- معنى الانتماء:

هناك انتماءات كثيرة للإنسان، منها الانتماء البيولوجي والانتماء الاجتماعي والانتماء الاقتصادي والانتماء الطبقي والانتماء الديني وغيرها من الانتماءات التي تعطي هوية للإنسان في مجال ما أو تكسبه ارتباط معين.

غير ان معظم أنواع الانتماءات تشترك في معان ودلالات تتبلور حولها مفهوم الانتماء، ومن ابرز تلك الدلالات:

* الارتباط:

فالانتماء يدل على الارتباط بالمنتمي اليه سواء كان أسرة أو دين أو نادي رياضي أو منتدى ثقافي، وهناك دوما عتبة لذلك الارتباط عند تجاوزها تنفصم العلاقة ويفقد الانتماء دلالته وعادة ما يكون ذل الارتباط مؤطر بمجموعة معينة من الالتزامات قد تكون أعراف أو حقوق وواجبات أو قوانين او شروط ولوائح، إنها التزامات لها أشكال متنوعة لكنها تنظم عملية الارتباط وتحمي الانتماء من العبثية والعشوائية وهذا التنظيم في الارتباطات نجده على مستوى النظام الطبيعي والكوني للحياة والوجود وعلى المستوى الإنساني، أضف الى ذلك انه تشريع الهي في جميع الأديان والنبوات. فالارتباط بالنهضة الحسينية يفرض التزاما عقائديا وأخلاقيا وسلوكيا من الضروري الإيفاء به وتنفيذه على أكمل وجه وأتمه، وإلا فان كل ارتباط لا يفي بمتطلباته هو ادعاء ينقصه الدليل، وهو انتماء فارغ من الداخل لا يرتبط بموضوعه.

* الامتداد:

الانتماء يدل على الامتداد. فالفرد امتداد لأسلافه، لجده وأبيه، وقومية إنسان هي امتداد تاريخي لقومية أسلافه، ودينه هو امتداد لجوهر الدين المنتمي إليه، وانتماء الإنسان الى فكر معين هو امتداد لذلك الفكر، وبالتالي فان انتماء الإنسان لعاشوراء هو امتداد لعاشوراء الحسين أي انه التواصل المعاصرة للثائرين مع الحسين، فإذا كان هذا الإنسان بهذا المستوى فقد حقق الامتداد الحقيقي لانتمائه لعاشوراء، وذلك هو الاختبار الحقيقي الذي يجعله يستحق بكل جدارة أعظم الأجر والثواب والمنزلة الرفيعة مع الأنبياء والشهداء.

* التمثل:

الانتماء يستوجب أن تمثل المنتمي إليه، فحينما يكون الفرد عضوا في جماعة أو تجمع من الأفراد فكل فرد يمثل هذه الجماعة سواء قصد بسلوكه أو لم يقصد، حيث ينظر الآخرين الى سلوكه باعتباره ممثلا لسلوك الجماعة وموقفها واتجاهها في موضوع ما.

قراءة للواقع من خلال الانتماء

عاشوراء أوسع من التاريخ، وأعمق من الزمن، إنها ملحمة مفتوحة تدعو الإنسان لاتخاذ موقف تجاه الحق أو الباطل، إنها تخيره بين الانتماء للعدل أو الظلم، إنها قضية إنسانية عظيمة، هكذا نظر إليها أصحاب الفكر، وهكذا كتب عنها أهل الديانات الأخرى، وهي جزء حيوي من اعتقاد المسلم المتمسك بالنهج الأصيل للرسالة الإسلامية.

وعاشوراء هي فضاء من الشهادة، استوعب مصير الإنسانية ومسيرتها في بناء القيم والعمل بها، إنها المنار السامق للشهادة، لكنها ليست تخليدا لفعل الموت، بل منهجا وعقيدة في رفض الظلم والفساد والعبودية، وكل قناع يستتر خلفه الموت الحقيقي للإسلام والإنسانية.

وينتمي الإنسان الشيعي الى عاشوراء انتماءا دينيا وعقائديا وعاطفيا وثقافيا، ويربى على ذلك الانتماء فينمو لديه الضمير مقتبسا من مبادئ وقيم عاشوراء..

وينمو فيه العقل فيتعرف على قضية الإمام الحسين وثورته وأسبابها ونتائجها ودورها في بناء الإنسان ومسيرة المجتمع وإثراءها للفكر الإنساني وتأثيرها في مجالات الفكر والثقافة والفنون..

وينمو فيه الدين فيعي أهمية عاشوراء في الحفاظ على الدين الإسلامي بنهجه ومنهاجه الصحيح والأصيل ويكتشف من هم أعداء الدين وما تعرض على أيديهم من مؤامرات وحروب وظلم وتحريف، ويدرك دور الإمامة المجاهدة في التصدي الاستشهادي لفضح المتآمرين وإسقاط أقنعة المزيفين.

وتنمو فيه الأخلاق والشخصية فيكتسب ما أمكنه ذلك من مواقف وأخلاق الإمام الحسين(ع) وأصحابه وأنصاره ومن سار على نهجه وتكاملت شخصيته في إتباعه.

ومن هنا (وليس كما يظن البعض تنتهي) تبدأ القصة.

فالانتماء لعاشوراء ليس فكرة في العقل أو خاطرة في القلب إنها أعمق وأوسع من ذلك، إنها سلوك ومواقف تعيد رسم الحياة ومنظورها وقيمها.

والإنسان الذي ينتمي الى عاشوراء ويحمل قضية الإمام الحسين يتأثر ويؤثر في محيطه، وهذا المحيط يتكون من عدة حلقات متدرجة من العائلة ثم الجيرة ثم الجماعة المحلية وجماعة العمل والجماعة الاجتماعية ثم الدولة والأمة وهي حلقات متفاعلة فيما بينها، وبذلك فان مسؤولية نقل رسالة الحسين ومبادئ نهضته مسؤولية كبيرة تستحق أن يتأملها الإنسان بوعي واهتمام كبيرين.

مثل هذا الإنسان هناك جماعة سوف تنتظر منه أن يقوم بأعمال تبرهن على انتمائه لعاشوراء كالتخلق بالخلق الحسن ورفض الظلم والرشوة ومساعدة الأيتام ونصرة المستضعفين والالتزام الحقيقي والإنساني للدين.

وهناك من ينتظر منه التزاما عقائديا يعبر عن الصورة المشرقة لسيرة آل بيت النبوة والأئمة المعصومين، والتزاما سياسيا يتوافق مع نهج الحسين ومبادئ الثورة الحسينية.

وهناك من سيناصبه العداء بسبب انتمائه لعاشوراء وما تعبر عنه بسبب الجهل والتطرف والعصبية والتقليد الأعمى أو حقدا على خط الإسلام الصحيح أو بغضا بآل البيت أو بسبب الانصياع لسياسة السلطة، أو المنحرفين والطغاة.

وهناك في البلدان التي يحكمها الأمويون الجدد يجد الإنسان المنتمي لعاشوراء نفسه مواطن من الدرجة العاشرة، مسلوب الحقوق ومتهم حتى تثبت وفاته، تحاربه السلطة في تحصيل دراسته ورزقه، محروم من ممارسة جميع شعائره الدينية، فاقدا للأمن تعيش على دمه ودماء أطفاله أجهزة الدولة القمعية.

وبموازاة كل هذا تجد عشرات ولربما مئات الفضائيات الأموية التي لم تجد موضوعا لها سوى شن الحرب على أنصار الحسين وآل البيت، وفي كل يوم تروج فتوى بالتكفير أو الذبح وكان كل مجازرها التاريخية لم تروي حقدها على الإسلام المحمدي، ولن ترتوي إلا بتشويه عقيدة كل مسلم.

لذا فان جميع محبي الإمام الحسين(ع) والسائرين في طريق نهضته وقضيته يجدون أنفسهم أمام انتماء اكبر من مجرد حادثة تاريخية، واكبر من مجرد الانتماء لقضية سياسية واكبر من انتماء الى مدرسة فكر ورأي..

إن أهمية عاشوراء تكمن بأنها تبعث في كيان من ينتمي إليها روح النهضة الحسينية ومبادئ الحسين ومواقفه العظيمة الخالدة، وبالتالي فإذا أراد المنتمون لعاشوراء أن يفهموا سر مواقف الآخرين تجاههم سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو كيانات فان فهمنا للواقع لن يتم إلا من خلال انتماؤنا لعاشوراء والوعي بذلك الانتماء ليس كما نعيش بل كما أراده الحسين والأئمة المعصومين ومن خلال تحليل مواقف الآخرين وفقا للمواقف التاريخية من المنتمين للحسين وقضيته.

* مقال نشر في شبكة النبأ المعلوماتية- 1 كانون الأول/2011 – 5 محرم الحرام/1433

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0