شهر رمضان فرصة كبرى لنهضة الأمة الإسلامية على كل المستويات ليس الروحية والمعنوية فقط بل المادية والعمرانية والحضارية أيضاً، فهو يرفع كل النواحي الإيجابية فيها ويخفض كل النواحي السلبية أيضاً فيجب أن نعرف ذلك ونستغله على أكمل وجه لتنهض الأمة من كبوتها وتجعل من هذا الشهر شهر إخلاص...

مقدمة تربوية

شهر رمضان موسماً نورانياً ودورة تربوية تعيد الإنسان إلى إنسانيته، وتعيده إلى واقعه سواء على المستوى الشخصي حيث يشعر بضعفه وحاجته مهما كان وأينما كان، لأن الصيام يؤثر عليه ويذكره بالنعم الربانية عليه وحاجته إليها في كل لحظة ولولاها لما بقي على قيد الحياة، أو على المستوى الاجتماعي فإنه يذكره بإنسانيته فيُرجعه إلى الرحمة والتعاطف والتسامح مع بني جنسه ويستشعر بالمسؤولية تجاه الطبقات الفقرة الهشَّة في المجتمع التي قد ينساها أو يتجاهلها أو لا يلتفت غليها في بقية أيام السنة، فيأتي شهر رمضان الكريم ليقول: إن الجميع بشر يساقون بقانون العدل الرباني، فالكل سواء أمام الصيام إلا لأصحاب الأعذار، وهنا يشعر الجميع بالمساواة وتنتفي الطبقات والسلطات فالكل فيها شرع سواء كالموت الذي يساوي بين الجميع.

فما أعظمه من دورة تربوية عالية للبشر إذا التزموا به سعدوا جميعاً، وعاشوا شهراً في كل عام ينقون فيه أجسامهم من الزوائد والشحوم والتراكمات السَّامة فتنتعش أجسادهم وتصلح أجسامهم ولذ قال رسول الله (ص): (صُومُوا تَصِحُّوا)، فالصوم صحة وعافية وسلامة للأبدان البشرية بكل تأكيد وهذا ما أثبتته أقوال كل الأطباء.

وكذلك هم ينقون قلوبهم وأنفسهم من تلك الأمراض القلبية والنفسية بصقل نفس الإنسان بأنواع القيم النفسية، والروحية التي تجعلهم أكثر إنسانية في حياتهم وواقعهم، لأن الأمراض القلبية تعكر صفو حياتهم كالغل والحقد والحسد والضغينة والوساوس الشيطانية التي تنغر قلب الإنسان وتعكر صفة روحه ونفسه في حياته، فيأتي شهر الله المبارك لينقيه كم كل الأدران والأوساخ الروحية ويعود إلى إنسانية السليمة إذا أحسن صحبة هذا الشهر الكريم والتزم بما فيه من برامج تربوية وتأهيلية روحية ونفسية وجسدية أيضاً.

شهر رمضان هو شهر القرآن 

في شهر رمضان المبارك أنزل الله القرآن حيث قال سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة/185).

ولذا أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في آدابِ شَهرِ رَمَضانَ: (أكثِروا فيهِ مِن تِلاوَةِ القُرآنِ). 

وأما سيدنا الإمام الباقر (عليه السلام) فقال: (لِكُلِّ شَيءٍ رَبيعٌ، ورَبيعُ القُرآنِ شَهرُ رَمَضانَ).

ويرشدنا ويتعلمنا الإمام الصادق (ع) أصول التلاوة الرمضانية ففي الكافي عن عليّ بن أبي حمزة: دَخَلتُ عَلى أبي عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) فَقالَ لَهُ أبو بَصيرٍ: جُعِلتُ فِداكَ! أقرَأُ القُرآنَ في شَهرِ رَمَضانَ في لَيلَةٍ؟ فَقالَ: «لا»، قالَ: فَفي لَيلَتَينِ؟ قالَ: «لا»، قالَ: فَفي ثَلاثٍ؟ قالَ: «ها»- وأشارَ بِيَدِه-، ثُمَّ قالَ: (يا أبا مُحَمَّدٍ، إنَّ لِرَمَضانَ حَقّاً وحُرمَةً لا يُشبِهُهُ شَيءٌ مِنَ الشُّهورِ، وكانَ أصحابُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) يَقرَأُ أحَدُهُمُ القُرآنَ في شَهرٍ أو أقَلَّ؛ إنَّ القُرآنَ لا يُقرَأُ هَذرَمَةً ولكِن يُرَتَّلُ تَرتيلاً، فَإِذا مَرَرتَ بِآيَةٍ فيها ذِكرُ الجَنَّةِ فَقِف عِندَها وسَلِ اللّهَ عز وجل الجَنَّةَ، وإذا مَرَرتَ بِآيَةٍ فيها ذِكرُ النّارِ فَقِف عِندَها وتَعَوَّذ بِاللّهِ مِنَ النّارِ). (الكافي: ج۲ ص6۱۷)

ولذا علينا أن نملئ أوقات هذا الشهر الكريم كلها بتلاوة القرآن الحكيم، والتدبُّر فيها وذلك ما أمرنا به إمامنا صادق آل محمد (ص) بقوله: (فَغُرَّةُ اَلشُّهُورِ شَهْرُ اَللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَلْبُ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ، وَنَزَلَ اَلْقُرْآنُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَاسْتَقْبِلِ اَلشَّهْرَ بِالْقُرْآنِ). (الکافي: ج4 ص65)

شهر رمضان يعيد الأمة إلى القرآن

الأمة الإسلامية -بما فيها الإيمانية- قد هجرت القرآن الحكيم منذ زمن الصحابة الذين نادوا بالقرآن فقط ورفضوا العترة الطاهرة كقرين ملازم له لتفسيره وتأويله لها، وهذا ما جاء في شكوى الرسول الأكرم في القرآن نفسه حيث يقول: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان/30)، فهجروا القرآن في واقعهم لأنهم جاهلون في تفسيره وتعاقبت الأجيل وترسَّخ وزاد الهجر لأنهم كانوا يجهلون التفسير والتأويل فصار القرآن الحكيم يحفظ في البيوت للبركة حيث يعلَّق على الجدران للحفظ، وفي المجتمع صار للأموات والاحتفالات لأنهم لا يقرؤون فيه إلا على الأموات، أو يفتتحون به المؤتمرات والاحتفالات الرسمية، فصار قرآن الحياة كلها كتاباً للأموات والبركة والزينة.

ولكن عندما يأتي شهر رمضان الكريم فإنهم يحرصون جميعاً على تلاوة القرآن في البيوت والمساجد والمحافل ويحاولون ختمته لا أقل من ختمة واحدة ويهدونها إلى أمواتهم، رغم أن العام الأغلب من الأمة لا يقرؤون القرآن إلا في شهر رمضان، وهذه ميزة حقيقية وواقعية الجميع يلاحظها في جميع البلدان الإسلامية بأن هذا الشهر الكريم عندما يحضر فإن القرآن يحضر في كل البيوت والمساجد، وكأن القرآن ارتبط مع شهر رمضان لتلاوته وتفسيره ودراسته والجميع يتسابق من أجل ختمته.

فلماذا يا أمة الخير والهدى تركت دستورك وكتاب الهداية فيك طيلة أحد عشر شهراً من السنة وعكفت عليه في شهر واحد منها فقط وكان الجدير أو الأجدر أن يكون القرآن الحكيم حاضراً في كل يوم بل في كل لحظة من أيامك، وهذا الإمام الصادق (ع) يقول: (اَلْقُرْآنُ عَهْدُ اَللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ فَقَدْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ اَلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْظُرَ فِي عَهْدِهِ، وَأَنْ يَقْرَأَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسِينَ آيَةً) (الکافي: ج۲ ص6۰۹)، فلا ينبغي لنا هجر هذا النور العظيم، بل علينا ملازمته وتلاوته بتدبر وتفكر وبحث فيه عن حلول مشاكلنا لأنه رفع أهل الجاهلية من أسفل سافلين إلى أرقى القمم وبنا لهم حضارة راقية مازالت مثار تعجب بين الأمم والشعوب المتحضِّرة.

الجهاد بالقرآن الحكيم

هذا النوع من الجهاد علينا أن نعرفه ونرجع إليه ونحييه في الأمة الإسلامية التي طالما حصر الجهاد في الأكبر لتزكية النفس، والأصغر للعدو، ويبقى الجهاد الكبير الذي قال الله عنه: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان/52)، وهذا أمر رباني لنا جميعاً بأن لا نطيع الكافرين في شيء من أمورنا، بل علينا أن نجاهدهم بالقرآن الحكيم فكرياً وعقائدياً وثقافياً فما أعظمه من جهاد كبير يشمل جميع نواحي الحياة الإنسانية الروحية والمعنوية والتربوية والأخلاقية، فأين نحن من أخلاق القرآن الإلهية وتربيته الوحيانية؟ 

فالقرآن كتاب حياة كاملة وفاضلة وليس كتاب تبرُّك وأموات وزينة وتفاخر في المجالس وتحسين للأصوات في التجويد والتلاوات، فهو كما قال تماماً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/24)، فدعوة الله ورسوله لهذه الأمة هي للحياة السعيدة، والفاضلة بكل معنى الكلمة.

التربية المعنوية والروحية

وشهر رمضان هو شهر النور والقرآن ولذا فيه برنامجاً تربوياً راقياً جداً يربي الإنسان ويصقل روحه ويرفع معنويته بشكل عجيب، حيث نجد الصائم في عبادة مستمرة من الخيط الأبيض من الفجر حتى الخيط الأسود من الليل، ولكن في كل لحظة له عمل روحي ومعنوي وعبادي خاص حتى تشعر أنه لا يوجد فراغ في أيام وليالي شهر رمضان المبارك، فلكل وقت دعاءه، وأو تسبيحه، أو استغفاره، أو تلاوة آيات القرآن فيه، فهو كما وصفه الرسول الأكرم في الخطبة المعروفة باستقبال شهر رمضان: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ شَهْرُ اَللَّهِ بِالْبَرَكَةِ وَاَلرَّحْمَةِ وَاَلْمَغْفِرَةِ شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ اَللَّهِ أَفْضَلُ اَلشُّهُورِ وَأَيَّامُهُ أَفْضَلُ اَلْأَيَّامِ وَلَيَالِيهِ أَفْضَلُ اَللَّيَالِي وَسَاعَاتُهُ أَفْضَلُ اَلسَّاعَاتِ وَهُوَ شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اَللَّهِ، وَجُعِلْتُمْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ كَرَامَةِ اَللَّهِ؛ أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ، وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ، وَدُعَاؤُكُمْ فِيهِ مُسْتَجَابٌ)، حقيقة عجيب أمر هذا الشهر الكريم، والأعجب أمر هذا الإنسان الذي يغفل عن هذه الضَّيافة الرَّبانية، وهذه المائدة السماوية فيلهو ويلعب ويقضي أيامه بالنوم ولياليه باللهو والباطل.

فما أشقى مَنْ يُحرم غفران الله في هذا الشهر الكريم؟ لأن الله سبحانه ترك الإنسان ورأيه واختياره لأنه فتح له أبواب الخير على مصراعيها، وأغلق عنه أبواب الشر كلها، وصفَّد وغلَّ الشياطين حتى يبقى الإنسان ونفسه ليغالبها فهل تغلبه النفس الأمارة، أو النفس اللوامة، وهل يصل إلى النفس المطمئنة في آخر هذا الشهر ليدخل ويكون من أهل العيد حقاً حيث يقال له استأنف العمل فقد غفر الله لك وعدت كيوم ولدتك أمك، ورسول الله (ص) يقول في خطبته: (أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ أَبْوَابَ اَلْجِنَانِ فِي هَذَا اَلشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لاَ يُغَلِّقَهَا عَلَيْكُمْ وَ أَبْوَابَ اَلنِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لاَ يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ وَ اَلشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لاَ يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ)، فأنت وما تختار أيها الإنسان.

نهضة الأمة في شهر رمضان 

شهر رمضان فرصة كبرى لنهضة الأمة الإسلامية على كل المستويات ليس الروحية والمعنوية فقط بل المادية والعمرانية والحضارية أيضاً، فهو يرفع كل النواحي الإيجابية فيها ويخفض كل النواحي السلبية أيضاً فيجب أن نعرف ذلك ونستغله على أكمل وجه لتنهض الأمة من كبوتها وتجعل من هذا الشهر شهر إخلاص وعمل وجهاد على كل المستويات وفي كل المجالات لأنه في أول سنة فرضه الله على المسلمين خرجوا وقاتلوا في معركة بدر الكبر فانتصروا وأسسوا ورسَّخوا أساس هذه الحضارة الراقية إلى اليوم وستبقى بإذن الله تعالى إلى آخر يوم من عمر الدنيا متألقة وناهضة بقرآنها ورمضانها المبارك.

يقول الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (رحمه الله) في احتفالات الأمة في شهر رمضان: " إنَّ إحياء شهر رمضان، ليس بمجرد الأدعية والتراتيل.. لا بإقامة معنوياته فحسب، فإنّ شهر رمضان، شهر يحاول تطوير حياة المسلمين جميعهم، وجميع المسلمين ليسوا في مستوى المعنويات، حتى يتأثروا بها، وإنما هم في مستوى المظاهر، ويكون تأثرهم بموكب الهلال أكثر من تأثرهم بألف دعاء وتلاوة، فلا بدَّ من إقامة شهر رمضان، بكافة قشوره ولبابه، وشكلياته ومعنوياته، حتى يطوّر حياة الفقيه والسَّفيه، والشيخ والطفل، على نسق واحد، بالإضافة إلى أنّ اللباب لا يعيش بلا قشور، أو ليس في الحديث: (ذَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَفِيهٌ يَعْضُدُهُ). (بحار الأنوار: ج۷۵ ص۱۵۹).

اضف تعليق