لا شك أن الذات المضطربة مستمرة بطرح جينات أكثر اضطراباً، ومن التناسل الجيناتي المستمر يتشكل مجتمع قائم على ثقافة صعب عليها القيام بأخذ زمام المبادرة بأي عمل يغير من مسارات الواقع. لقد سيطر الاضطراب عبر قرون، وترسب في الذات البشرية وتأصل بشكل مخيف؛ وذلك لعدم التوجه الجاد لقطع جذوره الثقافية والتي تمده بأسباب توالده المستمر.

ويطرح الناقد الدكتور جبار صبري بعض العلاجات الخاصة بهذا الاضطراب البشري، وذلك من خلال بحث يستقصي (أنموذج الداء المتأصل كجينٍ ثقافي) وأنموذج الدواء بوصفه (جين ثقافي مضاد)، في محاولة مهمة ولافتة لعدم الاكتفاء بالتشخيص من دون وضع الحلول لما تم تشخيصه من أمراض وسلبيات، حيث يرى أن العالم اليوم إزاء فرصة التحول من عالم انتاج المفاهيم إلى عالم انتاج المجالات، ويُفَصِّل هذا التحوّل بقوله: "بدلاً من التعامل مع انتاج المعرفة عن طريق المبدأ الآتي: عقل- تقنية عبر أسباب المكان؛ سيكون التعامل مع الانتاج المعرفي على وفق مبدأ تقنية - عمل عبر أسباب الزمان".

إذن هو رصد مهم للمؤشرات التي تنقل العالم بواسطة التقنيات المتطورة إلى آفاق حديثة، وأنماط جديدة في انتاج المعارف الإنسانية، ويحدد مسببات هذه الأنماط المستحدثة بالتداول الجمعي للتقنيات الاتصالية المتوفرة، وباللحظة التي يكون فيها الاستعداد النفسي للتحول والقبول بضرورته الملحة؛ للقضاء على الجينات الثقافية المريضة، وما الانتاج المعرفي الجديد إلا مضاد حيوي يستأصلها من جذورها.

إن أهم السمات الجديدة للانتاج المعرفي الجديد هي سمة التغيير التي ينبغي أن ينهض بها المثقف عبر عملية اجراء التحول في المبادئ وليس التحول في الإجراءات التي يراها الدكتور جبار صبري سبيلاً للسياسيين وأصحاب المهن والصناعات في قطاعات متعددة. ويطالب بالنظر للمشكلات بصورة المعالجة، وأهم هذه المشكلات انغلاق الأنا على المستويات على المستويات الدينية والسياسية والمعرفية والاجتماعية والنفسية والديموغرافية، وكذلك في ركودها - الأنا - في حالة من التقديس الذي لايرقى له شك أو سؤال، بحيث تتصور أنها الصحيح المطلق، وهذه أحادية مضطربة ومرتبكة تتحاشى كل منطق استفهامي يحاول الغوص في حيثياتها.

كما أن انخراط الأنا في مسميات جماعية، والبقاء تحت عباءتها عشائرياً أو مؤسساتياً أو حزبياً؛ يمثل مشكلة لاتقل أهمية عن سابقاتها، والتي تستدعي التوقف عندها لإحداث التحول عبر واسطة تقنية - عمل.

وفي حال استطعنا تطبيق هذه الواسطة مراعين الظرف الزمني وتحولاته؛ فقد نصل لنتائج جيدة في حال ركزنا على ريادية الرؤية الوسطية في التعامل الانساني تجاه مختلف القضايا، خصوصاً تلك التي تتعلق بالتعاطي مع الثقافات الأخرى، بحيث لايكون الشخص جامداً على موروثه بداعي الأصالة، ولاناكراً له بصفة كلية من أجل الوقوف المرتبك تحت يافطة التجديد؛ لأن كل عمل متجدد ينطلق من جذوره الإيجابية، فيكتب له الخلود في الأذواق المختلفة، وهذا ينطبق على مجمل الآداب والفنون والأفكار والفلسفات، وعلى بقية العلوم الإنسانية.

الانفتاح المعتدل كفيل بإنهاء الانغلاق، من خلال اشتراك المؤسسات التنويرية والمدنية مُعَرِّفَةً إياه بوصفه المكون الحيوي للتنمية المجتمعية.

ولاشك أن أكثر المؤسسات التي ينبغي لها أن تضطلع بمهمة الانفتاح وممارسة أدواره المتعددة هي المؤسسات التعليمية؛ كونها الأكبر عن تصدير الأجيال الواعية، ومثل هذا الأمر لايتحقق من دون أن تكون على رأسها إدارات كفوءة تحدد أهدافها عبر تخطيط وبرمجة، ثم تراقب آليات التنفيذ وفق المبادئ الحديثة لعلم الإدارة ؛ كي تتمكن من مسايرة محيطها الإقليمي والدولي.

وفكرة الانفتاح المؤسسي لابد أن تركز على قضية في غاية الأهمية، وتمس الواقع البشري ومعاناته خلال العقود الأخيرة في الصميم، وهي قضية منع أي فكر أو جهة أو منظمة تحاول إنعاش مسببات دفع البشرية لمحرقة الحروب، وذلك بالسعي لتقديم آليات تشترط الحفاظ على نسيج المجتمعات وكيانها الأخلاقي بنحو لايصادر محورية الإنسان بإخضاعها لسلطة مادية جائرة.

وعلى الشخص نفسه تقع أيضاً مسؤولية الإصرار الذي سيتكامل مع الجهد المؤسساتي، والإصرار هنا يكون على التخلص من قضية الاستقبال العشوائي لكل وافد من الأفكار، والإنطلاق نحو الجدل المفيد وعدم إخضاع كل شيء للأمور الغيبية خلاف المنطق قاطعاً أواصر التواصل مع الحاضر والمستقبل، والإصرار على وضع حاجز معرفي بين أناه التي عمل على كسر أنساق انغلاقها وبين الجامد من الأفكار؛ للخروج من الشرنقة الهامشية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0