لماذا يندفع الناس إلى شراء السلع عند أول إشاعة عن ارتفاع الأسعار؟ ولماذا تتحول أسعار الدولار إلى حديث يومي في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تتحول إلى مناسبة للنقاش حول الإنتاج والاستثمار؟ ولماذا ينشغل كثيرون بالبحث عن وظيفة حكومية، فيما يتراجع الحديث عن خلق الفرص والمبادرات والمشاريع؟...
لماذا يندفع الناس إلى شراء السلع عند أول إشاعة عن ارتفاع الأسعار؟ ولماذا تتحول أسعار الدولار إلى حديث يومي في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تتحول إلى مناسبة للنقاش حول الإنتاج والاستثمار؟ ولماذا ينشغل كثيرون بالبحث عن وظيفة حكومية، فيما يتراجع الحديث عن خلق الفرص والمبادرات والمشاريع؟
هذه الأسئلة تبدو متفرقة للوهلة الأولى، لكنها تقود إلى سؤال أعمق وأكثر أهمية: كيف نفكر اقتصادياً؟
في الواقع، لا يتعلق الأمر بحجم المعلومات التي نمتلكها عن الأسواق أو أسعار العملات أو المؤشرات المالية، وإنما بطريقة فهمنا للعلاقة بين العمل والإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار. فالمجتمعات التي تحقق تقدماً اقتصادياً مستداماً لا تبدأ رحلتها من الموازنات العامة أو المشاريع الكبرى فقط، وإنما تبدأ من بناء وعي اقتصادي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأفراد.
ومن هنا تبرز قضية الثقافة الاقتصادية بوصفها إحدى القضايا الأكثر تأثيراً في مستقبل الدول والمجتمعات. فالثروة وحدها لا تصنع التنمية، والموارد الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى ازدهار، لأن العامل الحاسم يبقى الإنسان القادر على التفكير اقتصادياً، واتخاذ قراراته على أساس الفهم والتخطيط والمسؤولية.
في العراق، كما في كثير من الدول النامية، يدور الحديث غالباً حول الموازنات العامة وأسعار النفط والإنفاق الحكومي والبطالة والاستثمارات، بينما يقل الحديث عن الحلقة الأهم في هذه المعادلة: الإنسان نفسه. فالاقتصاد القوي لا يُبنى بالمشروعات والسياسات وحدها، وإنما يُبنى أيضاً بمواطن يمتلك وعياً اقتصادياً ينعكس على سلوكه وخياراته اليومية.
فحين يقرر شخص إنفاق دخله بالكامل خلال أيام قليلة، أو عندما تتحول الرغبات الاستهلاكية إلى أولويات تتقدم على الحاجات الأساسية، أو حين يصبح الادخار سلوكاً نادراً والتخطيط للمستقبل أمراً مؤجلاً، فإن القضية لا تتعلق بقرارات فردية معزولة، بل تكشف عن نمط تفكير اقتصادي يحتاج إلى مراجعة وإعادة بناء.
ولذلك فإن الثقافة الاقتصادية ليست علماً نخبوياً محصوراً في الجامعات أو المؤسسات المالية، بل هي جزء من الثقافة العامة التي يحتاجها كل فرد. إنها القدرة على فهم العلاقة بين الموارد والحاجات، وبين الدخل والإنفاق، وبين الحاضر والمستقبل. وهي أيضاً القدرة على إدراك أن المال ليس غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لإدارة الحياة بصورة أكثر توازناً واستقراراً.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن قوة الاقتصادات لا ترتبط دائماً بحجم الموارد الطبيعية. فاليابان، على سبيل المثال، لم تصبح قوة اقتصادية عالمية بسبب وفرة النفط أو الثروات الطبيعية، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان والمعرفة والانضباط والعمل والإنتاج. لقد نجحت في بناء مواطن يفكر بطريقة اقتصادية، ويؤمن بأن القيمة الحقيقية تكمن في الإنتاج والكفاءة والابتكار.
وفي المقابل، تمتلك دول عديدة موارد هائلة وإمكانات مالية كبيرة، لكنها ما زالت تواجه تحديات تنموية واقتصادية مستمرة. والسبب أن الثروة وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد متين إذا لم تتوافر ثقافة مجتمعية قادرة على إدارة تلك الثروة وتحويلها إلى فرص تنمية مستدامة.
إن المواطن المثقف اقتصادياً ليس بالضرورة خبيراً في البورصات والأسواق العالمية، وإنما هو الشخص الذي يعرف كيف يوازن بين دخله وإنفاقه، ويدرك أهمية الادخار والاستثمار، ويفهم أن الإنتاج هو الأساس الذي تُبنى عليه الاقتصادات القوية. وهو أيضاً الشخص الذي ينظر إلى العمل بوصفه قيمة اجتماعية وإنسانية واقتصادية، لا مجرد وسيلة للحصول على راتب في نهاية الشهر.
ومن هنا تبرز أهمية المدرسة والأسرة والإعلام في صناعة هذا النوع من الوعي. فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى قيمة العمل والادخار وتحمل المسؤولية المالية، ينشأ وهو يمتلك أدوات أفضل لاتخاذ قراراته الاقتصادية في المستقبل. كما أن المناهج التعليمية التي تربط المعرفة النظرية بالواقع الاقتصادي تسهم في إعداد أجيال أكثر قدرة على فهم التحديات والفرص التي تواجه مجتمعاتها.
أما الإعلام، فلا يقتصر دوره على نقل الأخبار الاقتصادية اليومية، بل يمتد إلى نشر الثقافة الاقتصادية وتبسيط مفاهيمها وربطها بالحياة العامة. فالمجتمع الذي يفهم اقتصاده يكون أكثر قدرة على دعم القرارات التنموية الصحيحة، وأكثر وعياً بمخاطر الهدر والاستهلاك غير المنتج.
كذلك فإن النخب الثقافية والفكرية مطالبة بأن تنظر إلى الاقتصاد بوصفه جزءاً من مشروع التنمية الشامل. فالثقافة والاقتصاد ليسا عالمين منفصلين، بل يؤثر كل منهما في الآخر بصورة مباشرة. والمجتمعات التي تنجح في بناء وعي اقتصادي راسخ هي نفسها المجتمعات التي تنجح في بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقراراً.
إن بناء مواطن يفكر اقتصادياً لا يعني تحويل الإنسان إلى آلة حسابية تحسب الأرباح والخسائر فقط، بل يعني بناء عقل قادر على اتخاذ قرارات رشيدة، وفهم الأولويات، والتفكير بالمستقبل، وتحمل المسؤولية تجاه ذاته وأسرته ومجتمعه. فالوعي الاقتصادي في جوهره جزء من الوعي الحضاري الذي تحتاجه الأمم لتحقيق التقدم والاستقرار.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو كم نملك من الموارد والثروات، بل كيف نفكر في إدارتها واستثمارها. فالدول تُبنى بالإنسان قبل أن تُبنى بالموازنات، والاقتصادات تزدهر بالعقول قبل أن تزدهر بالأموال. وحين ينجح المجتمع في صناعة مواطن يفكر اقتصادياً، فإنه لا يضع أساساً لاقتصاد أكثر قوة فحسب، بل يؤسس أيضاً لمستقبل أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات وصناعة الفرص.



اضف تعليق