آراء وافكار - دراسات

مسارات الفعل الاحتجاجي

صياغات التقعيد الاجتماعي للممارسة الاحتجاجية
بقلم: عبد الرحيم العطري-أستاذ باحث في علم الاجتماع، كلية الآداب الرباط - المغرب

لكل حركة احتجاجية تاريخ معين، بدء وامتداد، مسار من البناء والتحول يحسم تاريخها وحضورها في المشهد العام، لهذا يمكن الحديث عن مسار بيولوجي للحركات الاحتجاجية تُدشِّنه ممارسات تلقائية عفوية، وتُحرِّكه قبلاً دوافع وحاجات ملحة، وتليه تعبئة وعمل عفوي، فآخر منظم ومؤثر في مستويات متقدمة من الفعل والحضور. فالفعل الاحتجاجي وبالرغم من ظهوره بشكل عفوي، فإن هناك درجة معينة من التنظيم تحكمه وتؤطره داخل الحقول التي ينتمي إليها.

هناك من يميز بين مرحلتين من الحياة البيولوجية لأي ممارسة احتجاجية: الأولى تلقائية تتضاءل فيها إمكانات التنظيم ووضوح الأهداف والأدوار بمقدارٍ كافٍ، ومرحلة ثانية من التنظيم وتحديد الممارسات والأهداف وبلوغها أيضاً. وعلى طول المرحلتين معاً، تتألق وتخبو معايير وقيم وسلوكات وصيغ رمزية ومادية، وتتواصل العديد من الفعاليات المعبرة عن حياة الحركة الاحتجاجية، وهذا كله يستوجب التساؤل عن مختلف هذه المسارات التي تتَّخذها الحركات الاحتجاجية في الأنساق المجتمعية.

إن شروط إنتاج الحركات الاجتماعية تظل مفتوحة في الغالب على عوامل الإقصاء والتهميش وإخفاقات التنمية، فاتِّساع شرائح الفئات التي تعيش تحت عتبة الفقر أو تظل مهددة به، فضلاً عن سيادة واقع من لا تكافؤ الفرص وعدم احترام الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية، كلها مُولِّدات مركزية للنَّفَس الاحتجاجي الذي يتطوَّر إلى مستوى الحركة الاجتماعية، التي تتَّخذ أكثر من صيغة وواجهة للتعبير عن مطالبها وحساسيتها.

وهذه الشروط جميعها يمكن التعبير عنها بمفهوم «الحرمان النسبي»[1] كما يقترحه تيد روبيرت غير، فالحرمان برأيه مسؤول بشكل مباشر عن كل أشكال العنف والاحتجاج والاختلال التي تلوح في حقول النسق، فالحرمان النسبي يُشير إلى «إدراك الأطراف الفاعلة في النسق للتناقض بين توقعاتهم وقدراتهم المتعلقة بظروف الحياة التي يعتقد البشر أن لهم حقًّا فيها»[2]، فعندما يتبلور هذا الإدراك، نكون حينئذٍ أمام حرمان نسبي محفز بالضرورة للعنف والاحتجاج والتمرُّد.

والفعل الاحتجاجي، ومهما بدا بسيطاً أو محدوداً في أثره، لا يولد من فراغ، وإنما هو نتاج خالص لعامل أو عوامل متعددة تضافرت على صنعه وتصريفه وفق صيغة من الصيغ. إلَّا أن هذا العامل المحفز أو العوامل المتضافرة، لن تكون إلَّا من رحم الحرمان والأزمة والاختلال. فالعطب مسؤول بدرجة عالية عن بروز الاحتقان والتوتر المجتمعي، الذي نقرؤه في تفاصيل الحركات الاحتجاجية بصورة أوضح.

فماذا عن نقطة الصفر في مسار الحركات الاحتجاجية؟ كيف تولد هذه الحركات وكيف تستمر في الزمان والمكان؟ وما أقوى اللحظات في عمرها الافتراضي؟ ولماذا تتطوَّر بعض الحركات وتدوم أطول، وبالمقابل سرعان ما تخبو حركات أخرى؟ وما مُحدِّدات الفشل أو النجاح بالنسبة لكل حركة؟ وما الذي ينتج فعلاً هذه الحركات في المجتمع ويجعل منها واقعاً مألوفاً في بعض الأنساق دون غيرها؟

إنها نماذج فقط لتساؤلات من هذه الدراسة، والتي تتوزَّع على مبحثين، أولهما يُفكِّك الأسباب العميقة لانبناء الفعل الاحتجاجي، وثانيهما يُفكِّر في عمره الافتراضي ومساره الحركي، من العفوي إلى المنظم، فالصانع فعلا ًلممكنات التغيير والتجاوز في حالات النجاح التام، أو على الأقل المخلخل لقواعد اللعبة، ولو بشكل جزئي، في حالات الإخفاق والتعثر.

المبحث الأول: نتاج الأزمة وشرط التوازنات

هناك ما يكفي دوماً من الأسباب العميقة التي تُؤسِّس لظهور الواقعة الاجتماعية، فليس هناك فعل بالصدفة في قارة الدرس السوسيولوجي، فالأفعال أو ردود الأفعال هي بالضرورة إجابات موضوعية لحاجات ووضعيات سابقة، فكل واقعة اجتماعية، ومهما اتَّجهت نحو التوازن أو الاختلال، إلَّا وكانت نتاجاً خالصاً لشروط معينة تفرزها وتعضد انبناءها المحتمل في سياق التفاعلات والصراعات الاجتماعية التي تتميز بها حقول المجتمع.

وعليه فالاحتجاج الاجتماعي لن يكون إلَّا محصلة نهائية لشروط وظروف قائمة سابقة عليه أو متساوقة معه، فالأفراد يحتجون أساساً لصياغة أوضاع جديدة، وتجاوز القائم منها، بشكل يعكس الحرمان النسبي أو المطلق، هناك المثير والاستجابة أو الحرمان والعدوان كما تقترح بعض المدارس في علم النفس، هناك أوضاع وممارسات مفتوحة على الحرمان تُثير الحنق وتقود نحو التوتر والاختلال، وهناك استجابة تتراءى في شكل عنف واحتجاج وخروج على القائم بغية تقويضه وإعادة بنائه من جديد، وذلك بالمستوى الذي يُتيح الحد المناسب من المشاركة في اقتسام الخيرات وصناعة القرار.

لقد انتهى كل من ريمون بودون Raymond Boudon وفرانسوا بوريكو François Bourricot إلى التأكيد على أن الحركات الاجتماعية ذات النَّفَس الاحتجاجي تتشكَّل في الفترات التي تعاني فيها المجتمعات من أزمة[3]. ففي ظل الأزمة والاختلال تتنامى إمكانيات التوتر والاحتقان، المحفزة غالباً لمؤشرات الاحتجاج، الذي ينتهي بالانتظام في حركة اجتماعية يكون لها الدور البيِّن في تسريع وتيرة التغيير، «فهذه الحركات تُسهم بشكل أو بآخر في عملية التغيير وتجاوز الأزمة»[4]، فالحركات الاجتماعية لا تفهم دوماً على أنها مؤشر لاتساع هوامش الحرية والديمقراطية، بل تدل على نوع الإفلاس المجتمعي والأزمة التي تنذر باختلال ميزان القوى وتنامي مؤشرات الاحتقان.

كما لا ينبغي النظر إلى الحركات الاحتجاجية على أنها حالات معزولة عن سياقها المجتمعي العام، بل تتوجب قراءتها في علاقة دالة مع المعطيات الكلية لمجموع النسق الذي أفرزها قبلاً، «فتمردات الفلاحين مثلاً ليست مجرَّد ردود أفعال ناجمة عن تراكم مشاكل محلية، بقدر ما هي حركات محلية ناجمة عن اضطراب المجتمع برمته»[5].

وهذا يعني، فيما يعنيه، أن الفعل الاحتجاجي متصل بالضرورة بكافة عناصر النسق، بما فيها تلك التي تبدو جانبية للغاية، وأنه أيضاً، وهذا هو المهم، بنيوي في تركيبه وامتداده.

يؤكد سمير أمين أن «معظم الحركات الاجتماعية تندلع في مواجهة حكم قاسٍ أو إفقار عام»[6]، ففي ظل شروط سوسيوسياسية تتضاءل فيها فرص العدالة الاجتماعية، وتتفشَّى فيها بالمقابل مظاهر التفقير والتهميش، يغدو اندلاع الحركات الاحتجاجية أمراً عادياً، خصوصاً تلك الحركات ذات المطالب السوسيواقتصادية أو السياسية بالدرجة الأولى، ولهذا يفهم كثيراً كيف أن دول الجنوب تنتشر بها انتفاضات وثورات من أجل الخبز بعكس دول الشمال التي تندلع فيها حركات المحافظة على البيئة والمطالبة بحقوق المثليين مثلاً.

وفي هذا الصدد يقول إيريك هوبز باوم Erik Hobsbawm: إن الحركات الاجتماعية ليست «وقائع لا يمكن التكهن بها أو أحداثاً منبتة الصلة بما قبلها وبعدها وحولها»[7]، إنها برأيه تُمثِّل «احتجاجاً عنيفاً على القمع والفقر»[8].

وباعتبارها كذلك «فإنها كعنف خاص ليست معطى خارج الزمان والمكان، أو لحظة من التوتر المنفصل عن محددات بروزه وتحققه، إنها ظاهرة لها منطلقاتها وأبعادها»[9]، فاستقراء ما يعتمل داخل النسق من وقائع وتفاعلات كفيل بتخمين المآلات الاحتجاجية، لأنه من رحم هذه الوقائع تتأسس وتتقوى ممارسات ومعايير أخرى قد تكون مناوئة بالمرة للمكرس قبلاً.

ومع ذلك ففرضية الأزمة الاجتماعية لا يمكن أن تكون دائماً سبباً مباشراً في تحريك مؤشرات الاحتجاج، وإنما توجد عوامل أخرى قد لا تتَّصل بالمرة بالملمح السوسيواقتصادي المتعلق بالفاقة والاحتياج، ففي كثير من الدول حيث الرفاه الاجتماعي والحد المطلوب من العدالة الاجتماعية، نلاحظ أن الحركات الاحتجاجية ما تنفك تتنامى وتعبر عن مطالبها بكثير من الصيغ والوسائل، ودون أن يكون الهاجس السوسيواقتصادي دافعاً لها، وهو ما يعني أن الاحتجاج هو نتاج للأزمة المحلية فقط، ودون التنصيص على أن هذه الأزمة مختزلة بالضرورة في الفقر حصريًّا، فهو نتاج خالص لأزمة واختلال محليين، لهما فائق الاتصال بمعطيات النسق لا غير. «فكل التنظيمات والهيئات التي تبدو في حالة احتجاج ونضال لسبب من الأسباب تكون بدورها في وضعية أزمة»[10].

لكن ما الذي تعنيه الأزمة المنتجة للاحتجاج؟ وما المفهوم الذي تنطوي عليه في سياق الاختلال وتعارض المصالح؟

لقد «ارتبط مفهوم الأزمة في الفكر المعاصر بالتحولات والثورات الكبرى التي قادت العالم نحو المجتمع الصناعي»[11].

لهذا بات هذا المفهوم لصيقاً بالتوتر والاختلال، ودالاً على اللاسوي والمرضي بشكل أكبر، فالأزمة تُشير إلى حالة من العسر والاختناق التي تنتجها جملة من شروط الفائت والراهن، وهي حالة متقدمة من «الاختلال المؤقت في النظام تتولد عنه في سياق التطور والتحول ممكنات تعيد صياغة نظام للعلاقات ضمن زمانية مفتوحة على التحول المتواصل»[12].

فعندما تعتري النسق أزمة عامة أو جزئية، تنشأ من اختلال بنيوي عميق، وتتعارض مصالح الفاعلين الاجتماعيين، يلح حينئذٍ كل طرف على تحصين مصالحة وتقوية رساميله الرمزية والمادية، وفي سياق هذا السعي الحثيث إلى الحفاظ على الحال أو الجنوح إلى صياغة المآل، يبدو النسق مكوناً من حقول من الصراع والتنافس حول اقتسام الخيرات. ومن هنا يبدأ كل طرف في استثمار ما يحوزه من وسائل وتقنيات وممارسات لتوجيه نهايات اللعبة نحو ما تقتضيه مصالحه الأولية، ليتواصل الصراع الاجتماعي بصيغ سلمية أو دموية، وذلك بالنظر إلى حدة الاحتقان ومدى التعارض بين المصالح.

في هذا الإطار يلجأ الفاعل الاجتماعي الأقل امتلاكاً للرساميل الرمزية والمادية، والمبعد قليلاً أو كثيراً من دوائر صياغة اللعب وصنع القرار، يلجأ إلى التعبير عن مطالبه الملحة، عبر سلم احتجاجي يتخذ منحى تصاعديًّا في الغالب. في حين ينطلق الفاعل الأقوى المالك بالضرورة لإمكانات العنف المشروع والمتحكم بالتالي في موازين القوى، ينطلق في الرد على مناوئيه ومنافسيه، بما يتوافر لديه من أجهزة أيديولوجية وقمعية.

إن الأمر وفقاً لهذا التفسير يبدو كما استراتيجية العنف والعنف المضاد، «فهو عند القوي وسيلة لتثبيت واقع عدم التكافؤ وتشريع المقتضيات الضامنة لاستمراريته، وهو لدى الضعيف واحدة من الوسائل الكفيلة باسترداد مكانته وصيانة قيمه»[13].

وهكذا ففي سياق الفعل ورد الفعل، تتطوَّر الصيغ الاحتجاجية وتتقوَّى إمكانات التغيير أو التكريس تبعاً لمآلات التنافس والصراع بين هذين الفاعلين.

إن مناخ الأزمة والاختلال يساهم بشكل واضح في ميلاد الحركات الاحتجاجية، ويساهم أيضاً في تقوية مؤشرات الصراع والتنافس بين الفاعلين الاجتماعيين، لأن الأزمة تُعبِّر عن نوع من الاختناق البنيوي الذي لا تستمر معه التبادلات الاجتماعية بشكل عام، مثلما يعبر الاختلال عن حالة من اللاتوازن في شأن الاستفادة من خيرات النسق، «ففساد الحكم يؤدي إلى سوء توزيع الثروة، وبالتالي تزايد فاحش في الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، الأمر الذي يُؤدِّي إلى صراع طبقي نتيجة عجز النخب الحاكمة عن إقامة عدالة اجتماعية»[14]، وهذا الاختناق واللاتوازن معاً يُؤدِّيان إلى احتقان مجتمعي، يجد ترجمته الصريحة في أشكال الاحتجاج الاجتماعي التي تلوح في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من صعيد، في دلالة قصوى على أن الصراع فاقت حرارته حدود المحتمل.

وبالطبع فالهدف المركزي لأي فعل احتجاجي يظل هو تغيير القائم من الأوضاع، فالاحتجاج ممارسة تنشد التغيير قبلاً وبعداً، من أجل صياغة واقع آخر وسن تقعيد جديد للإفادة من مصالح النسق وخيراته، إنها ممارسة منهجسة بالتغيير «الذي تحاول من خلاله الذات أن تتبدل في خاصية أو مجموعة من خصائصها»[15].

ولهذا تجنح إلى التعبير عن مطالبها بوسائل تتوزع على أفعال موغلة في السلمية أو أخرى مدمنة للعنف المثير. وهذا التأرجح بين الاحتجاج بالعنف أو اللاعنف يبدو طبيعيًّا في دينامية الممارسة الاحتجاجية، ما دام مفهوم التغيير الأكثر التصاقاً بها منطوياً في مدلوله على الاضطراب والتجديد والتحويل والتبدل والانتقال...، فظهور بوادر الاحتجاج يعبر عن الميل نحو التغيير ولو بدرجات دنيا، ويعبر أيضاً عن اختلال ما في النسق العام، الشيء الذي يُؤدِّي إلى شحذ معطيات الصراع والتنافس بين الفاعلين الاجتماعيين، أملاً في التغيير والتجاوز، أو من أجل تحصين المواقع وإعادة إنتاج الأوضاع نفسها بالنسبة لمن يملكون وسائل الإنتاج والإكراه.

ومهما يكن من أمر، وسواء تعلق الأمر بانهجاس بالتجاوز وتحصين المصالح أو ارتكان إلى عناصر التكريس وإعادة الإنتاج، فإن التغيير واقع لا محالة، باعتباره فعلاً طبيعيًّا في مسارات الأنساق وتحولاتها، وهو ما يعني أن الأزمة والاختلال يقودان إلى الاحتجاج ويساهمان بطريقة أو بأخرى في تغيير خارطة اللعب، ولو بشكل نسبي، فالتفسير البنيوي ينطبق بقوة على الحركات الاحتجاجية، وذلك بالنظر إلى أن كل حركة احتجاجية، ومهما بدت بسيطة وهامشية، إلَّا وكان لها بالغ الأثر على مجموع النسق الذي تنشأ وتلوح فيه.

إن الفعل الاحتجاجي بهذا المعنى يسعى إلى تدبير صراعات النسق وفق خطاطات أخرى مغايرة، عبر إبداع حلول ممكنة تؤمن شرط التوازنات الضروري لاستمرار الشريط الحضاري للمجتمع. فالثورة مثلاً كفعل احتجاجي هي «ظاهرة اجتماعية تتحدَّد في حل التناقض الاجتماعي الذي يسود في مجتمع معين، في مرحلة تاريخية معينة، لصالح الأطراف الشعبية الصاعدة ضد القوى المسيطرة والمهيمنة المحافظة»[16].

هناك إذن مطلب غير معلن في عمق كل حركة احتجاجية، إنه مطلب التوازن، فالحركة الاحتجاجية قد تكون من أجل المطالبة بخفض الأسعار أو المحافظة على البيئة أو تكريس الحقوق السياسية أو غير ذلك من المطالب التي تشتغل عليها، لكنها في العمق ترمي إلى محو علامات اللاتوازن الذي يتراءى في هدر هذه المطالب.

فاللاتوازن في المصالح والحاجات هو الذي يخلق نوعاً من التوتر والفوضى الجزئية أو العامة في حقول النسق، وهو الذي ينتج في النهاية ثنائية الاستفادة والحرمان، مما يُقوِّي من إمكانات المساءلة والبحث عن أجدى السبل لإعادة التوازن وشرعنة الواقع، وهذا ما يجعل من مطلب التوازن مطلباً ملازماً لكل الحركات الاحتجاجية، وبُعداً رئيساً من أبعادها العميقة. لهذا لا يتوجَّب فهم هذه الحركات على أنها ممارسات فوضوية، وإن بدت كذلك، لأن محركها الأصلي يهفو إلى تكريس التوازن المجتمعي، وتجاوز حالات التفاوت والاختلال.

لكن كيف يتم تدبير هذا الانتقال من التوازن إلى اللاتوازن؟ وكيف تولد الحركة الاحتجاجية وتتطوَّر في ظل رهاناتها ومحفزاتها؟ وكيف يتطوَّر السلوك الاحتجاجي في نسق ما؟ وهل ثمة خطاطة عامة تنسحب على كل الحركات الاحتجاجية؟ أم أن عامل الخصوصية والمحلية يظل فيصلاً بينها؟

«إن الحركات الاحتجاجية والإضرابات ليست إلَّا تقنية للمطالبة، يهفو من خلالها منظموها إلى تحقيق مقاصد معينة، وهي تعد مؤشراً هامًّا لاكتشاف العلاقات المهزوزة بين الفاعلين الاجتماعيين، وبالضبط بين المستفيدين من خيرات المجتمع والمحرومين منها»[17].

وهذا التوصيف الصدامي للحركة الاحتجاجية يدفع إلى الاعتقاد في انضباطها لمقترب الصراع أكثر من أي مقترب آخر، «فتاريخ كل المجتمعات التي وجدت حتى الآن هو تاريخ النضالات الطبقية، الرجل الحر والعبد، النبيل ورجل العامة، السيد والقن، رئيس الطائفة المهنية والعامل المِيَاوَم، وبعبارة واحدة المضطهد والمضطهد»[18].

ثمة صراع مستمر بين من يفيد من خيرات النسق ومن لا يفيد منها، إنهما «يقفان في تعارض دائم، آخذين في نزاع مستمر، مرة خفيًّا ومرة مكشوفاً، نزاع ينتهي في كل مرة بإعادة بناء ثورية للمجتمع»[19].

إن الأمر أشبه ما يكون بصراع تاريخي لا تزيده الأوضاع والأجيال إلَّا اطِّراداً وتجذُّراً في مشهد العلاقات القائمة بالفعل وبالقوة بين من يملكون ومن لا يملكون. ويجب أن ننتبه في كل حين إلى منحنيات هذا الصراع ومعطياته، لقراءة حدوده ومساراته، عبر مساءلة الأشكال الاحتجاجية وموضعتها في سياقاتها الخاصة والعامة.

ومنه نقول: إن اللاتوازن الاجتماعي ينشأ بسبب انبناء أوضاع غير عادلة تتعارض فيها المصالح، أو بالأحرى تنتهك فيها مصالح البعض، وهو ما يقود إلى بروز مضطهِدين ومضطهَدين، أي مالكين لوسائل الإنتاج والإكراه، وغير مالكين أصلاً لهذه الوسائل، والنتيجة تعارض في الرؤى والمواقف واختلال بنيوي مأزوم، يجعل كل طرف يشحذ إمكانيته وقواه لتدبير الصراع وتحصين الموقع. وهنا بالضبط يبدأ الاحتجاج من أجل إعادة توزيع منافع النسق وتجاوز حالات العسر والاضطهاد واللاتوازن.

وإذا جاز أن نستعير من محمد عابد الجابري نقده لصدام الحضارات وإلحاحه على توصيفه بصراع المصالح، كصدام أشبه ما يكون بالصراع الطبقي على المستوى العالمي[20]، أمكن القول: إن الاحتجاج هو تعبير بالغ عن صراع المصالح وتعارضها في ظل شروط تاريخية مجتمعية معينة. وإذا كان صراع المصالح هذا بمثابة «علاقة عدوانية في الغالب، فإنه ليس من الحتم وقوع الصدام والانفجار، لأنه من الممكن جدًّا إقرار التوازنات الضرورية التي من شأنها أن تخفف من تناقض المصالح»[21]، فالتوازن هو المطلب الخفي والمعلن في آن لكل ممارسة احتجاجية.

فالفعل الاحتجاجي سواء كان مرتهناً إلى خيارات العنف أو اللاعنف، فإنه يبدو عنيفاً في تصوراته وإجراءاته ومطالباته، لكنه في عمقه يظل سلميًّا إلى أقصى الحدود، «هناك إذاً جدلية حادَّة بين منزعين جامحين: بين النزوع إلى التعبير عن السياسة والمصالح بالعنف المادي والرمزي، وبين النزوع إلى ترجمتها في مشروع سلمي يُشدِّد على فكرة توازن المصالح»[22]، فالاحتجاج ومهما كان منخرطاً في أتون اللاتوازن والفوضى العارمة، فإن مبعثه الرئيس هو التوازن الاجتماعي، فالثورة مثلاً «يكون هدفها شيئاً آخر غير ذاتها»[23]، لأن الاحتجاج يصير غير ذي معنى في حالة انتفاء مولداته ومسبباته.

لكن الفعل الاحتجاجي لا يمكنه دائماً وبالضرورة، أن يقود إلى تحقيق أهدافه المعلنة والخفية، إنه يُربك قواعد اللعب، يطرح وضعيات جديدة ويساهم في تسريع مسارات التغير، لكنه ليس من الحتمي أن يجني الثمار التي يهفو إليها. فالفاعل الأقوى في النسق لا يسلم بسهولة، بل يبدي معاندة واضحة تجاه أي مطالب تعمل على تحجيم أداء وفعالية مصالحه، فالثورة مثلاً «لا تحل تماماً وكليًّا المشاكل والقضايا التي تواجهها، بل تصنع الإنسان في موقع يستطيع منه أن يختار كيف يمكن له أو يجب عليه حلها»[24]، فالإخفاق محتمل الحدوث كما النجاح في كل تجربة احتجاجية، لأنه ليس من السهل إعادة التوازن وتجاوز العطب بطريقة آلية.

فالحركة الاحتجاجية تولد وتتطوَّر في ظل رهانات ومحفزات شديدة التركيب والتعقيد، وهذا ما يجعل منها بالتبعية ظاهرة بنيوية منضبطة بالدرجة الأولى إلى محيطها الذي أفرزها وأنتج مسلكياتها ومعاييرها، وهو ما يزيد من صعوبة نحت خطاطة عامة تنسحب على كل الحركات الاحتجاجية. فلكل حركة خصوصيتها ومحليتها التي تمتح منها، ولعل هذه المواصفات كلها، والتي تتوزع على التركيب البنيوي والفرادة التمييزية هي التي تجعل الحسم في الإخفاق أو النجاح نسبيا في سيرورة الفعل الاحتجاجي.

إن الانتفاضات والتمرُّدات وكثير من ألوان الاحتجاج الاجتماعي لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، وإنما ترد إلى «مجموعة من العوامل التي تعد بمثابة اختلالات وتناقضات كامنة في المجتمع، تؤدي إلى انفجار أعمال العنف الظاهري، وتعبر هذه التناقضات والاختلالات عن نوع من العنف الكامن»[25]، وهذا ما يؤكد الملمح البنيوي للممارسة الاحتجاجية.

لقد بدا جليًّا من خلال تفاصيل هذا المبحث أن مسارات الفعل الاحتجاجي محكومة في الغالب بعنصري الأزمة والاختلال وشرط التوازنات العامة للنسق، ذلك أن الاحتجاج يظل في مختلف أشكاله وتصريفاته ممارسة غير عادية تنشأ في ظروف غير عادية بالمرة، ينتجها واقع من العسر والعطب، لتلوح كرد فعل عنيف أو لا عنيف ضدا في فعل آخر سابق عليها، قد يكون بدوره موغِلاً في العنف أو تعارض المصالح، وبالطبع فالمطمح الرئيس لهذه الممارسة لا ينأى في الغالب عن شرط التوازنات التي تضمن للنسق خصوصيته وتحدد استمراريته.

المبحث الثاني: سيرورة الفعل الاحتجاجي

إذا كان الفعل الاحتجاجي بهذا المستوى من التعقيد والتركيب، فكيف يتأتى لنا فك شفراته؟ وكيف يمكن تتبع خطواته التصعيدية؟ وهل بالمقدور التحكم في سيرورته في ظل النسق الذي ينشأ فيه؟ وماذا، بالضبط، بعد الأزمة وشرط التوازنات؟

لقد تم التأكيد سلفاً على أن تاريخ الأنساق المجتمعية هو تاريخ من الصراعات والتنافسات، التي تترجم في شكل تمرُّدات وانتفاضات وثورات، إنه تاريخ مستمر من السيطرة والهيمنة والتحرر والرفض. «فتاريخ الكون لم يكن إلَّا سلسلة من تمرُّد الأبناء على الآباء والمظلومين على الظالمين والفقراء على الأغنياء والصغار على الكبار والمسودين على السادة»[26].

فالفعل الاحتجاجي باصم باستمرار لمسارات الحياة الإنسانية، إنه الثابت والمتغير في آن، عبر أجيال وأوضاع مستمرة ومنتهية، نكاد نعاينه في مختلف الأنماط والاتجاهات، فهو من مكونات المبنى المحتمل للفاعلية الاجتماعية ومن مُحدِّدات معناها العميق.

إن الحضورية المستمرة للفعل الاحتجاجي تجعل منه سيرورة اجتماعية لها قانونها الخاص، أو على الأقل خطواتها وقواعدها التي تنضبط إليها وتعمل بمضامينها، وهذه السيرورة المميزة للاحتجاج تفترض من جهة أخرى وجود قنوات وخطوات عملية لتصريف ما تنادي به الحركة الاحتجاجية، وذلك في صورة «دورة كاملة من شكل إلى شكل آخر جديد كما يوضح ألبير كامي»[27] بالنسبة لسيرورة الثورة. فالفعل الاحتجاجي بحاجة دوماً إلى أسلوب ومسار خاصين، مثلما يحتاج إلى أسس موضوعية تضمن له مزيداً من شرعية الانوجاد والاستمرار.

فما يجعل من الحركة الاحتجاجية ممارسة نوعية، بمقدورها الانتقال إلى مستوى الحركة الاجتماعية المستمرة في الزمان، والمحدثة فعلاً لتغييرات عميقة في بنية النسق، ما يجعل هذا الأمر ممكناً وإلى حد بعيد، عنصران مترابطان وهما «الأيديولوجية المتماسكة التي تُحدِّد الأهداف والمرامي القريبة والبعيدة، ثم التنظيم المترابط الذي يضم أطراف الحركة ويُحدِّد مسؤوليات الأعضاء فيها ودرجات انتمائهم وأساليب عملهم»[28]، فالسند الأيديولوجي النظري مضافاً إليه الأفق التنظيمي الصلب يمهدان لتشكُّل الحركة الاجتماعية ويضمنان لها ممكنات النجاح والتغيير.

وكل ممارسة احتجاجية بحاجة إلى أرضية انطلاق تضم الأدبيات المؤطرة للاشتغال ومسوغات الفعل ودلالاته، كما أنها بحاجة أيضاً إلى الأدوات الضرورية للفعل والمبادرة والمناورة، ما دام الأمر مفتوحاً على الصراع والتنافس، فلا يمكن تصور حركة احتجاجية مهما بدت بسيطة وعشوائية دون سند فكري محفز لها وداعم لها، ولو كان هذا السند على درجة من الهشاشة والمحدودية في الفعل والتأثير، فثمة أفكار يتم التقاطها على وجه السرعة، هي التي تُقوِّي من استعدادات الخروج على ما هو قائم من الأوضاع، فالفكري يلعب دوراً بارزاً، ولو بشكل خفي، في تثوير سؤال الرفض والاحتجاج.

من جهة ثانية فهذه الممارسة الاحتجاجية تستوجب توافر مجموعة من الأدوات الكفيلة بالتعبير عن اتِّجاهاتها وأهدافها ومطالبها، لا بد من آليات اشتغال وتفاعل مع معطيات النسق في اتِّجاه السلب أو الإيجاب، من أجل إعلان الحضور وتأكيد الانتماء إلى سجل الاحتجاج. فالأداة ليست مُجرَّد وسيلة للممارسة، بل هي علامة مميزة للفاعل الاجتماعي، ومُحدِّدة لهوية المشترك، وطبيعة الحقل القادم منه، بل إنها من أجدى المداخل لقراءة الفعل الاحتجاجي وتخمين حاله ومآله.

لهذا تعمد الكثير من الحركات الاحتجاجية إلى إيلاء فائق العناية لأدوات الاشتغال بدلاً من السند الفكري، على اعتبار أن هذه الأدوات هي التي تُحدِّد ملامح الاحتجاج، وهي التي تعمل على تسويقه بشكل جيد، خصوصاً وأن الاحتجاج في البدء والختام ليس إلَّا محاولة لتسويق موقف مضاد بهدف التغيير أو الدفع بالتغيير. فالمحتجون عندما ينزلون إلى الشارع مثلاً منددين ومستنكرين ومطالبين بحق ما، فهم لا يريدون فقط إسماع صوتهم إلى من يفترض أنه المسؤول عن ضياع حقهم، وإنما يرغبون أيضاً في كسب التأييد الجماعي وتوسيع شبكات الاهتمام والتعاطف من حولهم، ولهذا تلزم درجة معينة من التسويق والتعريف بالقضية.

من هنا يتضح بجلاء أن سيرورة أي ممارسة احتجاجية تعرف مراحل متعددة تقود نهاية إلى الفعل ورد الفعل اللذين يتَّجهان رأساً إلى العنف أو اللاعنف تبعاً لمولدات الاحتجاج وشروط صناعته وتدبيره داخل النسق، ففي حالة الاحتجاج بالعنف، تماماً كما هو الأمر بالنسبة للعنف السياسي، يقول تيد روبيرت غير: إن هذا النوع من الاحتجاج «يمر بمراحل ثلاث وهي: توليد السخط، وتسييس السخط، وإخراج السخط إلى حيِّز الوجود، دون وجود علاقة زمنية بالضرورة بين المراحل الثلاث»[29]. فالاحتجاج ينشأ من عدم الرضا على القائم من الأوضاع، لهذا يتحيَّن الفرص للتعبير عن ذاته والإعراب عن مطالبه، لتأتي مرحلة أخرى من تنظيم الاحتجاج وتأطيره بالسند الفكري والأدوات المنهجية، ليتم الإعلان عنه أخيراً بصيغ وأشكال شتى.

وهكذا ففي مرحلة تسييس الرفض والسخط «تتفاوت أحجام وأشكال العنف بتفاوت توازن الدعم المؤسسي بين الأنظمة ومنظمات المحتجين التي تتحدَّد بخصائص بنيوية، مثل: النطاق والتماسك، وبقدرة المنظمات على أن تقدم لأعضائها فرصاً للقيم وإشباعاً للحاجات ومدى وجود وسائل للإعراب عن الاحتجاج». هناك إذا ما يكفي من الخطوات والأساليب القمينة بتثمير الاحتجاج وتطويره نحو ما تقتضيه أهدافه ومطالبه القصوى.

ومنه نقول: إن الممارسة الاحتجاجية في غالبيتها تظل مسبوقة بمرحلة الإنتاج والتحفيز، وتستكمل نضوجها مع مرحلة التعبئة والوعي، لترسم لنفسها طريق التعبير وإعلان الحضور والمواجهة أو التجذير أو الانمحاء والكمون في حالات الإخفاق، إنها أقوى اللحظات في تفاصيل المشهد الاحتجاجي، وهي اللحظات التي نقترح تفصيلها أكثر في هذا المستوى من النقاش:

- مرحلة الإنتاج: في هذه المرحلة تكون بوادر الاحتجاج في لحظة كمون، تنتظر ما يُمهِّد لولادتها وانطلاق شراراتها، وتُعدُّ هذه المرحلة أكثر تأثيراً وحسماً في سيرورة الفعل الاحتجاجي وتحديد مداه وأفقه الممارساتي. فالأزمة والاختلال وما إلى ذلك من عوامل اللاتوازن تكون مؤثرة في صناعة النَّفَس الاحتجاجي وتصعيد مؤشراته، وهكذا تتضافر هذه العوامل كلها في جعل النسق أو بعض من حقوله مهيئاً لاحتضان الفعل الاحتجاجي، وبذلك تتم عملية الإنتاج الأولي للاحتجاج. ويمكن اكتشاف ملامح هذه المرحلة مثلاً في الحقل العمالي من خلال تدهور معدلات الرضا الوظيفي، وسيادة أجواء التذمر والحنق، وبروز حالات الاحتقان وتراجع مردودية الإنتاج.

- مرحلة التعبئة: بعد استكمال شروط الولادة، تنطلق عملية التعبئة والتوعية بحدود القضية المحتج بشأنها، وذلك وفق أساليب متنوعة يحكمها جدل الخفاء والتجلي، تبعاً لنوعية القضية وعلاقتها بمصالح مالكي وسائل الإنتاج والإكراه، ففي هذا المستوى من التطور الاحتجاجي يتبلور حدّ معين من الوعي الجمعي بالقضية/ السبب، ويتنامى الانشغال بها، ويبدأ تسويقها بين المعنيين بها بصفة خاصة، من أجل تعبئة كافة الموارد والإمكانات، قصد حشد مزيد من التأييد والأتباع، الذين من دونهم لا يستقيم الاحتجاج، فالتعبئة في هذا المستوى تستوجب السند الإيديولوجي وتحديد آليات الاشتغال، بما يفيد بأن عنصري التنظيم والفكر الموجه، يتحددان نظريا وإجرائيا على طول خط التعبئة.

- مرحلة التعبير: وهي المرحلة التي يُعلن فيه الاحتجاج عن نفسه بصيغ شتى، كالتظاهر في الشارع أو الكتابة فوق الجدران أو إصدار البيانات وتنظيم الوقفات...، المهم أنه في هذا المرحلة يتحوَّل الاحتجاج إلى مرحلة المواجهة الصريحة مع المتنازع معهم، إذ لا يجد المحتجون حرجاً في التعبير عن مطالبهم والإعلان عن توجهاتهم واختياراتهم التي قد تتعارض مطلقاً مع المحتج عليهم. كما أن التعبير الاحتجاجي تتحكم فيه قبلاً مسارات الإنتاج والتعبئة، فهي التي تُحدِّد طبيعته وانتماءاته الممكنة لسجل العنف أو اللاعنف، وخلال هذه المرحلة الحاسمة في سيرورة الفعل الاحتجاجي، يحتدم الصراع بين الفاعلين، وتتواتر التبادلات الرمزية والمادية بينهم، ممهدة بذلك لمرحلة لاحقة من الردود.

- مرحلة الردود: هنا ينطلق مسار من الفعل ورد الفعل، فكل طرف يرد على الآخر بما أوتي من رساميل رمزية ومادية، فإذا كان المحتجون يعبرون عن مطالبهم النابعة أصلاً من موقف رافض للقائم من الأوضاع، فإن الطرف الآخر لا يدَّخر جهداً في الرَّد على التعبيرات الاحتجاجية، وبذلك يتوزع هذا الرَّد المحتمل على جملة من الممارسات التي تتوسَّل بالعنف أو اللاعنف، أو تجنح مباشرة إلى تبخيس الصراع واحتوائه سواء بالاستجابة للمطالب أو تجاهلها كليًّا، وبالطبع فمسلسل الردود لا يقف بالضرورة عند خطواته الأولى، وإنما يستمر إلى حين استنفاد احتمالاته القصوى، فالمحتجون يردون على كل رد وُوجهوا به، والمحتج عليهم يفعلون الأمر ذاته، إنه تاريخ من الصراع والعنف والعنف المضاد.

- مرحلة التجذير: بعد سلسلة من الأفعال وردود الأفعال، أي بعد استنفاد صيغ المواجهة والصراع بين الفاعلين الاجتماعيين يدخل الفعل الاحتجاجي إلى مرحلة التجذير، والذي يكون بمعنيين، الأول منهما يفيد التحول إلى حركة اجتماعية فاعلة ومؤثرة في صناعة التغيير، وثانيهما يدل على الكمون والانمحاء النسبي من مسارات النسق بسبب الإخفاق المؤقت. فمعنى التجذر الإيجابي ينسحب على الأفعال الاحتجاجية التي تتمكن من تعزيز بناها الفوقية والتحتية وبلوغ أقصى درجات التنظيم والتماسك الفكري والهيكلي، في حين يشير معنى التجذر السلبي إلى حالات التراجع والتفتت الذي يحيق بالمشروع الاحتجاجي، فتتوارى من واجهة النسق إلى الخلف في صيغة كمون وانمحاء مؤقت، على اعتبار أن الصراع ملازم لكل الحقول.

إن هذه المراحل التي تبصم هذه السيرورة تدل على أن الاحتجاج يولد ويتطوَّر خطاباً وممارسةً بشكل متدرج مروراً بلحظات من الفعل ورد الفعل وانتهاء باحتمالات النجاح أو الإخفاق، لكن ما الذي يجعل ذات الفعل يتعثر عند منتصف الطريق؟ ما الذي يبخس الصراع ويحكم عليه بالانمحاء التام أو المؤقت؟ وبالمقابل ما الذي يبعد احتمالات الإخفاق عن المشروع الاحتجاجي؟ وما حدود الفشل أو النجاح في سيرورة الممارسة الاحتجاجية؟

إن الحرمان الذي يجعل منه مالكو وسائل الإنتاج والإكراه واقعاً يلتفح به تحديداً من لا يملكون، يقود هؤلاء إلى التعبير عن انتظاراتهم ومطالبهم الملحة، وإلى ممارسة الاحتجاج أي الرَّد على العنف الرسمي بعنف مضاد. وكلما تعارضت المصالح أكثر وتعالت صيغ الاضطهاد والغبن تولَّد مناخا يقوي من إمكانات الاحتقان والتوتر، فالتمرُّد مثلاً «لا يمكن تصوره بمعزل عن السلطة التي يتمرَّد عليها والتي تعمل دوماً على قهره»[30]، فلا يمكن النظر موضوعيًّا إلى الحركة الاحتجاجية بعيداً عن مناخات وشروط إنتاجها، فالسياق كفيل دائماً بإنتاج المعنى، والسياق المنتج للاحتجاج يقود حتماً نحو ترجيح إحدى كفتي الإخفاق أو النجاح.

إن أي سلوك مهما بدا سويًّا أو مرضيًّا إلَّا وكان نتاجاً موضوعيًّا للسياق الذي ينشأ فيه، والاحتجاج كممارسة تنطوي على العنف بدرجة ما تنغرس وتتقنن بفعل النظام الاجتماعي[31]، الذي تولد فيه، وهذا الارتباط العضوي هو الذي يفسر حال ومآل الخطاب أو الممارسة، فالواقع أو المستقبل الاحتجاجي يحسم قبلاً عبر جينات البدء والامتداد، ففي ظل هذه التربة الأولية تتحدد معالم السيرورة والصيرورة معاً.

كلما كانت معطيات النسق مائلة إلى مزيد من الضبط والتحكم في التفاصيل، كانت فرص استمرار الاحتجاج ونجاحه محصورة جدًّا، ففي حالة الأنظمة الكليانية يصير من المتعذر أو على الأقل من النادر جدًّا إنجاح الممارسة الاحتجاجية والذهاب بها بعيداً إلى غاية تحقيق الأهداف، فالاحتجاج ممنوع بقوة القهر والقمع، وما على الذين لا يملكون إلَّا انتظار لحظات التراخي والضعف التي تطرأ على مشاريع الضبط لإعلان الرفض وممارسته.

كما أنه في ظل الأنساق التي تشتغل فيها جيداً آليات التطبيع والإدماج والتهميش، يكون الفشل أو التوقف في منتصف الطريق، من نصيب الحركات الاحتجاجية، ففي ظل هذه الأنساق يواجه كل خروج محتمل عن معايير الجماعة وقواعدها بصيغ الاحتواء والتطبيع، التي تنتهي بإدماج المحتجين وتبخيس الصراع معهم، وتحويل مجراه نحو ما لا يتعارض ضديًّا مع مصالح النسق، كما أن هذه الأنساق لا تجد حرجاً في اللجوء إلى تقنيات الفرملة والتهميش في حالات إخفاق عمليات التدجين والاحتواء، فالإقصاء والتهميش تكون له كامل الجدوائية في الانتهاء من شغب عارض أو عنف مضاد ناتج بالضرورة عن عنف سابق عليه.

يبدو من خلال ما سلف ذكره أن مالكي وسائل الإنتاج والإكراه يتعاملون مع السلوك الاحتجاجي بالارتهان دائماً إلى أجهزتهم القمعية أو الأيديولوجية، وبالطبع فنوعية الاحتجاج ودرجته هي التي تحسم الاختيار وتبرر حتمية طلب خدمات الأجهزة القمعية أو الأيديولوجية. فإذا كان الاحتجاج بسيطاً في المنشأ والمقصد والوسيلة، كان اللجوء إلى آليات التطبيع والاحتواء مناسباً، خصوصاً وأن أي نسق، ومهما كانت مرجعيته يحاول دائماً الاقتصاد في طلب خدمات أجهزة عنفه. أما إذا كان الاحتجاج فوق حدود المتوقع ومن الممكن أن يهدد مصالح من يملكون بشكل نسبي أو كلي، فإن استثمار العنف المشروع وغير المشروع يكون المنهج الأقرب بالنسبة لأسياد النسق، في سبيل تحصين وحماية مصالحهم ورساميلهم المادية والرمزية.

إلَّا أنه لا ينبغي بالمرة ردّ الفشل أو النجاح بطريقة قطعية إلى من يتوجَّه إليهم الاحتجاج، فآل الفعل الاحتجاجي مسؤولون بدورهم عن بلوغ الأهداف أو الإخفاق في الوصول إليها، فصلابة الموقف الاحتجاجي وسنده الأيديولوجي وقدرته على التنظيم والاستمرار، كلها عوامل تجعل منه ممارسة نوعية من الممكن أن تتحوَّل إلى حركة اجتماعية منظمة ومؤثرة في مسارات التحول. ذلك أن التنظيم الفعال يمنح للاحتجاج مسافة زمنية مديدة نسبيًّا يتمكن على إثرها المحتجون من إسماع صوتهم، وتأكيد حضورهم في حقل الصراع والتنافس، كما أن السند الفكري يساهم في توضيح الرؤية والمرجعية، وينتقل بالتالي بالحركة الاحتجاجية من الفعل بالصدفة أو بالخطأ إلى الفعل القصدي والاحترافي، وهو ما يُمهِّد لتطورها وتفاعلها مع معطيات النسق، في اتِّجاه التغيير والتجاوز طبعاً.

وبالمقابل، كلما كان الفعل الاحتجاجي مفتقداً لمقومات التنظيم والتماسك ومبتعداً عن مبدأ وضوح الأهداف والإطارات المرجعية، كان التوقُّف في مستهل الطريق أو منتصفه أفقاً محتملاً له، مما يعني أن الإخفاق الاحتجاجي ليس بالضرورة مسألة موضوعية مرتبطة بمدى قوة أسياد النسق وخبراتهم في الاحتواء أو التهميش، ولكنه مسالة ذاتية أيضاً، تتصل بمعطيات القوة أو القصور التي يحوزها الفعل الاحتجاجي. ثمة حضور بارز لعنصرين مفتوحين على الذاتي والموضوعي في الآن ذاته، وهما العنصران اللذان يشتغلان وفق آلية الازدواجية أو آلية الفردية، بمعنى أنهما قد يجتمعان معا في حسم الحال والمآل الاحتجاجي أو أنهما يشتغلان بطريقة فردية بعيداً عن جدل التأثير والتأثر لحسم إمكانات النجاح أو الإخفاق.

لكن ما الذي يجعل من هذه الحركة أو غيرها مستقطبة لمزيد من التأييد الجماهيري؟ وما الذي يجعل الأخرى نخبوية بامتياز؟ فأي الحركات الاحتجاجية تملك درجة عليا من الإقناع والحشد الجماهيري؟ وأيها أكثر تهيؤاً للانمحاء والتراخي؟

هنا يقترح علينا علم النفس الاجتماعي أكثر من جواب لفهم الظاهرة، فأمام تنامي الاحتجاجات ذات البعد الجماهيري، قفزت إلى واجهة النقاش المعرفي وداخل أكثر من مطبخ علمي، أسئلة الانتقال من الاحتجاج بالمفرد على الاحتجاج بصيغة الجمع، وفي شكل انتفاضات وتمرُّدات قد تنتهي بثورات تقطع مع الفائت كليا. وعلى درب هذا التساؤل المعرفي ستظهر مقاربات فرويد وتارد وغوستاف لوبون من خلال كتابه الموسوم بسيكولوجية الجماهير، هذا بالإضافة إلى جان بودريار الذي نحت مفهوم الأغلبية الصامتة، وبول أديلمان الذي أنتج إنسان الجماهير، وسيرج موسكوفتشي الذي انتهى إلى عصر الجماهير.

لقد كانت أكثر الأسئلة التهاباً في ظل هذه المشاريع والمقاربات الفكرية، متصلة بالسلوك الجماهيري، وعلاقة الأفراد والجماعات بالقادة والظروف التي تصنع الواقعة الجماهيرية، والشروط التي تحدّد انبناءها ومآلها، ولهذا بدت انشغالات هذه المباحث العلمية الجديدة أكثر أهمية ليس فقط بالنسبة للمحتجين الذين يرون أنفسهم وسلوكاتهم في مرآتها، ولكن بدرجة أكبر بالنسبة لمسير حقول المجتمع، الذين باتوا في حاجة ماسة إلى التحكم في اندلاق الحركات الجماهيرية، خصوصا مع شيوع الاحتجاج وسهولة انطلاق شراراته حتى من قلب التجمعات التأييدية والرياضية والاحتفائية.

يقول غوستاف لوبون: إن معدلات الانفعال عالية لدى الجماهير، لأنها تكون «مرتهنة في تعاطيها مع النسق ومستجداته إلى كل المحرضات التي تعكس تقلباتها المستمرة، ذلك أن دوافع القوة والهيمنة هي التي تحدّد مساراتها بعيداً عن القصدية»[32]. فحتى الفرد لا يكاد يبين أثناء المد الجماهيري، ثمة عملية محو تحيق بإرادته، ليجد نفسه منساقاً مع ما ينحته الفعل الجماهيري من ممارسات واتِّجاهات. فالتأثير في الجماهير لا يكون إلَّا بتوافر شرط «التأثير على عواطفها اللاواعية»[33].

وبالطبع فمن يقود الحركة الجماهيرية يتوجَّب عليه استثمار هذه المعطيات باحترافية بالغة، فالحركات الجماهيرية مستعدة قبلاً للخضوع لقائد قادر على صناعة المعتقد وتنظيم الفعل وأجرأته واقعيًّا، فعن طريق «التأكيد والتكرار والعدوى والهيبة الشخصية»[34]، يتمكن القائد المفترض من التحكم في الجمهور، لكن هل بمقدور الآخر الذي تتوجَّه إليه احتجاجات الجماهير أو خروجها العفوي، أن يتحكم في مساراتها؟ وهل يمكنه فعلاً تحجيم حركتها وتوجيهها نحو أهداف الشرعنة التكريس؟

إن الحركات الاحتجاجية الجماهيرية تندلع غالباً في لحظات الاختلال والأزمة العالية التوتر، ففي اللحظة التي تتعارض فيها بشكل خانق مصالح المحافظة والتكريس مع رهانات التغيير والتجاوز، ولا تصير عمليات الاحتواء أو التطبيع أو حتى التهميش مفيدة في شيء، حينئذ يكون كل تجمع جماهيري قابلاً لممارسة الاحتجاج، ولو كان التجمع من أجل الاحتفاء، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لجماهير كرة القدم.

والواقع أن الأنساق التي تختزن في حقولها مؤشرات الأزمة، نجدها تستشعر الخطر دائماً من التجمعات الجماهيرية، ولهذا تهرع إلى تطويقها واستعراض عضلاتها الأمنية في وجهها، هذا في أحسن الأحوال، إن لم تكن قد منعت انوجادها ولم ترخص لها منذ البدء.

إن الجماهير المحتجة لا تتحرك في الغالب وفق خطة معدة سلفاً، وحتى إن وجدت هذه الخطة، فإنه لا يتم الانضباط إليها كلية، إنها تتحرك منهجسة بالتجاوز والانتهاء من شروط اللحظة الراهنة، أملاً في صياغة غد مختلف. وعلى طول هذا التحرك، تطفو إلى السطح كل الخبرات المكبوتة بفعل القمع والتهميش، والتي كانت تتحيَّن الفرص للتعبير عن ذاتيتها، لينطلق مسلسل من العنف المضاد بدءاً من ترديد الشعارات «المهذبة» إلى الأخرى النابية فالتخريب وإضرام النار والنهب، وذلك تبعاً لمولدات الاحتجاج وظروف تطوره وأشكال مواجهته من طرف مدبري الحقول المجتمعية.

فالحركة الاحتجاجية ذات البعد الجماهيري تُمهِّد للثورة في حالة النجاح، إنها نقطة البدء في تنفيذ المشروع الثوري، وبغض النظر عن معطيات الفشل والتحجيم الذاتي أو الموضوعي، فإنها تظل من أبلغ من المؤشرات الدالة على الاختلال والأزمة العارمة التي تعتري تفاصيل النسق. كما أنه بمقدورها أن تتحوَّل إلى حركة اجتماعية مستمرة في حالات أخرى من نجاعة التوجيه والاحتواء.

إن ما تم تحصيله في هذا المقام من نقاش حول سيرورة الفعل الاحتجاجي في ظل الأزمة وشرط التوازن، وكذا عبر تتبُّع أقوى لحظاته، ليقود مباشرة إلى طرح سؤال الانتقال من الاحتجاج العفوي إلى الحركة الاجتماعية المستمرة والمؤثرة، فلماذا يتعثر الانتقال إلى هذا المستوى من الفعل في عدد من التجارب الاحتجاجية؟ ولماذا يكون الانتقال مشوها ومعطوباً في ظل تجارب أخرى؟

ربما تنتهي بنا مرافقة وملاحظة الربيع العربي إلى تخمين الجواب المحتمل، فإعمال النظر في الاحتجاج العربي من الأمس إلى اليوم، قد يفيد في مقاربة سؤال الأفق المغلق أو المعطوب.

* نشر في مجلة الكلمة-العدد ( 81 ) خريف 2013/ 1434

...............................................
[1] «تاريخيًّا يعود استخدام مفهوم «الحرمان النسبي» إلى أربعينيات القرن الماضي، وذلك للدلالة على مشاعر الفرد الذي يفتقر إلى مركز ما أو إلى ظروف يعتقد أنه يجب أن تتوفر له، وتتحدَّد المعايير المتعلقة بما يجب أن يكون لديه بالنسبة لما يمتلكه شخص ما أو جماعة أخرى». انظر: تيد روبرت غير، لماذا يتمرَّد البشر؟، مركز الخليج للأبحاث، الطبعة الأولى، 2004، ص219.
[2] المرجع نفسه، ص220.
[3] مجموعة من الباحثين، الحركات الاجتماعية في العالم العربي، القاهرة: مركز البحوث العربية والأفريقية، الطبعة الأولى، 2006، ص302.
[4] مجموعة من الباحثين، الحركات الاجتماعية في العالم العربي، المرجع نفسه، ص303.
[5] Rambaud Placide, Sociologie rurale, Mouton Editeur, paris.1976.p.286.
[6] مجموعة من الباحثين، الحركات الاجتماعية في العالم العربي، مرجع سابق، ص305.
[7]إريك هوبزباوم، عصر الثورة.. أوروبا 1789-1848، ترجمة: فايز الصباغ، تقدي: مصطفى حمارنة، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2001، ص99.
[8] إريك هوبزباوم، عصر الثورة.. أوروبا 1789-1848، المرجع نفسه، ص99.
[9] امحمد مالكي، العنف في العلاقات الدولية: قراءة في تاريخ المفهوم ودلالاته المعاصرة، مجلة الوحدة، السنة الثامنة، الرباط: المجلس القومي للثقافة العربية، العدد 67، أبريل 1990، ص6.
[10] Pierre Cours Salies Et Autres, Les mobilisations collectives: une controverse sociologique, PUF.2003.p.5.
[11] Abdessalam Cheddadi, Penser la crise, Revue Signes du présent, n 5.1989.pp.13-17.dans:
- كمال عبد اللطيف، في حدود الخطاب السياسي القومي: من الأزمة إلى إعادة البناء، كتاب جماعي بعنوان: «في الثقافة والفلسفة: دراسات مهداة للأستاذ أحمد السطاتي»، تنسيق: سالم يفوت، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، رقم 74، الطبعة الأولى، الرباط، 1997، ص21.
[12] كمال عبد اللطيف، في حدود الخطاب السياسي القومي: من الأزمة إلى إعادة البناء، كتاب جماعي بعنوان: «في الثقافة والفلسفة: دراسات مهداة للأستاذ أحمد السطاتي». المرجع نفسه، ص.22.
[13] امحمد مالكي، العنف في العلاقات الدولية: قراءة في تاريخ المفهوم ودلالاته المعاصرة، مرجع سابق، ص6.
[14] هـ. دكمجيان، الأصولية في الوطن العربي، ترجمة: عبد الوارد سعيد، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ص24. ورد في: محمد ضريف، الحركة الإسلامية: النشأة والتطور، الرباط: منشورات الزمن، الكتاب رقم 3، الطبعة الأولى، يونيو 1999، ص27.
[15] André Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie, PUF, paris, 2eme édition, 1992.p.138.
[16] أحمد شرف، الانتفاضة الفلسطينية: مفهومها وطبيعتها، مجلة الوحدة، السنة الثامنة، الرباط: المجلس القومي للثقافة العربية، العدد 87، دجنبر 1991، ص6.
[17] عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الشباب المغربي: جدل الإدماج والتهميش، الرباط: طوب بريس، 2004، ص50.
[18] كارل ماركس وفريديريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي 1848، في: ج تيمونز روبيرتس وأيمي هايت، من الحداثة إلى العولمة: رؤى ووجهات نظر في قضية التطور والتغيير الاجتماعي، ترجمة: سمر الشيشكلي، مراجعة: محمود ماجد عمر، الجزء الأول، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 309، الطبعة الأولى، نونبر 2004، ص46.
[19] كارل ماركس وفريديريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي 1848، في: ج تيمونز روبيرتس وأيمي هايت، من الحداثة إلى العولمة: رؤى ووجهات نظر في قضية التطور والتغيير الاجتماعي، المرجع نفسه، ص46.
[20] محمد عابد الجابري، بدلاً من صدام الحضارات.. توازن المصالح، كتاب جماعي بعنوان: «في الثقافة والفلسفة: دراسات مهداة للأستاذ أحمد السطاتي»، مرجع سابق، ص17.
[21] محمد عابد الجابري، المرجع نفسه، ص19.
[22] عبد الإله بلقزيز، العنف والديموقراطية، الرباط: منشورات الزمن، الكتاب رقم 2، الطبعة الأولى، يونيو 1999.ص.10.
[23] جان كاردونيل، الإيمان والثورة، ترجمة: أيوب المرابط، مجلة اختلاف، العددان الثالث والرابع، السنة الأولى، دجنبر مارس 1992، ص35.
[24] نديم البيطار، التجربة الثورية بين المثال والواقع، الرباط: منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، سلسلة ثقافتنا القومية، رقم 2، الطبعة الأولى، 1989، ص23.
[25] حسنين توفيق إبراهيم، كيف نفهم ما حدث في الجزائر، مجلة اليقظة العربية، السنة الخامسة، العدد الخامس، ماي 1989، ص29-30.
[26] فاروق القاضي، آفاق التمرُّد: قراءة نقدية في التاريخ الأوروبي والعربي الإسلامي، مرجع سابق، ص11.
[27] فاروق القاضي، المرجع نفسه، ص140.
[28] إريك هوبزباوم، عصر الثورة.. أوروبا 1789-1848، مرجع سابق، ص37.
[29] تيد روبرت غير، لماذا يتمرَّد البشر؟، مرجع سابق، ص264.
[30] رونالد أرونسون، كامي وسارتر، ترجمة: شوقي جلال، الكويت: سلسة عالم المعرفة، الطبعة الأولى، عدد 334، دجنبر 2006، ص156.
[31] رونالد أرونسون، كامي وسارتر، المرجع نفسه، ص175.
[32] غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، مرجع سابق، ص 23.
[33] المرجع نفسه، ص55.
[34] المرجع نفسه، ص76.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0