من بين الامور التي لم يولها اهمية كبيرة اغلب ساسة العراق في العقود المنصرمة، هو حساسية موقع العراق واهميته الجيوسياسية بالنسبة للدول الكبرى وما تقتضيه مصالحها في منطقة الشرق الاوسط.

العراق قبل العام 1958 كان يدور في الفلك الغربي منذ احتلال بريطانيا للمنطقة مطلع القرن الماضي، وقد استقر نسبيا، نتيجة ذلك، لكن واقع الناس المعاشي لم يكن متناسبا مع حجم ثروات البلاد الكبيرة، فحصل التغيير الدراماتيكي في 14 تموز ليجد العراق نفسه امام مفترق طرق، حيث العالم في تلك المرحلة يعيش الحرب الباردة بين المعسكرين، الاشتراكي والرأسمالي، وفي العموم، ولأسباب كثيرة، مال الحكم في العراق لصالح المعسكر الاشتراكي، من دون ان يحسب حساب محيطه الجغرافي.

فالعراق محاط بثلاث كتل كبيرة، تركيا وايران والسعودية ومعها امارات الخليج العربي، وهذه لها علاقات راسخة مع المعسكر الغربي وقتذاك، الامر الذي جعل علاقاته بهذا المحيط غير مستقرة وافرزت مشاكل عدة دفع ثمنها عبر عقود من الزمن حتى وصلنا الى ما وصلنا اليه في العام 2003 الذي كان معطى لتراكمات سياسية طويلة.

العراق اليوم في واقع سياسي مختلف عما كان عليه قبل عقود، والعالم اليوم تغير ايضا، اذ لم تعد هناك حرب باردة بأقنعة عقائدية، لكن لعبة المصالح بقيت ثابتة، وينبغي التعامل معها بموضوعية.

حساسية موقع العراق واهميته بالنسبة لأميركا والغرب، تدعو صانع القرار العراقي الى التعامل بواقعية، وان لايذهب بعيدا وراء قناعات ثقافية ذاتية تتجاهل ضرورة الممازجة بين المصالح الوطنية ومصالح القوى الكبرى، بما يعزز ويرسخ المصالح الوطنية وليس التفريط بها ابدا.

في المقابل، معاداة اية دولة اقليمية يعني صناعة عائق امام الاستقرار المحلي، مثلما تجاهل حقيقة اننا في بيئة سياسية حساسة بالنسبة للقوى الكبرى، يعني وضع البلاد في دائرة الاستهداف الستراتيجي، وخلق مشاكل متوالدة لانستطيع تحملها، وعليه يجب ان يضع اصحاب الحكمة والرأي ستراتيجية سياسية جديدة للدولة تستحضر هذه الحقائق، لاسيما بعد الانتخابات الاخيرة، لكي لاتخضع الدولة ومصالح الشعب مستقبلا لمزاج اي حكومة تتبنى ثقافة معينة ولكي نتجنب المنزلقات الخطيرة مستقبلا.

العراقيون يريدون اليوم السلام، ويريدون الخدمات الاساسية التي تكاد تكون معدومة، ويريدون التفاعل الايجابي مع محيطهم الانساني كله، بما يحقق لهم الاستقرار، اكثر من حاجتهم للثأر من اية جهة، حتى اذا كانت سابقا قد اخطأت وتريد ان تصحح مسار علاقاتها معنا، او نحن اكتشفنا السبيل الصحيح للوصول اليها وبدء علاقة ايجابية معها، لا فرق، المهم ان الهدف الذي يطمح اليه الشعب يتحقق، ونتجاوز عقد الماضي، التي تريدها جهات معينة، وسيلة لتحقيق اهداف سياسية باستخدامها ثقافة الثأر والاشتغال عليها اعلاميا اليوم، لتوظيفها في التداول السلمية للسلطة. وربما نحن نستخدم وسيلة لثأر دول الاقليم او غيرها ضد بعضها البعض وعلى ارضنا وبابنائنا، لان الثأر يبقى غريزة ومن الصعب التخلص منها. لكن العالم عرف كيف يسربها بطرق حضارية، كإن تثأر دولة منتجة للالكترونيات من دولة اخرى منافسة، بانتاج جيل اكثر تطورا لتجعل بضاعتها بائرة في الاسواق! او تطور البلدان فرقها الرياضية لتثأر من بعضها بالفوز عليها في ميادين الجمال والمتعة هذه، بدلا من ميادين الموت والقتل. اليس هذا الاسلوب افضل واجدى للثأر من الاخرين بدلا من الاساليب التي يراد لنا ان نتبعها في اخذ ثأراتنا القديمة، التي يراد لنا ان نبقى عالقين فيها؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق