عقد مركز الإمام محمد الباقر(ع) لإحياء التراث بالتعاون مع مؤسسة كاشف الغطاء العامة ندوته الفكرية التخصصية بنسختها الرابعة عشرة، في قاعة المدرسة المهدية يوم الاثنين 26 جمادى الآخرة 1440هـ. 4/3/2019.

 وقد ألقى فيها المحاضر الدكتور الشيخ حسام العبيدي محاضرة بعنوان (شريف العلماء عطاء علمي في كربلاء).

افتتح الشيخ المحاضر بحثه بالاستشهاد بقوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ). ومن أظهر مصاديق العاملين بمضمون الآية الشريفة هم علماء شيعة أهل البيت(ع)، يُلحظ ذلك في العمق التاريخي لفكر مدرسة أهل البيت(ع)، والاهتمام بالتحصيل، ومواصلة نشر علوم أهل البيت(ع)، وهي علوم الشريعة المقدسة. ومن هؤلاء العلماء الأعلام هو شريف العلماء.

وقد توزع البحث في المحاضرة على ثلاثة محاور:

المحور الأول: سيرة الشيخ (شريف العلماء) الذاتية

هو الشيخ محمد شريف ابن الملا (المولى) حسن علي الآملي المازندراني الحائري.

وقد وجدت في بعض المصادر إضافة لقب (القبيسي)، مما شكل لدى بعض الباحثين موضع استفهام، لأن (قبيس) من أعمال جبل عامل في لبنان، فقد يقال إن الشيخ شريف العلماء من أصل عاملي، وقد استقر في مازندران بإيران، وأن (العاملي) تقرأ بلسان أهل إيران (آملي)، أي بإبدال العين همزة. وهذا الأمر يحتاج إلى بحث وتحقيق.

ولقب (الحائري)، نسبة إلى نزوله في كربلاء (الحائر الحسيني)، في مقابل من كان ينزل النجف الأشرف فيلقب بـ(الغروي).

أساتذته:

تتلمذ – أولا – على يد السيد محمد المجاهد صاحب (المناهل)، نجل السيد علي الطباطبائي صاحب (الرياض). وسمي بالمجاهد لمشاركته في جهاد الروس وقد استشهد في جبهات القتال ببعض أقاليم بلاد فارس المتاخمة للروس. ونقل جثمانه إلى كربلاء ودفن بها.

ثم تتلمذ شريف العلماء على صاحب الرياض نفسه تسع سنوات، حتى أحس بقدرته على الاستقلال بالتدريس. ويقال: كان له درسان، الأول: خاص، لطبقة متقدمة من الطلبة، تحتاج إلى تهيئة خاصة، وهم المتميزون من الطلبة. والثاني: درس عام.

تلامذته:

من أبرز تلامذته السيد إبراهيم القزويني صاحب كتاب (ضوابط الأصول) جد السادة آل القزويني الموجودين في كربلاء. وقيل إن كتابه هذا ما هو إلا تقريرات بحث الشيخ شريف العلماء، وهذا الكتاب مخطوط، وقد حصلت على نسخة منه من مكتبة العتبة العباسية المقدسة، وطُبع حديثا بستة مجلدات.

ومن أبرز تلامذته الشيخ مرتضى الأنصاري (الشيخ الأعظم)، والشيخ علي نجل الشيخ جعفر كاشف الغطاء، وكان قد عصفت بالنجف الأشرف بعض الفتن الداخلية التي حدت بالشيخ علي وأخيه الشيخ موسى ابني الشيخ جعفر كاشف الغطاء إلى التوجه إلى كربلاء للدراسة هناك.

من تلامذته الشيخ محمد حسن آل ياسين جد الأسرة المعروفة.

وكذلك الشيخ آغا بن عبد الدربندي، والسيد محمد شفيع بروجردي صاحب كتاب (الروضة البهية في الطرق الشفيعية)، وقد كتب في روضته بعضا من ترجمة أستاذه شريف العلماء.

ومن تلامذته الشيخ محمد سعيد البافروشي المازندراني المعروف بسعيد العلماء.

وفيما يتعلق نتاجه العلمي، لم يترك شريف العلماء كتابا بخطّه، وإنما آراؤه مبثوثة في طيّات كتاب المكاسب لتلميذه الشيخ الأنصاري، وفي كتاب السيد إبراهيم القزويني.

وكان الشيخ شريف العلماء لا يكلّ من الدرس والتدريس حتى في شهر رمضان المبارك، وقيل إنه لم ينم ليلا لمدة (14) سنة، ويبقى مستيقظا إلى الصباح.

وبعد تسع سنوات من دراسة شريف العلماء على السيد علي صاحب الرياض، استقل بالتدريس، فحضر مجلسه ما يربو على (1000) من الفضلاء، وتخرج عليه الأعاظم، كالشيخ مرتضى الأنصاري.

توفي الشيخ شريف العلماء سنة 1245 أو 1246هـ، ودفن بسرداب داره الواقعة في الجهة الجنوبية للخارج من جهة باب القبلة للحرم الحسيني المطهر، في زقاق (كداي علي)، أي المحتاج إلى علي(ع)، ثم أنشئ عليها مدرسة دينية، أسموها (مدرسة شريف العلماء للعلوم الدينية).

وفي العقود السابقة طالتها يد التخريب، وفي زمن مرجعية السيد محسن الحكيم، تولى إنشاء مدرسة دينية على دار شريف العلماء عام 1964م. وبعد أن نالها الخراب سنة 1991 تولّى مكتب المرجع السيد محمد سعيد الحكيم إعادة بناء المدرسة وتجديدها، وهي تحظى بعناية مكتب السيد محمد سعيد الحكيم، وفيها متولٍّ يدير شؤونها، وقد دفن الشيخ شريف العلماء في سرداب هذه المدرسة التي كانت داره.

المحور الثاني: سمات عصره

عصر الشيخ شريف العلماء هو القرن الثالث عشر الهجري (1207 تقريبا - 1246)، وأكثر الفترات ازدهارا علميا في كربلاء هي الفترة الواقعة بين سطوع نجم الوحيد البهبهاني مشيد أركان المدرسة الأصولية، في وقت احتدام الصراع الفكري مع المدرسة الأخبارية، وبين رحيل الشيخ شريف العلماء وانتقال وهجرة طلبة علوم الدين من كربلاء إلى النجف الأشرف، إذ تعدّ هذه المرحلة من أكثر المراحل الفكرية والأصولية والفقهية ازدهارا في كربلاء.

وعند رحيل الشيخ شريف العلماء هاجر ما يقارب (1000) من الفضلاء إلى النجف الأشرف، ومنهم الشيخ مرتضى الأنصاري. يقول المؤرخون: بعد رحيل شريف العلماء وانتقال فضلاء حوزة كربلاء إلى النجف الأشرف استعادة النجف مركزيتها لاستقطاب علوم الدين وطلابه.

المحور الثالث: أهم آرائه العلمية

نجد آثاره العلمية مبثوثة، وتحتاج إلى تتبع تقريرات بعض تلامذته. ومن هذه الآراء:

1- ينسب إليه القول بحجية الاستقراء الناقص في الأحكام الشرعية.

فمن المعلوم أن الاستقرار الكامل يفيد اليقين، لكنه متعذر أو متعسر، إلا في حالات خاصة، والاستقراء الناقص ممكن ولكنه لا يفيد إلا الظن. وبالتالي وقع النزاع في كيفية كونه حجة في الأحكام الشرعية.

2- له تقرير بحجية الظن المطلق.

ويمكن رجوع الرأي الأول إلى هذا الرأي، باعتبار أن من يقول بحجية مطلق الظن، فيلزم من ذلك القول حجية الاستقراء الناقص، وهو يعني حجية الظن سواء كان معتبرا وبالاعتبار الشرعي أم لم يكن كذلك.

وكأن التقرير الذي ذكر هذا المطلب أقرب بمقدمات دليل الانسداد؛ فعندنا علم إجمالي بالتكاليف، ويتعذر الاحتياط دائما في كل تكليف تكليف، وعندنا ظنون معتبرة، يمكن الأخذ بها، وتبقى ظنون غير معتبرة شرعا وموهومات، فإذا كان الاحتياط متعسرا نطرح الموهومات ونعمل بالمظنونات وإن لم تكن معتبرة شرعا.

3- ينسب إليه القول بحجية الأصل المثبت.

وهو اصطلاح أصولي، فإن من الأصول المهمة الاستصحاب، ويجري الاستصحاب في اللوازم الشرعية، أما في اللوازم غير الشرعية، كالعقلية والعادية فلا يجري الاستصحاب، وهو ما يعبر عنه بالأصل المثبت.

والقائل بحجية الأصل المثبت قائل بجريان الاستصحاب في اللوازم العقلية والعادية. ويعني هذا، أن حجية الاستصحاب من باب الظن المعتبر شرعا، أو بالخبر تعبدا. فعلى القول بأن الاستصحاب من المظنونات، وحجية الظن المطلق، سوف يكون الأصل المثبت – ما دام من المظنونات – حجة أيضا. أما من يقول إن الاستصحاب هو حجة من باب التعبد بالخبر، فلا يكون من المظنونات، وبالتالي لا يكون الأصل المثبت حجة.

4- القول بالكشف الحكمي لإجازة المالك بعد العقد الفضولي

وهذا القول يذكره الشيخ الأنصاري في المكاسب، ويفصل في إجازة المالك بالعقد الفضولي، هل هي على نحو الكشف أو النقل. ومعلوم أن الشيخ الأنصاري قائل بكون إجازة المالك ناقلة من حين صدورها، لا كاشفة عن صحتها من حين إجراء العقد.

ولكن على القول بأنها كاشفة، يصور لنا الكشف بأنه كشف حكمي، في مقابل الكشف الحقيقي، ونسب الشيخ الأعظم القول بالكشف الحكمي إلى شريف العلماء، بمعنى أن إجازة المالك كاشفة عن انتقال الملكية بعد إجازة المالك بالعقد الفضولي، ونرتب الآثار بعد هذا الكشف، أي بحكم الكشف.

ويجدر الالتفات إلى أن شريف العلماء كان مدرسا ومربيا للطلاب والفضلاء، فكان يهتم جدا بتربية الفضلاء، وقد تخرج من مدرسته ثلة كبيرة من الأعلام.

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
العراق
مع الشكر الجزيل على هذا التقرير المتكامل وما استعرضه من منجزات علمية باهرة لأحد عباقرة العلوم الدينية، وياريت كانت الندوة تتضمن برنامجاً اضافياً، بالقيام بزيارة لمرقد هذا العالم النحرير في كربلاء المقدسة، ليطلع الطلبة والاساتذة على أي مكان يوجد فيه المرقد؟! صحيح الاهتمام بالتراث العلمي له فائدته واثره الاكبر، بيد ان زيارة المراقد وتكريمها والاحتفاء بها من قبل الحوزة العلمية وايضاً من الساكنين المحيطين والمجتمع بأسره له أثره الكبير ثقافياً وحضارياً.2019-03-27

مواضيع ذات صلة

1