آراء وافكار - مقالات الكتاب

هدم قبور البقيع وثقافة القطيع

يوم البقيع العالمي

وقعت الكارثة في البقيع في صبيحة 8 شوال من سنة 1344ه الموافق 21 /4 /1925م

مقدمة ثقافية

الثقافة هي نتاج الحضارة والاجتماع الإنساني، والحضارة نابعة من الفكر الحضاري، وبقدر ما يكون في المجتمع البشري من حضور للقيم الإنسانية يكون لديها حضور حضاري، لأن الحضارة تابعة للقيم الإنسانية، وإلا نكون كما هي حضارتنا الرقمية اليوم تقدم مادي ومدني هائل إلا أنها خاوية على عروشها من القيم، والفضائل، والأخلاق، بل صارت كل تلك تُقاس بالمادة.

والمادة هي من نتاج الأرض ومكونة من عناصرها المختلفة، وهي زائلة بالية ومتحولة ولا قيمة حقيقية لها، لأن وجودها مقرونا بالعدم، فهي موجودة الآن معدومة بعد حين، وكانت في العدم ثم خرجت إلى الوجود، فلا ثبات ولا أصالة لها، والثابت هو الذي له قيمة عليا نابعة من الروح التي وهبها الله لهذا الإنسان المكرم على خالقه سبحانه بنفحة، أو نفخة من روحه ثابتة ولا تفنى بفنائه ولا تموت بموته، ولا تنعدم بتحول مادته إلى العدم بل تبقى خالدة وعليها الحساب والعقاب.

فثقافة الإسلام والمسلمين نابعة من قيمه وتشريعاته الحضارية والإنسانية التي لا يوجد في قوانين العالم منظومة نظيرة أو شبيهة لهذه المنظومة الشاملة والكاملة لكل شؤون البشر في كل زمان ومكان وما من شيء إلا ولله فيه حكم، يعرفه مَنْ يعرفه ويجهله الجاهلون، وما من تشريع أرضي إلا وتجد فيه ثغرات ونواقص ونواقض وفراغات إلا هذا التشريع الكامل الذي شرَّعه الله سبحانه وأنزله على رسوله الكريم (ص) ليقود الحياة ويصنع الإنسان الفاضل، والمدنية الحضارية.

وتأثير الثقافة في الفرد هو تأثير تلك المنظومة التشريعية التي أنزلها الله وبيَّنها رسول الله (ص)، ولم يترك فيها شيء إلا بينه حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة، ولذا جاءت ثقافة المسلمين من هذا النظام القيمي في الفضيلة، وليس لأحد من البشر أن يُشرِّع من عنده، أو يُضيف أو يحذف من المنظومة الربانية أي شيء فيكون تشريع محرَّم وبِدعة وضلالة وليس له ولا يجوز لأحد أن يتبعه عليها بل يجب الأخذ على يديه لضربها وحذفها من المنظومة الاجتماعية الإسلامية.

حديث السُّنة والبدعة

وهنا يجب أن نبيِّن أن لدينا مفهومين متناقضين تقريباً هما؛ (السُّنة، والبِدعة)، فالسُّنة إما نبوية أو أخلاقية اجتماعية أمضاها الإسلام في اجتماعه، فصارت مقرونة بالأمر النبوي والسُّنة المطهرة التي هي تشريع بأنواعها الثلاثة؛ (القول، والفعل، والتقرير)، وهذه مأمور بها، وهي أساس المنظومة الإسلامية الحضارية.

وأما البِدعة؛ فهي كما قال العلامة الطُريحي: "البِدْعَةُ الحَدَثَ في الدِّين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سنة، وإنما سُمِّيت بدعة؛ لأن قائلها ابتدعها هو نفسه"، فهي الإتيان بشيء ليس من الدِّين، ودسَّه فيه بلا دليل، ولا شيء إلا استحسان ورأي شخصي، وهوى النفس الأمارة بالسوء، وهذه هي التي جاء في الروايات التحذير منها والأمر برفضها وإقصائها من منظومة التشريع والقيم الإسلامية، إلا أن بعضها جاء بها أهل السياسة والحكم وفرضوها على الأمة وأدخلوها في منظومتها الاجتماعية وطال بها الزمان ونشأت عليها الأجيال وهي لا تدري حقيقتها الباطلة وأصلها الفاسد لأنها بدعة من الأول ورسول الله (ص) يقول: (اتَّبعوا (السُّنة)، ولا تبتدعوا فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).

وفي رسالة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أصحابه قال: (أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسُنته، وآثار الأئمة الهداة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم؛ فإنه مَنْ اخذ بذلك فقد اهتدى، ومَنْ ترك ذلك ورغب عنه ضلَّ، لأنهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم، وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المداومة على العمل في اتباع الآثار والسُّنن وإن قلَّ أرضى لله وانفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء ألا إن اتباع الأهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار). (جامع أحاديث الشيعة؛ السيد البروجردي: ج ١٤ص ٤٤٢)

ولا يوجد بدعة حسنة في التشريع كما يدَّعون أولئك، نعم؛ هي حسنة من وجهة نظر المبتدع لها ولذا يستحسنها فيبتدعها ويُحسِّنها في عيون الناس ليأخذوا بها كما فعل الخليفة الحاكم ببدعة صلاة التراويح التي هو شخصياً ربما لم يُصليها بل أمر بها فقد رَوى البخاري عن ‏ابن شهاب الزهري ‏عن ‏عروة بن الزبير ‏عن ‏عبد الرحمن بن عبد القاري ‏أنه قال: ‏خرجتُ مع ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس ‏أوزاع ‏متفرقون ‏‏يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته ‏‏الرهط (الجماعة)‏.

‏فقال ‏عمر:‏ ‏إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على ‏أبي بن كعب،‏ ‏ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يُصلون بصلاة قارئهم.

قال ‏عمر:‏ ‏نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يُريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله).

فالملاحظ من سياق الرواية أن الرجل نفسه لم يلتزم بها، بل فضَّل النائمين عنها على القائمين بها لأنها بدعة ليست من الدِّين في شيء، ولكن عندما طالت فترة حكم الرجل لعشر سنوات صارت هذه البدعة سُنَّة في العرف الاجتماعية ولذا عندما جاء الإمام علي (ع) إلى الحكم وأراد رفعها أو منعها فقام الجهال من كل ناحية من المسجد يصيحون: وا سُنَّة عمراه، فتركهم وشأنهم.

وهكذا كل السُّنن التي جاء بها الخلفاء إنما هي بدع استحسنوها وهي ليست من الدِّين، ولذا نقرأ أن الإمام الحجة بن الحسن (عج) في آخر الزمان يأتي على الناس بدين جديد ما ألفوه، من هذه الناحية لأنه سيحذف كل هذه البدع الباطلة ويترك السنة النبوية فقط، فيظن الناس أو الناظر أنه (روحي فداه) يأتي بدين جديد، وهو لن يأتي إلا بالدِّين الخالص كما أنزله الله على جده رسول الله (ص)، فتصوَّر أن يرفع كل البدع عند المخالفين فما يبقى عندهم من الدِّين؟

بناء المساجد على القبور

ومن تلك السُّنن الإلهية، والقيم الحضارية، والتشريعات الربانية مسألة بناء المساجد على قبور الأنبياء والأولياء (ع) كما في قوله تعالى عن أهل الكهف: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) (الكهف: 21)

وعلى تلك السُّنة المباركة سار رسول الله (ص) الذي أمر أن يُدفن في بيته الذي قبض فيه – روحي فداه – وكانت بيوته جميعها حول المسجد ولذا عندما تمت التوسعة صار قبره الشريف في مسجده، وارتفعت عليه القبة الخضراء التي تناطح عنان السماء علواً وشموخاً وارتفاعاً، وعلى هذا سارت الأمة لأكثر من ثلاثة عشر قرناً، يبنون على قبور الأنبياء والصالحين مساجد لتكون مسجداً ومزاراً، فتكون نوراً على نور، وهذا ما هو موجود ومعروف في ثقافة المسلمين منذ الصدر الأول لهم، ففي الشام، ومصر، والعراق، وبالإضافة إلى الحرمين، فهذه الكعبة المشرفة، وذاك المسجد النبوي، ويتبعهما المسجد الأقصى وصخرته، فكلها تبني المعابد والمساجد حول قبور الأولياء، فتلك هي ثقافة المسلمين وما اعتادوا عليه، حتى أنهم من عاداتهم الجميلة في ذلك أنهم إذا عرفوا أحد الأنبياء والأولياء مرَّ من مكان ولبث فيه بعض الوقت يُقيمون عليه مزاراً ويُسمونه مقاماً تبركاً وتشرفاً ولا أحد يُنكر عليهم في ذلك..

ثقافة القطيع الوهابي

واستمر على ذلك سيرة ومسيرة الأمة الإسلامية إلى أن ابتُليت بشخص أحمد بن تيمية المخذول المنحرف في كل شيء حتى سمَّاه الرَّحالة ابن بطوطة: "الشيخ ذو اللوثة"، أي المجنون، فكان هو أول مَنْ ابتدع حُرمة البناء على القبور، لكنَّه قُبر وقُبرت معه فكرته إلى أن جاء تلميذه ابن عبد الوهاب فأخذها وأحياها وزاد عليها هو وتلاميذه وأتباعه حتى قال أشهرهم ومحدثهم الألباني: "إن من بدع زيارة المدينة المنورة قصد قبره (ص) بالسفر، وإبقاء القبر النبوي في مسجده، وزيارة قبره (ص) قبل الصلاة في مسجده، والتوسل به (ص) إلى الله في الدعاء وطلب الشفاعة، وغيرها منه، وقصد القبر النبوي للسلام عليه دبر كل صلاة".

هكذا يُحاربون رسول الله (ص) بدعوى البدعة، فيُحرِّمون أكبر الواجبات، فقد قال رسول الله (ص): (مَنْ زارني ميِّتاً كمَنْ زارني حياً)، و(مَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي)، ليُبعدوا الأمة عن أعظم المقرِّبات إلى الله، وهي رسوله الكريم (ص)، وربنا سبحانه يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء: 64)، فجاء ابن تيمية الذي كان هو أول مَنْ ابتدع هذه الفرية البدعة في الإسلام، ومن بعده ابن عبد الوهاب وأتباعهما ليمنعوا الناس من زيارة رسولهم والتوسل به والاستغفار عنده والتقرب إلى الله بجاهه الوجيه عنده.

واستمرَّت الماكينة الإعلامية العملاقة تعمل على هذه البدعة الضالة حتى صيَّرتها ثقافة، وصارت ثقافة الأمة تُسمى عندهم "بالقبوريين، وعبَّاد القبور"، كما يُطلق على الشيعة الكرام من قبلهم، وما ذلك إلا لترسيخ ثقافة القطيع الوهابي المجرم في المجتمع الإسلامي، لأنهم استخدموا أمضى وأبشع سلاح أيما استخدام، ألا وهو سلاح التكفير، فما أسهلها عليهم من أن يرموا كل مَنْ لا يُقر أو يقول بمقالتهم بالكفر، والشرك، ويستبيحون دمه، وماله، وعرضه أيضاً.

والعجيب الغريب أن هذا السلاح يُدينهم وممكن أن يُشهر في وجوههم القبيحة لأن السنة النبوية تقول: (أَيُّما رَجُلٍ قالَ لأخِيهِ: يا كافِرُ، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما). (صحيح البخاري: ح6104، والحديث: صحيح)

هذا الحديث يرويه ويُصححه الألباني نفسه ولذا يُعلق صاحب الدرر السنية ويقول: "الإقدامُ على تَكفيرِ الناسِ أو تَفسيقِهم دُونَ بيِّنةٍ أمرٌ عظيمٌ؛ فهذا أمرٌ ليس بمتروكٍ لآحادِ الناسِ، بل على المسلمِ التَّأنِّي وعدمُ إصدارِ الأحكامِ بل عليه التِماسُ العُذرِ وحُسن الظنِّ بغيرهِ"، ورغم ذلك تراهم يُكفِّرون كل الطوائف والمذاهب الإسلامية إلا مَنْ سار معهم ونفَّذ أوامرهم بقتل الناس وتفجيرهم بكل طريقة ووسيلة كما نرى ونسمع منذ أن وجدوا نشازاً في نجد قرن الشيطان، حيث نبغ قرنه وطلعت الفتنة من بلد مسيلمة الكذاب على لسان ويدي ابن عبد الوهاب مسيلمة هذا العصر.

جريمة هدم قبور البقيع

ونتيجة هذا الثقافة الشاذة، وهذا الكفر والضلال الذي جاء به ابن تيمية ونفَّذه ابن عبد الوهاب وقعت جريمة هدم قبور أئمة أهل البيت الأطهار الأربعة (ع)، ومَنْ يلوذ بهم في بقيع الغرقد حيث أقدمت تلك القطعان الهمجية على الهجوم عليها وسرقتها – لأنهم سراق وقطاع طرق – وهدمها وتسويتها في الأرض، في صبيحة يوم الثامن من شوال سنة 1344ه أي قاربت القرن من الزمن ولا أحد ينبث ببنت شفة من المسلمين غير الشيعة الكرام الذين يُقيمون المجالس والمآتم، ويرفعون الأصوات عالية مطالبين العالم ومنظماته الحقوقية الإنسانية، والمسلمين وعقلائهم وفقهائهم للعمل كل من مكانه لرفع هذه الظلامة والسعي لإعادة البناء على تلك القبور لتكون كما أمر الله تعالى بقوله: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور: 37)، تلك هي بيوت محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين (ع)، فهل يسمعنا ويُساعدنا أهل الغيرة والحمية الإسلامية في ذلك؟

فالبقيع وقبوره التي كان يزورها رسول الله (ص) حتى وهو في مرضه الذي قُبض فيه قال: (إنِّي قد أُمِرتُ أنْ أستغفِرَ لأهلِ البَقيعِ، فانطلِقْ معي)، فانطلَقتُ معه، فلمَّا وقَفَ عليهم قال: (السلامُ عليكم يا أهلَ المقابِرِ، لِيَهْنِكُم ما أَصبَحتُم فيه). (الفتوحات الربانية ابن حجر العسقلاني: 4/222 والحديث؛ حسن)

هذه ثقافة الإسلام الحق ولكن ثقافة القطيع الوهابي تقول: بالهدم، والردم، ومحاربة القبور وأهلها.

اضف تعليق