المتواتر أو الاستفاضة في بعض الأخبار دون الحاجة إلى الرجوع للخبر الواحد، أو التعمق في القواعد العامة؛ لنيل الحكم الشرعي؛ لقربهم من عصر التشريع، ابتداءً بعصر الغيبة الصغرى 260هـ واستمراراً إلى ابن إدريس الحلي ت 598هـ.

ويظهر من كلام السيد المرتضى 355 -436هـ ــ على ما قيل عنه ــ إن هذا الاتجاه هو المشهور، وبهذا يمكن تفسير ضعف الاتجاه إلى علم الأصول وقلة التأليف فيه، بل وقلة التدقيق في الروايات الدالة على القواعد العامة.

والسر نفسه يفسر ما قاله علماؤنا الإخباريون من أن علمائنا المتقدمين كانوا إخباريين ولم يكونوا أصوليين، لا لموقف علمي قدر ما عرفته من عدم الحاجة للدخول في تفاصيل هذا العلم، بدليل وجود المؤلفات العديدة من أمثال الشيخ الطوسي ت 460هـ، والسيد المرتضى نفسه، بل أخرج الكليني ت 328هـ في كافيه، وصاحب التهذيبين الطوسي، جملة روايات تحمل القواعد العامة الأصولية.

وبعد أن مرت الأمة بعصور الانحلال والضياع والتدمير في عصر التتار، والمغول، والحرب الصليبية، وإحراق وإتلاف المكاتب العامرة بآلاف الكتب، وإنطمرت أسماء المئات من الرجال والرواة والمؤلفين، حينها دخلت الأمة عصراً بعيداً بعداً معمقاً وحقيقياً عن عصر التشريع، وبذلك ارتفعت أهمية علم الأصول.

ولعل أقدم من التفت لذلك من علماء تلك الفترة المحقق الحلي 676هـ صاحب كتاب المعتبر، وشرائع الإسلام وغيرهما، وتبعه العلامة الحلي ابن المطهر ت 726هـ، والذي يعد كتابه القواعد وغيره خير دليل على عمق استعمال القواعد العامة في إستكناه الأحكام الشرعية.

ثم وجد طريقان متعاكسان:

1. الطريق المستشعر بوفرة الأخبار بما يغني عن الرجوع إلى القواعد العامة، انطلاقاً من صحة ما جاء في الأصول الأربعمائة، والكتب الأربعة من أخبار، وسمي هذا الاتجاه بالإخباري، وقد أصابوا بموقفهم لملائمة قولهم لعصرهم.

إلا أنهم لم يدركوا الآتي:

أ. إنَّ القواعد العامة الأصولية لم تكن غريبة عن الشريعة بل هي مستقاة من صميمها.

ب. إنَّ الحكم بصحة كل ما ورد في الكتب الأربعة حكم يحتاج إلى دليل؛ إذ ثمة فرق بين وثاقة الراوي، وصحة ما ورد في كتابه؛ إذ قد يكون تسجيل تلك الأخبار حفاظاً عليها من الضياع لتترك بين الممحصين والمدققين؛ لتمييز صحيحها من سقيمها. وخير شاهد على ذلك كتاب البحار مثلاً.

وما شاع في هذا المجال من أنَّ الشيخ الصدوق أضبط من الشيخ الطوسي فلم يرتضه بعض الفقهاء؛ بل يرى أنَّ الشيخ الطوسي ناقلاً أميناً لما وجده في الكتب مستنداً بذلك على قرائن عنده. ولسنا بصدد بحث هذه الجهة.

2. الطريق الناشئ من الشعور الوجداني بقلة الأخبار الصالحة للاستدلال على الحكم الشرعي بعد تعذر أو ندرة تحصيل المتواتر والمستفيض منها مع قلة الخبر الواحد الصحيح.

حينها تضاعفت أهمية القواعد العامة مما حدا بالعلماء إلى التدقيق أكثر فأكثر، الأمر الذي تسبب في إدخال المطالب الفلسفية والمنطقية في علم الأصول، بلحاظ أن الفلسفة هي أعمق العلوم وأحراها في إدراك الحقائق، متجهين في ذلك إلى فهم علم الأصول فهما فلسفياً؛ لنيل حقائق الأحكام الشرعية في عصر الظلام.

وبذلك أصبح علم الأصول فصلاً من فصول الفلسفة أو كاد أن يكون كذلك لحقبة طويلة امتدت بما بعد الوحيد البهبهاني 1206هـ، وتنتهي بحوالي عصر الشيخ الأنصاري 1281هـ رحمهم الله تعالى جميعاً.

وبالرغم من الابتعاد عن عصر التشريع، وتجدد الوقائع وتكاثرها، والحاجة إلى القواعد العامة تزداد تدريجياً إلا أن المفكرين المتأخرين أدركوا خطأ تحول الأصول إلى فلسفة بما يخرجنا عن كون الكتاب الكريم، والسنة الشريفة، والقواعد العامة، كلها ألفاظ لغوية يجب أن تفهم فهماً عقلائياً لا فهماً عقلياً دقيقاً مما أدى إلى ظهور اتجاه آخر يتجه بالفهم الأصولي إلى الفهم العرفي والسيرة العقلائية، مع محاولة الابتعاد عن العقلية الفلسفية.

ولا يعني ذلك تقليص مباحثه بل بقي بالسعة والشمول نفسيهما.

ويكفينا بذلك شاهداً ما طرحه الشيخ الأنصاري في رسائله، والآخوند الخراساني 1329هـ في كفايته. وامتداداً في فكر الشيخ محمد حسين النائيني 1355هـ في فوائد الأصول، أو أجود التقريرات، على ما قرر عنه تلميذاه الشيخ الكاظمي 1365هـ والسيد الخوئي 1992م (قدس الله أسرارهم جميعاً)، حتى كاد أن يكون اتجاهاً موازناً ومتوازناً ومستقلاً.

ويستثنى من ذلك المنهج الشيخ محمد حسين الأصفهاني 1361هـ ــ تلميذ الشيخ الآخوند ــ الذي جعل أصوله فلسفة، وكذلك السيد محمد باقر الصدر 1980م، حيث طبق نظرية حساب الاحتمالات التي أسسها في كتابه (الأسس المنطقية) على علم الأصول.

ومع ذلك فإنَّ ثمة فروق بين ما أنتجه السيد الصدر وبين المنحى الفلسفي. وليست المسألة على إطلاقها وليست محلاً للبحث هنا.

إلا أن الكلام في أصالته ــ أي أصالة علم الأصول ــ هل خرج لحيز التدوين، والتصنيف، والترتيب على أيدي أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كما كان لأئمتهم (عليهم السلام) الاختصاص بتأسيس هذا العلم وإبرازه في أحاديثهم المباركة؟.

أو أن علم الأصول انطلق من علماء السنة وهم أول من صنف فيه ورتب قواعده وميزها عن غيرها وهم أتباع مدرسة الخلفاء؟

علما أن علم الأصول لم يخرج لحيز التدوين والتأليف إلا بعد مضي النصف الأول من القرن الثاني.

يقول الشهابي الخراساني في مقدمته: (لقد صرح جمع من الجهابذة كابني خلكان وخلدون، وصاحب كشف الظنون، بأن أول من صنف في أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي، بل نقل عن كتاب الأوائل للسيوطي أطباقهم على ذلك حيث قال: أول من صنف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع).

وقد عد ابن النديم ت 380هـ في الفهرست من مصنفات محمد بن الحسن الشيباني رسالة في أصول الفقه وأخرى في الاستحسان).

وفي الوفيات: (أن أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم ت 182هـ هو من صنف في علم الأصول وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة، وتبعهم في ذلك جمع من متأخري المؤلفين والمحققين، بل إنَّ الشيخ محمد أبو زهرة نقل في كتابه الذي وضعه عن حياة الشافعي عن فخر الدين الرازي قوله: اعلم إنَّ نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض).

يقول الشهابي: (المحتمل عندي أن يكون أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم وهو أول من لقب قاضي القضاة سابقاً على الشافعي بتأليف الأصول؛ لأن القاضي ت 182 هـ، والشافعي ت 204هـ،وقد قال ابن خلكان في ترجمته: إنَ أبا يوسف أول من صنف في أصول الفقه وفق مذهب أستاذه.

وهكذا يحتمل أن يكون محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق مقدماً على الشافعي في التأليف؛ لأن الشيباني ت 182 هـ، أو سنة 189 هـ، وقد صرح ابن النديم في فهرسته أن له مؤلفات كثيرة منها أصول الفقه، والاستحسان، وكتاب اجتهاد الرأي، على أن الشافعي بتصريح من ابن النديم لازم الشيباني سنة كاملة، بل إن الشافعي أذعن أنه كتب من كتب الشيباني، وقال من غير نكير: كتبت من كتب الشيباني حمل بعير).

فإن لم يحصل الوثوق واليقين بتقديم القاضي والشيباني على الشافعي في التأليف فلا أقل من عدم حصول اليقين بتقديمه عليهما، ولا يمكن الجزم بأن الشافعي أول من صنف.

والتحقيق الموضوعي الذي أميل إليه يكشف:

إن علم الأصول ولد ونما في مدرسة أهل البيت(ع). وقد استعرض صاحب تحقيق مقدمة أجود التقريرات قوائماً مفصلة للمصنفين فيه إبتداءً من القرن الثاني وحتى القرن الرابع عشر الهجريين، ومن شاء الاطلاع فليرجع إليها. آثرت عدم ذكرها دفعاً للتطويل.

وأما روايات الإمامين الباقر: ت 114 هـ، والصادق: ت 148 هـ (عليهما السلام)، ففيها الكثير مما يتعلق بعلم الأصول، مضافاً لما ورد عن تلامذتهم.

وقد استغرب محقق أجود التقريرات من بعض علماء الشيعة الإخباريين الذين حاولوا إرجاع هذا العلم إلى أبناء الجمهور؛ وذلك من أجل الدفاع عن مذهبهم الإخباري في قبال الأصوليين.

فقد نقل المولى محمد أمين الإسترابادي عن السيد الأمير محمد جمال الدين الإسترابادي في شرحه لتهذيب الأصول للعلامة الحلي قوله:

(إن التهذيب مختصر من مختصر الحاجبي الذي هو مختصر كتاب المنتهى، وهو مختصر من الإحكام للآمدي المختصر من محصول فخر الدين الرازي، المختصر من المعتمد لأبي الحسين البصري محمد بن علي المتكلم المعتزلي المتوفى ببغداد سنة 436 هـ).

وقد علق الشيخ الطهراني على هذا الكلام قائلاً:

(يظهر منه أنه حاول بذلك الكلام إرجاع علم الأصول وكتبه إلى علماء العامة، بزعم أن الأصوليين منا عيال عليهم، أوَلَم يطلع على عدّة الأصول لشيخ الطائفة المعاصر لأبي الحسين البصري؟ فهل يحتمل أنه أخذ مطاليبه عن غير أستاذه الشيخ المفيد المقدم على أبي الحسين).

وأما دعوى أن بدء الاستناد به في خصوص مذهب التشيع لا يتقدم على الغيبة الكبرى 329 هـ، مدفوعة من وجه، مقبولة من آخر، وذلك؛ لأن وجود الأئمة(ع) آنذاك كمصدر للتشريع قد يرفع الحاجة المتصورة بمقام الاستنباط بوجه عام إلا في فروض معينة أرسيت قواعدها منهم (ع).

وأما وجه دفع هذه الدعوى:

فإن المطّلِع على المصنفات المنقولة في تلك العصور والتي وإن لم تكن بشكلها الكامل، إلا أنها تعبّر عن الوجود الفعلي وحسب الحاجة إليه، فإنك تجد المتكلم والأصولي هشام بن الحكم الكوفي الشيباني ت 179 هـ ــ على أحد الآراء ــ واحتمل النجاشي 199هـ، وهو من تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) وخواص الإمام الكاظم (عليه السلام) (له كتاب الألفاظ ومباحثها).

وقد ذكره ابن النديم في الفهرست قائلاً: (كتاب الألفاظ معروف، وذكره كذلك النجاشي في رجاله، والشيخ في فهرسته باسم كتاب الألفاظ).

كما أن يونس بن عبد الرحمن وهو من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) قد ألّفَ في الجمع بين الأحاديث المتعارضة وقواعد الجرح والتعديل.

وأبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحق النوبختي البغدادي الذي لقي الإمام العسكري(ع) وحضر وفاته سنة 260هـ، له عدة كتب في الأصول ومنها:

1. إبطال القياس.

2. الخصوص والعموم.

3. نقض اجتهاد الرأي على الراوندي.

كما ذكرت ذلك بعض كتب الرجال وغيرها كذلك. وهذا لا يعني أن حركة التأليف هذه كانت متحققة في هذا العلم قبل عصر الغيبة الكبرى.

إلا أن هنالك مرتبة أخرى من الكلام تتجاوز حد التصنيف، وهي مرحلة الاعتماد على هذه الأسس بمقام الاستنباط بشكل أوسع، والتي يقول الخراساني عنها: (إن أول من اعتمد عليه في مقام الاستنباط واستمد منه ابن أبي عقيل العماني المعاصر للشيخ الكليني ت 329هـ، ثم اقتفى أثره أبو علي ابن الجنيد الإسكافي المعاصر للشيخ الصدوق المتوفى 381هـ).

ولعل هذا فيما أرى هو وجه الجمع بين القولين المتقدمين، فمرحلة التصنيف غير مرحلة الاعتماد على الأسس والنظر في الفقه من خلالها بعد عصر الغيبة الكبرى؛ لانقطاعنا عن مصدر التشريع الفعلي الإمام (عليه السلام) بعد أن اتسعت مساحة النص الشرعي، فالتصنيف العام ظهر بعدها، علماً أن المصنفات الخاصة لأمثال هشام ابن الحكم كانت موجودة.

ثم توسعت المسألة فظهرت على أيدي الشيخ المفيد مصنفات عديدة للعيان، وتبع أستاذه ابن أبي عقيل الإسكافيُ في اعتماده على الأصول وإن لم يتلق كل ما قاله ابن الجنيد بالقبول، بل رد على بعضها، ثم الذريعة للسيد المرتضى، والعدّة للشيخ الطوسي، واستمر الحال بالنمو.

وفي الجملة: إن علم الأصول صار في أواسط النصف الأول من القرن الرابع مورداً للاستناد وعمدة في الاجتهاد، وفي أواخر القرن الرابع أصبح موضوعاً للبحث والدرس والتأليف، وكُتِبت فيه مؤلفات قيمة.

ولا يخفى أن فترة السكون والركود طغت في عصر المقلدين للشيخ الطوسي طوال مئة عام حتى مجيء ابن إدريس في سرائره وفتح باب البحث والاجتهاد، واستمر العمل بعد ذلك البحث فيه.

وبعبارة مغايرة: من زمان العلامة الحلي إلى زمان الشهيد الثاني ــ في القرن الثامن والتاسع وشطر من العاشر ــ كان أكثر مدار البحث والدرس فيه في الأصول على ما ألّفه العلامة إلى مجيء الشهيد في تمهيد القواعد، والحسن بن الشهيد الثاني في المعالم، وحتى عصرنا الحاضر عشرات المؤلفات.

المحطة الثانية: نماذج اختلاف الاتجاهين وساقف فيها وفق نقاط:

أولاً: اكتسب علم الاصول في عصر صاحب المعالم ت 1011هـ حداً من النضج والمنهجية.

 وأهم التحقيقات عليه هو حاشية الشيخ محمد تقي التي دعت الشيخ الانصاري خريت الصناعة الأصولية إلى العزوف عن الكتابة بهذه الموضوعات فاتجه الى المباحث العقلية في فرائده.

ثانياً: ظهور المدرسة الاخبارية بشكل جلي مقابل المدرسة الاصولية على يد الشيخ الاستربادي ت 1036هـ. في كتاب الفوائد المدنية.

وبالرغم من أن الاستربادي يحاول أن يبرز لهذا الاتجاه عمقاً تاريخياً يمتد الى عصر الصدوقين علي بن بابويه القمي وابنه محمد، والفقهاء الأوائل ولكن بأبعاده وخصائصه وقواعده هو اتجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.

والي يبدو أن خلفية ظهور هذا الاتجاه هو الحرص والتخوف من استغراق الاتجاه الاخر في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد حتى ازداد التخوف وكثر التحوط من أعلامهم بخصوص الدليل العقلي والملازمات العقلية والتشكيك في حجية الاحكام العقلية.

واستثنوا ماكان له مبدأ حسي أو قريب من الحس كالرياضيات.

ثالثاً: الدليل العقلي بين الاصوليين والاخباريين:

استقرب صاحب الكفاية أن مقصود الاخباريين أما:

أ‌- منع الملازمة بين حكم العقل والشرع.

ب‌- التشكيك في امكان الوصول الى نتائج قطعية من المقدمات العقلية وأن المقدمات العقلية لاتزيد على أن تكون أحكاماً ظنية.

ويعتقد المحقق الخراساني ان الاخباريين لو ادركوا موقف المدرسة الأصولية بدقة في التفريق بين الظن وحكم العقل القطعي لما اتخذوا موقفاً؛ وذلك لأن الحجة عند الاصوليين هي كل ما يُثبت متعلقها قطعاً سواء كانت الحجية ذاتية كالقطع (العلم) أو عرضية وهي الطرق والامارات التي قام الدليل القطعي على اعتبارها. بمعنى حجتي في الرجوع للظن قطعية.

ومادام القطع حجيته ذاتية إذن لا تناله يد التشريع لاسلباً ولا ايجاباً؛ اذ لامعنى لتحصيل الحاصل.

وأما الأمارات والطرق الظنية فحجيتها تعود أخيراً للحجة الذاتية لقاعدة: (إن كل ما بالعرض يعود الى ما بالذات).

إذن سيعود النزاع لفظياً وفق الفرض أعلاه فيما أرى؛ إذ هم يتحدثون عن الظن غير المعتبر بحجة قطعية والذي لا شأن له في الاستنباط حتى عند الفريق الآخر.

رابعاً: يرى الاخباريون قطعية صدور كل ما ورد في كتب الحديث الاربعة من الروايات وهذا ما المحت له سابقاً بالشعور بوفرة الاخبار وبالتالي يصح للفقيه التمسك بما ورد فيها من روايات دون مناقشتهم بالسند.

اما الاصوليون: فيقسمون الحديث الى أربعة اقسام: (الصحيح، الحسن، الموثق، الضعيف).

أ- الصحيح: هو الخبر المتصل بالمعصوم ع بسلسلة من الرواة الثقات من الإمامية.

ب- والحسن: هو الخبر المتصل بالمعصوم ع بسلسلة من الرواة الاماميين الممدوحين من قبل رجال الجرح والتعديل دون التصريح بتوثيقهم جميعاً.

ج- والموثق: هو الخبر المتصل بالمعصوم (ع) بسلسلة من الرواة الذين ورد توثيقهم جميعاً في كتب الجرح والتعديل إلا أن بعضهم أو كلهم لم يكونوا من الإمامية.

د- الضعيف ما عدا الثلاثة أعلاه.

رابعاً: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية عند الاخباريين إذ قالوا فيها بالاحتياط.

وصحة جريانها عند الاصوليين في الشبهات الوجوبية والتحريمية بالعقل والأدلة النقلية.

خامساً: نفي حجية الاجماع عند الاخبارية. وحجيته عند الامامية في الجملة لا بالجملة.

سادساً: توقف الاخبارية عن العمل بالقران الكريم مالم يرد فيه ايضاح من السنة الشريفة باعتبار:

أ‌- ما من عام الا وقد خص.

ب‌- ولعلمنا الاجمالي بضياع بعض الاخبار.

ت‌- مضافا لورود أحاديث عديدة تنهى عن تفسير القران الكريم بالراي.

والتقييم لما تقدم أعلاه عموماً وفقاً لنظري القاصر وفاقاً لبعض الباحثين:

 ان الاختلاف بالرأي ليس مدعاة للاختلاف فهناك اختلاف ممدوح وما كان من هذا النوع فان الصدام الفكري قد فتح لعلم الاصول فرصاً جيدة للنمو والتكامل والتلاقح....... ولربما لم يتم بعضها لولا هذه الظروف خصوصاً بعد اخذنا بنظر الاعتبار شخصية الاستربادي القوية علمياً ودقته العالية.

وقد اثرى بعده عدد من العلماء المطالب العلمية والتحقيقات الجديدة التي احكموا فيها بناء هذا العلم وقننوه واحدثوا في مناهج البحث الاصولي تغييرات جوهرية أمثال:

1- سلطان العلماء الحسين الحسيني ت 1064هـ صاحب التحقيقات النقدية لنظريات المعالم والتعليقة عليه.

2- الفاضل التوني ت 1071هـ صاحب الوافية والذي شطر الأصول الى مباحث الالفاظ والمباحث العقلية وألحق مسألة الضد والواجب والمفاهيم بمباحث العقل لا الالفاظ كما كان يفعل معاصروه. مضافاً لتقسيم الأدلة الى شرعية وعقلية.

3- المجقق الخوانساري ت1098هـ صاحب مشارق الشموس في شرح الدروس

ولا أخالني مبالغاً إن قلت أنه من أوائل من أدخل الدقة العقلية في أبحاث هذا العلم الذي أصبحت دقته العقلية سمة بارزة عند الشيعة الامامية.

4- المحقق الشيرواني ت 1099هـ استاذ صاحب الرياض وصاحب تعليقة المعالم.

وليست ببعيدة قوة مدرستي الوحيد البهبهاني والشيخ الانصاري وأمثاله من العلماء مقابل المحقق البحراني صاحب الحدائق وصولاً لفقهائنا المعاصرين.

والكل قد خدم من موقعه بلا ريب.

رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين ذخراً لشريعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

المحطة الثالثة: للبحث المقارن أهداف عدَّة، نذكر منها:

1- من غايات الفقه المقارن تحقيق غرض الوصول لاستنباط الحكم الواقعي؛ فيتفحص الفقيه كل الآراء والأصول؛ لتكوين رؤية كاملة وصولاً للمبتغى.

2- يساعد البحث المقارن على إيصال المعلومات للآخرين، وإيجاد أو خلق جو للتفاهم المشترك؛ بحكم اطلاع كل طرف على ما عند الآخر.

3- الفقه المقارن كمصداق جلي ينمي التقريب بين المذاهب الإسلامية رغم اختلافها. ومن خلال هذا المسلك يرفع سوء الفهم من كل مذهب تجاه الآخر، وبالتالي يؤدي إلى تقريب شقة الخلاف.

وتلا المحاضرة مداخلات ونقاشات من الحضور، كانت ذات وقع وفائدة للجميع.

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3