يقول الناقد جمال جاسم أمين في كتابه (مقهى سقراط.. مراحل تدمير المعنى): من المشكلات التي تقع فيها الإيديولوجيات الدينية والمادية على حد سواء، انها تطرح نفسها بوصفها منهجاً متكاملاً، بل تتباهى بدعوى التكامل، وتنسى أن كل منهج بحاجة إلى (نقص ضروري) يسمح بتحولات التجربة، ومراقبة مفاجآتها على الأرض، هذا التكامل يحيل إلى الوثوقية المطلقة التي تختزل الزمن كله في صورة لحظة مفترضة، ثابتة يسعى الجميع لتكرارها، بينما ما يميز الفكر الليبرالي أنه يتفادى هذا الثبات لصالح تجريبية لاتضع العربة قبل الحصان، بل تنتظر عثرات الحصان لتفكر بكيفية إنقاذ العربة".

حديث الناقد هنا يأتي في سلسلة كلام عن ضرورة ما يسميه (التديّن الفردي)، والقول بضرورته جاء - بحسب الناقد أمين -؛ بسبب تأزم الإصلاح، معتقداً بأن التديّن الجماعي سبب في هذا التأزيم. ويرى ان قاعدة التديّن قائمة على العلاقة الشخصية مع الخالق، غير أنه يجب على اعتراض يجده ربما يحصل، في أن ليس كل الأفراد فقهاء فيقول: " إن الإكتفاء التام غير ممكن ولابد من الإسترشاد في بعض المسائل، ولكن هناك فرق بين الإسترشاد والتبعية ".

لانعرف أين التبعية، فهو لايمانع من الإستفسار في بعض الأمور الخاصة بالتديّن، فهل يعتبر الإستفسار تبعية؟، أم انه شاهد فقيهاً يمنع الناس من الزواج والتعيين وممارسة الرياضة وهم أطاعوه، فأسّس على ذلك رؤيته في التبعية؟!.

نعتقد أن هناك خلطاً في المفاهيم، خصوصاً حين ساوى بين الدينية والمادية، كما أنَّ تبريره في احتياج كل منهج أو رؤية إلى (نقص ضروري)، وميّز به الفكر الليبرالي غير مقنع، بل يتناقض مع قبوله بالإسترشاد في بعض المسائل، فما الداعي للإسترشاد الذي قد يمثل إجابة تُكمل النقص الذي يراه هو ضرورياً؟.

إن حالة عدم الثبات ليست شيئاً جديداً على الفكر الليبرالي، فهي ثيمة معروفة، ولايتميز به هذا النمط الفكري على غيره من الأنماط التي لم تصمد رؤيتها ولامناهجها في التقدم بالإنسان، بل العكس من ذلك، كان تشظي الرؤى التي أنتجها مفكرون يتبنون الليبرالية سبباً في انحسارها وتقلص مساحتها على خريطة الفكر الإنساني. فقد أثبتت التجارب والأحداث العالمية، أن الفكر الليبرالي عاجز عن تقديم نموذج مقنع للإنسانية، بعد الهزات الكبيرة التي ضربت العالم اقتصادياً واجتماعياً، ومانتج عنها من ردات فعل.

كما أن غموض الليبرالية، وعدم إيجادها تعريفاً يوضح موقفها تجاه الحرية، عقّد مسألة رسوخها الفكري كهوية وخطاب، وهذا الأمر انطبق على الليبرالية في الشرق والغرب على حد سواء، حيث قال (دونالد سترومبيرج): " إن مصطلح الليبرالية مصطلح عريض وغامض، شأنه في ذلك شأن مصطلح الرومانسية، ولايزال حتى يومنا هذا على حاله من الغموض والإيهام ".

وقالت الموسوعة البريطانية في هذا الصدد: " نادراً ماتوجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، بل أن بعضها تنهار بسببه"، هذا الغموض، وهذا الإفتقار للخطاب، كيف يمكن لهما أن يكونا ميزتين؟.

دين لفصل الدين

لعل الرؤية السابقة في التديّن الفردي تنسجم إلى حد ما مع ماطرحه عبد الكريم سروش في الموازنة بين الدين والعلمانية معتقداً انها تحرك الساكن من العقل من خلال العبور إلى (عقلانية دينية) تتيح التعدد لا الأحادية، وهذا تناقض آخر تقع فيه رؤية التدين الفردي، إذ كيف تنسجم الفردية (الدينية) مع التعدد الذي يفرزه العقل وفق مقولة (عقلانية الدين)؟.

إن التشبث بالآراء السروشية دليل على أن (الموضة) تغلغلت في الأوساط الفكرية، إذ أن أغلب آراء سروش ماهي إلا صدى لأقوال آخرين، وكلام قاله معارضو الدعوة الإسلامية في بداياتها، والذين نسبوا للرسول (ص) والقرآن صفات كثيرة، فأعادها سروش مع " إضفاء مسحة بلاغية عليها، إلا أن الطبقة البلاغية كانت باهتة جداً بحيث لم تستطع التغطية على الصدأ الكامن خلفها "1.

لسنا نريد الإسهاب في موضوعة آراء (عبد الكريم سروش)؛ لأن موضوعنا هنا هو أطروحة تدين فردي تنسجم مع ماجاء في بعض ماقاله حين قارن بين الدين والمعرفة الدينية، وبين الوحي والتجربة الدينية، والوحي، وغيرها من القضايا التي عاد وبرر لها تبريرات تبدو مضحكة للغاية، وكتابه (الدين العلماني) تزويق لفظي لاأكثر، فالكل يعرف أن العلمانية بمفهومها هي قائمة على فصل الدين عن الدولة أو السياسة، وإطلاق تسميات مثل هذه تضعنا أمام ظاهرة قد يصح تسميتها بـ دين ضد الدين. وأصابع العولمة تبدو واضحة في إحداث القطيعة بين أنماط التدين تمهيداً لهدفها الرئيس في زعزعة القيم الدينية الأصيلة، وذلك بإيهامها الفرد بقدرته على صنع نموذجه الديني منفرداً، وبذلك تتشكل منظومة دينية بمقاسات عولمية.

لم تعد العولمة اليوم مادة للصراع بين الأصالة والمعاصرة، بل دخلت في الأنساق المرتبطة بالإنسان برابط روحي، محاولة إنتاج نموذج مشوه للدين يبتعد عن قوانين السماء، ويتوه في الأرض منفلتاً من كل الأعراف، مايتيح له تشكيل هوية مشوهة بأنماط عبثية يعمل على ترسيخها وتأصيلها ؛ لذلك لابد من عملية ترسيخ وتأصيل مضادة، تعمل على إحداث ثورة وعي في الأجيال الحالية والقادمة، والتي قد تقع فريسة سهلة لخلط المفاهيم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0