عذرا سيدي لهذا العنوان (مدخل الهوية)، لأننا نستلهم سمو معناك لنكتشف ذواتنا التي ينيرها سراج شهادتك بزيت دمائك التي ملأت قلوبنا بحروف العلم ورايات الحرية..

ونقتبس فكرك ومواقفك لتكون لنا هوية، نلتصق بنهجها الإسلامي وبمنهجها الحسيني ونرفرف في آفاقها الإنسانية، لنكون أصلح للأمة وأقرب لله...

ولادة في خلود الشهادة

ليست الولادة هي لحظة زمن متجردة من تاريخها، بل هي امتداد لكل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية باعتبار التاريخ هو تجسيد لجغرافيا الأحداث وفقا لتضاريس الزمن وحدود الجماعات والشعوب، فالولادة بؤرة لتقاطع تلك الأبعاد، وافق تتجلى فيه مؤثراتها وتتطاول فيه تراكماتها.

فالإنسان ابن ثقافته وابن عصره وابن مجتمعه، يرث منه بالاكتساب أكثر مما يرث بالوراثة، وتتجلى فيه ملامح الانتماء حتى تصهر لدى البعض تمايزه، وقد أثبتت الكثير من دراسات علم النفس وعلم الإنسان إن الإنسان ابن بيئته، ترسمه بسماتها وتحدده بأطرها، ولكن يبقى من بين الملايين من البشر من يعيد رسم الواقع بفكره أو كفاحه أو مواقفه، بالطبع هناك قلائل من رجال التاريخ وقادة المجتمع يصنعون الأحداث، لا تصنعهم الأحداث، قلائل عاشوا ليخلدوا وغيرهم عاش ليموت، قلائل وهبوا حياتهم للعطاء ليتجاوزوا الموت الى الخلود...

مثل أولئك يحسن بالدارس أن يتأمل كثيرا في طفولتهم فهي سر حركاتهم في فترات الرجولة، ومستودع مشاعرهم وأذواقهم وميولهم، وهي منبثق انطلاقهم نحو فهم العالم والتفاعل مع المجتمع، وكينونة علاقتهم بالله عز وجل.

ومن أولئك الخالدين كان الشهيد آية الله السيّد حسن الشيرازي..

ولد السيّد حسن الشيرازي في عام 1937 في خضم التحولات الدولية والسياسية والاقتصادية التي كانت تزلزل المسرح الدولي بعد الحرب العالمية الاولى، وإبان معالجات واحتواء الآثار الكارثية التي عانت منها شعوب الأرض نتيجة الحروب والصراعات، حيث انعكست تلك التحولات والآثار على الخريطة السياسية والاقتصادية لدول العالم الإسلامي والعربي، إضافة الى بروز قوى دولية جديدة أعادت رسم خريطة التحالفات الدولية ومناطق النفوذ والصراع الدولي.

في مثل هذه الآفاق للأحداث والصراعات والتحالفات الدولية ولد السيّد حسن الشيرازي في مدينة النجف، العاصمة الدينية للتشيع، وصرح المرجعية، وعاصمة الإمامة الأولى.

إن سماحة آية الله الشهيد السيّد حسن الشيرازي من عائلة علميّة عريقة في العراق، وقد بدأت هذه العائلة من آية الله العظمى الإمام المُجَدِّد السيّد محمد حسن الشيرازي، الَّذي عُرف بمُحاربته للإنكليز في قضيّة التبغ.

وأيضاً تَنتَسب هذه العائلة إلى قائد ثورة العشرين آية الله العظمى الميرزا الشيخ محمَّد تقي الشيرازي في كربلاء المُقدّسة، والمَدفون في حرم الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمَّ والد السيّد الشهيد، وهو آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي، والَّذي كان مرجعاً وعالماً كبيراً، وفقيهاً عظيماً.. كانت له مواقف جهاديّة كبيرة ومعروفة خُصوصاً في عهد المَدّ الشيوعي في العراق.. كما كانت له مواقف أخرى في مَجال المُطالبة بالحُقوق من الدَّولة العراقيّة لصالح الإسلام ولصالح الشَّعب العراقي المُسلم.

ثُمَّ سماحة آية الله العظمى الإمام السيّد محمَّد الشيرازي، الأخ الأكبَر للشهيد السيّد حسن الشيرازي، الَّذي في الحقيقة خدم التشيُّع والشيعة، وبصورة عامّة الإسلام طوال حوالي ستّين عاماً، وألَّف الكثير من المُصنّفات الجميلة والقيِّمة في حُقول الإسلام المختلفة، كان عددها يَفوق الألف، ما بين موسوعة تجاوزت المائة مُجلّداً في الفقه، وبين دراسات في مَجالات مختلفة، وكُتَيِّبات وكُتُب ثقافيّة لعامّة النّاس.

وخلال حياته مرت بالعراق وبالأمة الاسلامية تحديات ومنعطفات عظيمة وكثيرة، وكان يمكن أن تؤثر هذه الأحداث وآثارها بشكل بسيط، لو كان هذا المولود قد نشأ في مكان آخر، أما وانه وليد الروضة الحيدرية والابن الرابع لآية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي (قدس) فانه قد ولد في نواة عصره، ولب محوره، ومركز الأحداث، ومنطلق المواقف، فالأحداث تدور حيثما دار في النجف او كربلاء او بغداد او بيروت او دمشق، والوقائع تسابق خطاه، والمواقف مرة تتقدمه وكرة يتقدمها، فالزمن لا ينفك يلاحقه والمكان لا يفتأ ينفتح عليه بآفاقه، حتى ابتلي به التاريخ، وابتلى بالتاريخ، فما هي إلا دورة من الزمن، وفترة من العصر (43 عاما كان عمره الشريف) حتى افترقا ليلتحق بقافلة جده الحسين عليه السلام في موكب الشهداء..

فحمل التاريخ كنزا من صفحات مشرقة حوت حياة مجاهد من آل الشيرازي قضاها في سبيل الله وخدمة الأمة..

وحمل الشهيد السيّد حسن الشيرازي وسام الخلود منقلبا إلى ربه راضيا مرضيا، مخلفا ينبوعا من القيم والمبادئ وثمارا من الأفكار والمواقف، وسحابات من الذكريات تبلل عطش الموالين بالشهادة...

بالطبع لا يكفي أن نقرأ التاريخ إذا لم نشعر به، وإلا فان المواقف والعبر سوف تنزلق من بين أيدينا كالرمال، هذه الحيوية في قراءة التاريخ تحول فعل القراءة الى سلوك يحاكي الاستجابة الطبيعية للمشاعر في الحياة.

ربما من الضروري أن نؤمن بأدق الموضوعيات في كتابة التاريخ، لكننا نرى إن القراءة الذاتية أو الحيوية للتاريخ تضمن لنا تفاعلا اكبر وآثارا أعمق، وفي ذلك تحقيق عميق لوظيفة التاريخ، فبعض المواقف تكون أوسع من زمنها، إنها تتمدد لتملأ الذاكرة، ذاكرة الشعوب والعقل الجمعي للمجتمع، إنها تأسر المؤرخ والمتلقي وتدفع بهما الى رؤية مشتركة، فيبدع الأول ويعتبر الثاني، وبينهما سواء على الورق أو في الحياة تتفجر تلك اللحظات بدلالاتها النابضة المفعمة بالحيوية..

في تاريخ آل الشيرازي – تلك العائلة العريقة العلمائية التي امتدت بجذور عميقة ومتينة في تاريخ الطائفة والامة فأثمرت مراجع للأمة الإسلامية ووطنيين قضوا في ساحات الجهاد في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوق الجماهير – تتأمل الذاكرة اشراقات الحياة الروحية الطاهرة وكأنها لحظة تأمل ساكنة في ضوضاء المعيشة من حولها.

اليوم تشرق روح جديدة في هذا البيت الذي ينتسب للنبوة برسالاتها، وللإمامة بمبادئها، انتماء بالدم والرسالة والمبدأ، اليوم تشرق روح جديدة في بيت آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي لتجدد الانتماء ولتكون حلقة أخرى من حلقات الخلود، وغرس جديد مبارك من غرس المرجعية.

كان البيت يضج بالحركة، فقد تدفق خبر الولادة القادمة كعطر زكي فواح، واشتملت الوجوه على أسارير منشرحة تسمو بها عبارات من الدعاء تحلق هنا وهناك لتمتزج مع دعاء الإمام في وضوئه..

كان الإمام قد انتهى من وضوئه معدا روحه الخاشعة للقاء ربه في صلاة هي غذاء لروحه وحلاوة لنفسه حينما بشر بالولد، وانسابت كلمات القران في صوت هادئ مطمئن تتدفق من شفتيه.

حمل إليه الوليد مشرقا بجمال الطهر البريء، مزهرا بهالة مشعة من بهاء الإمامة، اخذ وليده بيدين من الحنو وقابله بملامح السرور، وهمس في أذنه مؤذنا (الله اكبر، الله اكبر)..

كان آية الله العظمى الميرزا مهدي الشيرازي يهمس لهذه الروح الجديدة أن تباشر فعلها في هذا الجسد بإشراقة من اسم الله وجلاله، مؤذنا أن يكون للحياة معنى الآذان في علاقتها بالله والذات والآخر..

كان الآذان غذي للروح، بل وقيل للعقل أيضا، فما لا يدرك يختزن في اللاوعي ليعيد فيما بعد الإدراك تشكيله في العقل والنفس والمشاعر.

وما أن أتم الميرزا مهدي الشيرازي (قده) أذانه في أذن المولود الجديد حتى سئل:

- وماذا تسمونه سيدي؟

وكان الميرازا عاشقا حسينيا، فشخصت أمام عينيه رؤى كربلاء وملامح من شهاداتها القدسية فقفزت من عينيه دموع.. وفكر ان يواسي الحسين (عليه السلام)، فسمى وليده (حسن)..

وأثلج صدره انه انشأ أولاده على الدفاع عن العقيدة والعدالة وحبب إليهم الشهادة في الجسد حيث الفناء في سبيل العقيدة، أو الحياة حيث الفناء في العلم والعمل في سبيل المبادئ، ثم تمتم: السلام على الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين..

* من كتاب: (آية الله السيد الشهيد حسن الشيرازي الإمام المفكر والمصلح الثائر مؤسس الحوزة الزينبية-قراءة في فكره ومنهجه السياسي والإصلاحي) للكاتب الراحل رسول الحجامي

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1