انتهت الطفلة ذات التسع سنوات من أداء أُغنيتها وسط تصفيق هستيري وصافرات من الجمهور المحتشد في القاعة، فيما لم يستدر أي من أعضاء لجنة التحكيم المكونة من مُطرِبَيْنِ وَمُطربة من كراسيهم الدوّارة، الأمر الذي يعني أن الطفلة المسكينة لم تُقنع اللجنة (الموقرة) بأدائها، ولن تحصل في هذه الدورة على (صك الغفران) مُمَثَّلاً بثناء واحد من أعضاء اللجنة على أقل تقدير، ثم تبدأ المسرحية الهزيلة بإظهار التعاطف المصطنع مع الطفلة التي انكسرت وأحست بالفشل، والتعاطف يأتي من خلال الاشادة بأدائها الذي لم يقنعهم قبل لحظات قليلة فقط في إعلان مجاني ودعاية جاهزة للتناقض والانفصام، وكل ذلك من أجل تلميع صورتهم (العاطفية) أمام الجمهور باستعراض الأنسنة على حساب أحاسيس طفلة ليس لها من ذنب سوى أن والديها أقحماها في برنامج يوهم العالم باحتضان المواهب، وتُصرف له الملايين من الدولارات من أجل اختراق الأفكار في مراحل مبكرة، بعد ضمنت نجاح الاختراق مع فئات الشباب، لتتحول هذه المرة إلى فئة الناشئين.

الحديث عن البرامج والمشاريع المعدة لإلهاء الأجيال بهذا النوع من البرامج ليس جديداً، وليس من سبيل لإنكاره أو نفيه حتى وإن ظهر مُقَنَّعاً بقناع احتضان المواهب ورعايتها، وكأن المواهب مقتصرة على أن يمارس الأطفال من خلال الغناء ممارسات يقوم بها الكبار ولا تتناسب مع أبسط التقاليد الخاصة بالمجتمعات التي يأتي منها الأطفال للمشاركة في هكذا برامج، وإلا لماذا لا ترعى الفضائيات التي ترعى هذه البرامج برامج لمواهب أخرى كالرسم مثلاً، أو تشجيع الابتكارات العلمية لفئة الناشئين وتمنحهم المكافآت التي تشجعهم على الاجتهاد في تطوير الذات وخدمة الانسانية؟ لماذا التركيز على الغناء فقط؟ ولماذا الغناء في بلدان تختلف على تقييم الغناء خصوصاً إن جاء مبتذلاً خالياً من الأخلاق والقيم؟ هل فكرنا مثلاً بالوقت الذي يقدم فيه برنامج (ذا فويس) في قناة كانت قبل قليل ترفع أذان العِشاء؟!

لا نريد إقحام وجهة النظر العقائدية في هذا الموضوع بقدر مانريد النقاش في مسألة باتت تشكل خطورة واضحة يمكن تسميتها بـ (الخطر الناعم)، والذي يمهد لانكسارات مبكرة في نفوس أطفالنا، والفتيات الصغار بشكل خاص، فالخطر الناعم هنا يتمثل في مصادرة ممنهجة للبراءة والطفولة، وإلا أي إنسانية أو ذوق إنساني يقبل أن يشاهد طفلةً تتزيّا بزيِّ شابة في غرفة نومها، وتتمايل غنجاً وتغني بكلمات تقترب من الحِسِّيّات والرغبات التي لا تفهمها طبعاً قياساً بعمرها الصغير؟ الأكيد أنها ومع عدم شعورها بما تفعله في هذه المرحلة العمرية؛ أنها في خطوة تمهيدية قد تعقبها خطوات أخرى وصولاً إلى الهدف الرئيس في صنع جيل لا يفكر، وغير معني بالوقت أو التفوق والابتكار، بقدر مايعنى بأشياء صار الغرب نفسه ينظر لها على أنها أشياء ثانوية قليلة النفع إن لم تكن معدومة النفع أساساً.

وثمة أسئلة أخرى : هل دار بخلد اللجنة التحكيمية وهي تقدم الآراء النقدية في الصوت الطفولي، بأن هذا الانكسار المبكر قد يؤدي إلى انعزال أو انطواء أو حالات نفسية لدى الطفل أو الطفلة، وبالتالي ينعكس على المستقبل العلمي والدراسي؟

أليس الأحرى بهم، وهذه من أبسط المعلومات المتعلقة باختصاصهم؛ أن ينبهوا إلى أن صوت الانسان يتغير من الطفولة إلى المراهقة إلى البلوغ حسب مقتضيات الفطرة البشرية؟ ما سر هذا الضحك على الذقون وتخدير الآخرين من بوابة الطفولة؟

ولنبتعد عن الفضائيات التي تروج لهذا الانحدار والهبوط الفكري، وعن اللجان التحكيمية التي لا هم لها سوى الربح وزيادة الأرصدة وإن على حساب القيم والفنون ومصادرة الطفولة، لنخوض في قضية (انبطاح) الآباء تجاه هذه البرامج، حيث يدفعون بصغارهم للمشاركة فيها.

مهما تكن الحاجة، والوضع الاقتصادي الضعيف للأب أو الأم، لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار الحاجة والعوز من مبررات الدفع بالأطفال لهذا الهوس غير المنتج.

لماذا الطفولة؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بتلك الصعوبة، فبعد أن نجحت غلى حد ما مشاريع تمييع الشباب، يلتفت أصحاب المشاريع التخديرية إلى أن هؤلاء الشباب قد يستطيعون التغلب على مراحل الانكسار والاحباط مع تقادم الزمن، فهم في أوج مراحلهم العمرية ما يعني أنهم ممكن أن يستعيدوا توازنهم ويصححوا الأخطاء التي رافقت مسيرتهم، وهناك كثير من الشواهد والصور على الانتقال من مرحلة السوء إلى مرحلة الانتاج عند فئات الشباب؛ لذلك من المهم تسريب الهوس بالأضواء والشهرة الممهدة لجيل منحل وبلا قيم إلى الطفولة، والانكسار في مرحلة الطفولة يختلف بحسب الطبيعة البشرية عن الانكسار في مرحلة الشباب.

قد يأتي شخص ما ويحاجج بالطفل (أديسون)، ليقول أن انكسار هذا الطفل على مستوى الدراسة جعله يكون من أعظم الشخصيات التي رفدت الانسانية ونفعتها، ولكننا سنجيبه أن هذا قياس مع الفارق، والفارق أن (أديسون) كانت له والدة شجعته ودعمته ليتغلب على احباطات الدراسة، وظلت إلى جانبه تبث فيه الاصرار والعزيمة حتى وصل غلى ما وصل إليه، بينما يجتهد الآباء والأمهات عندنا في أخذ الأطفال إلى هذه البرامج حتى وإن كان توقيتها متزامناً مع موسم الدراسة، فشهرة الصغار من وجهة نظر الآباء والأمهات عندنا أهم من التفوق الدراسي، حتى وإن رافق هذا الظهور الاعلامي انكسارٌ لنفسية الأطفال، ولو كان (أديسون) طفلاً في زماننا هذا ؛ لكان من المستحيل أن تأتي به والدته إلى (ذا فويس كيدز)!

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1