لا تحسم حرب الاستنزاف بمن يعاني أكثر، بل بمن يستطيع فصل معاناة خصمه عن كلفة يتحملها هو. الولايات المتحدة قادرة على إفقار إيران، لكنها لا تستطيع خنق نفطها من دون المخاطرة بارتفاع النفط العالمي. وإيران قادرة على تعطيل هرمز، لكنها لا تستطيع فعل ذلك من دون خنق تجارتها وتعميق أزمتها...
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تدور حول البرنامج النووي وحده، كما لم تعد القوة العسكرية أداتها الحاسمة الوحيدة. فبعد قرابة ستة أشهر من المواجهة، برز الاقتصاد بوصفه الجبهة الأكثر تأثيرًا في حسابات الطرفين؛ إذ تحاول واشنطن خنق الموارد الإيرانية وعزل طهران عن التجارة والتمويل، بينما تستخدم إيران موقعها في مضيق هرمز لتقييد تدفقات النفط ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي.
وتكشف التصريحات الأمريكية الأخيرة عن تحول لافت في ترتيب الأولويات. فقد أعلن نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس أن الهدف الأول في المرحلة الحالية هو الحفاظ على أسعار منخفضة للنفط والغاز داخل الولايات المتحدة وإعادة تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما أصبح منع إيران من امتلاك سلاح نووي الهدف الثاني. ولا يعني ذلك تراجع أهمية الملف النووي، لكنه يوضح أن واشنطن اكتشفت أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج أزمة اقتصادية داخلية قد تصبح أكثر إلحاحًا من الهدف الأمني الذي بدأت المواجهة باسمه.
هكذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف اقتصادي ذات اتجاهين: تمتلك الولايات المتحدة الأدوات الأقوى لإضعاف إيران، لكن طهران تستطيع تحويل الجغرافيا والطاقة والملاحة إلى وسائل لنقل جزء من الخسائر إلى خصومها. ولذلك لا يتعلق السؤال فقط بمن يتضرر أكثر، فالإجابة الواضحة هي أن الاقتصاد الإيراني يتحمل الضرر الأعمق، وإنما بمن يستطيع تحمل الضرر مدة أطول، ومن ينجح في تحويل ألم خصمه إلى تنازل سياسي قبل أن يضطر هو إلى تعديل أهدافه.
عودة السلاح الاقتصادي القديم
يبدو تحول إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو تشديد الضغط الاقتصادي عودة إلى سياسة سبق أن اتبعها خلال ولايته الأولى، عندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي وأعاد فرض العقوبات على إيران ووسّعها، ولا سيما في قطاع النفط. غير أن النسخة الجديدة من هذه السياسة تختلف في أنها تأتي في ظل حرب مفتوحة وحصار بحري واضطراب واسع في أسواق الطاقة، وليس في إطار مواجهة دبلوماسية محدودة.
وكان ترامب قد أعلن أنه اختار التعامل «بهدوء» مع إيران، مفضلًا في المرحلة الحالية مراقبة آثار الضغط الاقتصادي بدل الاندفاع إلى حملة عسكرية جديدة. كما أشار إلى أن واشنطن تراهن على التضخم ونقص الموارد وعجز طهران عن تصدير النفط بحرية، وشبّه الحصار المفروض على موانئها بـ«الجدار الفولاذي». وتزامن ذلك مع تقليصه من احتمالات تحقيق اختراق دبلوماسي سريع، بعد حديث متناقض عن مفاوضات محدودة نفت طهران وجودها.
ويعكس هذا التحول عاملين متداخلين، الأول هو الاعتقاد الأمريكي بأن الاقتصاد الإيراني وصل إلى درجة من الضعف تجعل العقوبات أكثر قدرة على إنتاج تنازلات من الضربات العسكرية. أما الثاني فهو ارتفاع كلفة الخيارات العسكرية، وسط تقارير عن استنزاف جزء من مخزونات الذخائر الأمريكية، ولا سيما الصواريخ الاعتراضية الباهظة المستخدمة في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. ولذلك قد لا يكون الانتقال إلى الضغط الاقتصادي مجرد تصعيد في أداة أخرى، بل محاولة لإدارة الحرب بكلفة عسكرية وسياسية أقل.
غير أن طهران تقدم قراءة معاكسة؛ إذ تعتبر العودة إلى العقوبات دليلًا على محدودية ما حققته القوة العسكرية، وترى أن واشنطن تعيد استخدام أداة جُربت طوال عقود ولم تنجح في تغيير خيارات إيران الأساسية. ووفق هذا المنظور، لا يمثّل تشديد العقوبات تقدمًا أمريكيًا، بل تراجعًا من محاولة فرض النتائج بالقوة إلى انتظار أن يفعل الانهيار الاقتصادي ما لم تحققه الحرب.
خيارات ترامب لتوجيه ضربة قاصمة
تكشف أحدث مراجعة لرويترز أن إدارة ترامب لا تبدأ من نقطة الصفر، فقد فرضت منذ عودته إلى الرئاسة عقوبات على أكثر من ألف شخص وسفينة وطائرة، ووسّعت الإجراءات البحرية والمالية وتلك المرتبطة بالطاقة. كما استهدفت «أسطول الظل» المستخدم في نقل النفط الإيراني، وشركات التأمين والوسطاء والجهات التي تساعد إيران على شراء الأسلحة، فضلًا عن منصات العملات الرقمية، مع تجميد أصول رقمية مرتبطة بإيران تُقدّر قيمتها بنحو 500 مليار دولار.
لكن تشديد الضغط يتطلب الانتقال من ملاحقة الكيانات الصغيرة إلى استهداف العقد الأكبر التي تسمح للاقتصاد الإيراني بالحصول على العملات الأجنبية واستيراد احتياجاته. وتبرز أمام واشنطن عدة خيارات، لكل منها أثر اقتصادي ومخاطر سياسية.
أول هذه الخيارات توسيع العقوبات على المصافي الصينية المستقلة المعروفة بالمصافي الصغيرة، والتي تستوعب جانبًا مهمًا من النفط الإيراني. فقد اشترت الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا، وفق بيانات عام 2025، ما جعل استمرار صادرات طهران مرتبطًا إلى حد بعيد بقدرة تلك المصافي على شراء الخام المخفض وتحمل مخاطر العقوبات.
ويمكن للعقوبات الأمريكية أن تردع بعض المصافي الكبرى، لكنها أقل تأثيرًا في الشركات الصغيرة ذات الصلة المحدودة بالنظام المالي الأمريكي. فكثير من هذه المنشآت لا تعتمد على الدولار أو الأسواق الغربية بالقدر الذي يجعلها تخشى الحرمان منها، كما تستطيع إيران والصين إنشاء شركات وسيطة جديدة كلما استهدفت واشنطن شبكة قائمة. ولهذا وصف مختصون هذه المقاربة بأنها تشبه ملاحقة أهداف تظهر مجددًا بعد كل ضربة، من دون ضمان تغيير السلوك الإيراني.
أما الخيار الثاني فهو فرض عقوبات ثانوية على مصارف صينية أكبر إذا ثبت مرور الأموال الإيرانية عبرها. ويمكن لهذه الخطوة أن تضيق قنوات الدفع بصورة أشد، لأن المؤسسات المصرفية الكبرى لا تستطيع المجازفة بعلاقتها مع الدولار والسوق الأمريكية. لكنها تحمل خطر تحويل الحرب الاقتصادية مع إيران إلى مواجهة مالية وتجارية مع الصين، وهو ما قد يرفع كلفتها على الولايات المتحدة ويعقّد علاقاتها مع بكين في ملفات التجارة والرسوم والاستثمارات.
ويتمثل الخيار الثالث في فرض رسوم جمركية ثانوية على الدول التي تستمر في التجارة مع إيران، بما يجعل التعامل مع طهران سببًا في خسارة الامتيازات أو تحمل رسوم إضافية عند دخول السوق الأمريكية. ويمنح هذا الخيار واشنطن أداة أوسع من العقوبات التقليدية، لكنه قد يثير خلافات مع دول لا تؤيد السياسة الأمريكية، ويعزز الاتجاه نحو بناء شبكات تجارية ومالية تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة.
أما الخيار الرابع فهو تشديد الحصار البحري ومحاولة خنق التجارة البرية بالتعاون مع الدول المجاورة لإيران. غير أن إغلاق الحدود البرية لدولة كبيرة تحيط بها عدة دول أمر شديد التعقيد، ويتطلب تعاون حكومات تختلف مصالحها وعلاقاتها مع واشنطن وطهران. كما أن الحصار الكامل لا يستهدف النفط وحده، بل يهدد دخول المواد الأولية والغذاء والدواء والمستلزمات الصناعية، ما يرفع الكلفة الإنسانية ويزيد احتمالات تحول الضغط الاقتصادي إلى عقاب جماعي.
لماذا تقدمت أسعار النفط على البرنامج النووي؟
بدأت الحرب تحت عناوين أمنية، في مقدمتها منع إيران من تطوير سلاح نووي، لكن إغلاق مضيق هرمز وتقييد الملاحة أديا إلى اضطراب صادرات دول الخليج وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل في بعض مراحل المواجهة. وعلى الرغم من انخفاض الأسعار لاحقًا إلى نطاق يتراوح بين 80 و86 دولارًا، فإن السوق بقيت شديدة الحساسية لأي هجوم على ناقلة أو تعثر للمفاوضات أو تراجع في حركة السفن.
هذا الواقع أعاد ترتيب أولويات واشنطن؛ إذ أصبح فتح المضيق وضمان تدفق النفط هدفًا مباشرًا يسبق، في الخطاب الأمريكي الراهن، حسم الملف النووي. ولا يرجع ذلك إلى أسعار السوق وحدها، بل إلى اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني، وتنامي مخاوف الجمهوريين من أن تؤدي الحرب غير الشعبية وارتفاع أسعار الوقود إلى خسارتهم الغالبية.
ويدرك البيت الأبيض أن المواطن الأمريكي لا يتابع يوميًا مستويات تخصيب اليورانيوم أو تفاصيل العقوبات المصرفية، لكنه يلمس أثر الحرب مباشرة في محطة الوقود وأسعار الغذاء والنقل والفائدة. لذلك دعا ترامب الأمريكيين إلى تقبل ارتفاع محدود في أسعار البنزين باعتباره ثمنًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، غير أن هذه الدعوة تكشف في الوقت نفسه أن إيران نجحت في نقل جزء من كلفة المواجهة إلى الداخل الأمريكي.
كما سجلت العقود الأمريكية الآجلة للديزل منخفض الكبريت ارتفاعًا يوميًا حادًا بلغ 7.4%، وهو ما يعني أن أثر الحرب لا يتوقف عند البنزين المستخدم في السيارات، بل يمتد إلى الشاحنات والزراعة والصناعة والشحن وسلاسل التوريد. وكلما طال أمد الارتفاع، انتقلت كلفة الوقود إلى السلع والخدمات، وتحولت أزمة الطاقة إلى موجة تضخم يصعب فصلها عن السياسة النقدية والقدرة الشرائية.
وهكذا يظهر التناقض الأساسي في الاستراتيجية الأمريكية: تريد واشنطن وقف الصادرات الإيرانية حتى تحرم طهران من المال، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تدفق أكبر للنفط عبر هرمز حتى تنخفض الأسعار. وكلما شددت الحصار على إيران، ازدادت دوافع طهران لتقييد ملاحة الآخرين، فتحول نجاح الضغط الأمريكي على جانب إلى خسارة في جانب آخر.
هرمز بوصفه قوة إيران المضادة
لا تستطيع إيران الرد على الولايات المتحدة بالمثل في النظام المالي العالمي، لكنها تستطيع توظيف موقعها الجغرافي عند مضيق هرمز لتغيير معادلة القوة. فقبل الحرب كان المضيق أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وتمر عبره صادرات كبيرة من السعودية والعراق والإمارات والكويت وقطر وإيران. ومن ثم لا تحتاج طهران إلى امتلاك اقتصاد أكبر من الاقتصاد الأمريكي؛ إذ يكفي أن تجعل المرور عبر هذه المنطقة أكثر خطورة وكلفة حتى يشعر العالم بتداعيات الحرب.
وتشدد إيران على أن الملاحة لن تعود إلى صورتها السابقة، وأن عبور السفن ينبغي أن يتم عبر مسار محاذٍ لسواحلها وبالتنسيق معها، كما تبحث مع سلطنة عُمان ترتيبات قد تتضمن فرض بدل خدمات على السفن. وفي المقابل ترفض الولايات المتحدة ودول أخرى منح إيران حق التحكم بالممر أو فرض رسوم عليه، وتتمسك بحرية الملاحة من دون قيود.
وتحوّلت هذه الخلافات إلى احتكاكات فعلية بعد استهداف ناقلات في المضيق، من بينها سفينتان تابعتان لشركة بترول أبوظبي الوطنية، فضلًا عن تعرض ناقلة أخرى لهجوم بطائرة مسيّرة. وحتى عندما تكون الأضرار محدودة، فإن أثرها الاقتصادي أكبر من الضرر المادي المباشر؛ لأنها ترفع أقساط التأمين، وتدفع الناقلات إلى الانتظار أو تغيير المسارات، وتجعل شركات الشحن أكثر حذرًا.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية حجم الاضطراب؛ إذ انخفضت تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر مضيق هرمز من نحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين فقط في الربع الثاني من 2026. كما أدت القيود إلى إغلاق جزء من الإنتاج الخليجي بسبب صعوبة التصدير وامتلاء مرافق التخزين.
بهذا المعنى، يمثل هرمز وسيلة إيران الأساسية لتدويل كلفة العقوبات: فإذا لم تتمكن من بيع نفطها بصورة طبيعية، فإنها تستطيع جعل بيع نفط الآخرين أصعب وأغلى. لكن هذه الورقة ليست بلا ثمن؛ لأن تقييد المضيق يحرم إيران أيضًا من التصدير والاستيراد، ويعمق عزلتها، ويعرضها لضغط عسكري واقتصادي أكبر.
الحصار مقابل المضيق
يمكن اختصار حرب الاستنزاف الحالية في معادلة متقابلة: الولايات المتحدة تحاصر الموانئ الإيرانية، وإيران تقيد الملاحة في مضيق هرمز. واشنطن تريد منع السفن من الدخول إلى إيران أو الخروج منها، وطهران تريد منع عودة صادرات دول الخليج إلى مستوياتها الطبيعية ما لم تُلبَّ شروطها.
وتقول الإدارة الأمريكية إن الحصار يمكن أن يستمر مدة غير محددة من خلال تدوير السفن والقوات في المنطقة، فيما تراهن على أن توقف الصادرات سيحرم إيران من الإيرادات ويعطل قدرتها على دفع الرواتب وتمويل عملياتها. في المقابل، تضع طهران شروطًا لإعادة فتح المضيق تشمل إنهاء الحرب الإقليمية، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.
ويكشف ذلك أن المضيق لم يعد أداة رد عسكري فحسب، بل أصبح ورقة تفاوض اقتصادية. فطهران تريد مبادلة حرية الملاحة بحرية تجارتها، بينما تريد واشنطن فتح المضيق من دون منح إيران رفعًا شاملًا للعقوبات أو حق التحكم بحركة السفن. وما دام الطرفان يرفضان معادلة الآخر، ستظل أسعار الطاقة رهينة الصراع.
هل الاقتصاد الإيراني على حافة الانهيار؟
تصف واشنطن الوضع الاقتصادي الإيراني بأنه شديد السوء، وتراهن على أن طهران لم تعد قادرة على تصدير النفط بكميات معتد بها أو استخدام أصولها المجمدة في الخارج. كما يكرر ترامب أن إيران تعاني تضخمًا هائلًا ونقصًا في الأموال وصعوبة في دفع الرواتب، وإن كانت بعض الأرقام التي يوردها في تصريحاته أعلى من تقديرات المؤسسات الدولية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش اقتصادي حاد في إيران خلال 2026، مع تضخم مرتفع يقترب من 69%.
وتنعكس هذه الأزمة في هبوط القوة الشرائية للعملة، وارتفاع أسعار الغذاء والسكن، وضعف الاستثمار، وصعوبة استيراد التكنولوجيا والسلع الوسيطة، واتساع عجز الموازنة.
كما أن الحصار يضيف طبقة جديدة إلى العقوبات؛ فالعقوبات تمنع المؤسسات من التعامل مع إيران قانونيًا، أما الحصار فيجعل نقل السلع والنفط أكثر صعوبة ماديًا. وإذا استمر الجمع بينهما، فقد تواجه طهران نقصًا في بعض المدخلات وارتفاعًا أكبر في تكاليف الاستيراد، فضلًا عن تراجع عائداتها النفطية.
لكن ضعف الاقتصاد لا يعني تلقائيًا استسلام القيادة السياسية. فقد بنت إيران خلال عقود من العقوبات شبكات للتهريب والمقايضة، واستخدمت شركات واجهة وناقلات غير معلنة وعمليات نقل في عرض البحر وقنوات مالية غير رسمية. كما تستطيع الأنظمة التي تضع بقاء الدولة والنظام فوق النمو الاقتصادي تحمل مستويات عالية من الانكماش والفقر، وتحويل الموارد المتبقية إلى الأولويات الأمنية.
ولهذا لخّص أحد الباحثين المعضلة بقوله إن إيران في وضع اقتصادي بالغ السوء، لكن السؤال هو مقدار اهتمام قادتها بذلك. فالعقوبات تكون حاسمة إذا هددت تماسك مؤسسات الحكم أو قدرة الدولة على الوفاء بوظائفها الأساسية، لكنها تصبح أقل تأثيرًا إذا تحمّل المجتمع الكلفة وبقيت مؤسسات القوة قادرة على العمل.
الصين.. الحلقة الأصعب في الحصار
يعتمد نجاح الاستراتيجية الأمريكية إلى حد بعيد على الصين، لأنها المشتري الأكبر للنفط الإيراني والمنفذ الأهم الذي يسمح لطهران بالحصول على العملات والسلع. ومن دون تقليص المشتريات الصينية، ستستطيع إيران الحفاظ على حد أدنى من الصادرات، حتى إذا اضطرت إلى منح خصومات كبيرة ودفع تكاليف إضافية للتهريب والتأمين.
لكن استهداف الصين يضع واشنطن أمام خيار صعب. فإذا اكتفت بمعاقبة شركات صغيرة، تستطيع طهران وبكين استبدالها بشركات جديدة. وإذا انتقلت إلى معاقبة المصارف والمصافي الصينية الكبرى، فقد توسع المواجهة إلى حرب اقتصادية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ولا تبدو الصين مستعدة للتخلي عن النفط الإيراني المخفض بسهولة، لكنها لا ترغب أيضًا في تعريض مؤسساتها الكبرى للعقوبات الأمريكية. ولذلك قد تواصل التعامل عبر منشآت ووسطاء أقل ارتباطًا بالنظام المالي الغربي، بما يمنع نجاح الحصار الكامل من دون أن يعيد التجارة الإيرانية إلى وضع طبيعي.
وتكشف هذه الحالة حدود القوة المالية الأمريكية: تستطيع واشنطن زيادة كلفة التعامل مع إيران وتقليص عدد المشترين وفرض خصومات على صادراتها، لكنها تواجه صعوبة أكبر في الوصول إلى الصفر الكامل، خصوصًا عندما تكون هناك قوى كبرى مستعدة لبناء قنوات بديلة.
العراق في قلب الاستنزاف
لا يقف العراق خارج الحرب الاقتصادية، بل يقع في مركزها بسبب اعتماده الكبير على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، وارتباطه بواردات الغاز والطاقة الإيرانية، وتأثر مصارفه وشركاته بقيود الدولار والعقوبات الأمريكية.
وأدى تقييد الملاحة إلى خفض الصادرات العراقية بصورة كبيرة، قبل أن ترتفع في أغسطس/آب إلى متوسط مليوني برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، لكنه يبقى دون قدرة العراق التصديرية الطبيعية. ويعني ذلك أن ارتفاع سعر النفط لا يتحول بالضرورة إلى مكاسب صافية للموازنة؛ إذ قد تخسر الدولة بسبب انخفاض الكميات المصدرة وارتفاع كلفة التأمين والنقل.
كما قد يؤدي تشديد العقوبات على إيران إلى ضغوط إضافية على النظام المصرفي العراقي، واتساع السوق الموازية للعملة، وتعقيد دفع مستحقات الغاز، وزيادة محاولات استخدام العراق طريقًا للالتفاف على القيود. وفي الوقت نفسه، يهدد تعطيل إمدادات الغاز والكهرباء الحياة اليومية والإنتاج والخدمات، ما يجعل العراق من أكثر الدول تعرضًا للآثار الجانبية للمواجهة.
أما دول الخليج الأخرى فتواجه المفارقة نفسها: تعتمد أمنيًا على الولايات المتحدة، لكنها تقع ضمن مدى الرد الإيراني، وتعتمد صادراتها على ممر تستطيع طهران تعطيله. وتملك السعودية والإمارات خطوطًا بديلة جزئيًا، لكن هذه المسارات لا تستطيع تعويض جميع الكميات التي كانت تمر عبر المضيق.
المخزونات لا توفر حلًا دائمًا
اعتمدت الدول المستهلكة على المخزونات النفطية لتعويض جانب من نقص الإمدادات، لكن استمرار الحرب يستهلك هذا الهامش تدريجيًا. وتشير التقديرات إلى أن المخزونات العالمية تراجعت بمعدل 4.2 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، مع توقع استمرار الانخفاض خلال الربع الثالث. ويطرح ذلك سؤالًا مباشرًا عن قدرة العالم على تحمل ستة أشهر إضافية من الحرب بالمستوى نفسه من تعطيل الإمدادات.
فالمخزون الاستراتيجي يستطيع تخفيف الصدمة وتأجيل ارتفاع الأسعار، لكنه لا يعوض إنتاجًا متوقفًا بصورة دائمة، كما أن السحب المتواصل يضعف قدرة الدول على مواجهة أزمات جديدة. وإذا وصلت المخزونات إلى مستويات منخفضة، تصبح الأسواق أكثر حساسية لأي حادث، ويزداد احتمال ارتفاع النفط مجددًا إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار اضطراب الطاقة واتساع الحرب قد يخفض النمو العالمي إلى 2.5% ويرفع التضخم إلى 5.4% في السيناريو السلبي.
وهذا يعني أن حرب الاستنزاف الثنائية يمكن أن تتحول إلى أزمة عالمية يدفع ثمنها المستوردون والمستهلكون والدول النامية أكثر من الطرفين المباشرين.
من يمتلك القدرة الأطول على الصمود؟
تمتلك الولايات المتحدة اقتصادًا أكبر وأكثر تنوعًا، وعملة مهيمنة، وإنتاجًا نفطيًا مرتفعًا، وقدرة على تحريك المخزونات وإقناع الحلفاء بزيادة الإمدادات. كما تستطيع توزيع كلفة الحرب على شبكة واسعة من الشركاء، بينما يتركز الضرر الإيراني داخل اقتصاد أصغر يعاني أصلًا من العقوبات والتضخم وضعف الاستثمار.
لكن واشنطن أكثر حساسية سياسيًا لأسعار الوقود والتضخم والرأي العام والانتخابات. وقد يدفع ارتفاع البنزين وتراجع شعبية الحرب الإدارة إلى تعديل مسارها حتى إذا بقي اقتصادها قادرًا على الاستمرار. أما إيران فهي أقل قدرة اقتصاديًا، لكنها أكثر استعدادًا لتحمل الضرر إذا رأت القيادة أن التراجع يهدد بقاء النظام أو يفتح الباب أمام مطالب أمريكية إضافية.
ولهذا لا تجيب مؤشرات الناتج والتضخم وحدها عن سؤال الصمود. فالولايات المتحدة تستطيع تحمل خسائر أكبر ماديًا، لكن نظامها السياسي يستجيب بسرعة لضغط الناخبين؛ بينما تتحمل إيران ضررًا أعمق، إلا أن قرارها السياسي أقل ارتباطًا المباشر بتقلب المزاج الشعبي. ويعني ذلك أن الطرف الأضعف اقتصاديًا قد لا يكون أول من يتراجع سياسيًا.
سيناريوهات حرب الاستنزاف
السيناريو الأول هو نجاح واشنطن في خفض الصادرات الإيرانية بشدة مع تأمين كميات بديلة من النفط وإبقاء الأسعار ضمن مستويات مقبولة. وفي هذه الحالة تفقد طهران جزءًا كبيرًا من مواردها من دون أن تتمكن من فرض كلفة مماثلة على الداخل الأمريكي، ما يجعلها أقرب إلى تقديم تنازلات بشأن الملاحة أو العقوبات أو الترتيبات النووية.
أما السيناريو الثاني فهو استمرار التوازن الحالي: حصار أمريكي للموانئ، وقيود إيرانية على المضيق، وعقوبات متزايدة يقابلها تهرب مستمر، مع بقاء النفط مرتفعًا لكن دون بلوغ مستويات صادمة. وسيؤدي هذا المسار إلى استنزاف طويل تكون إيران الخاسر الاقتصادي الأكبر فيه، بينما يدفع العراق ودول الخليج والاقتصاد العالمي جزءًا من الكلفة.
ويقوم السيناريو الثالث على انتقال واشنطن إلى استهداف مصارف ومصافٍ صينية كبرى وفرض رسوم ثانوية على الدول المتعاملة مع طهران. وقد يرفع ذلك الضغط على إيران، لكنه يوسع الحرب الاقتصادية ويثير ردودًا صينية، بما قد يعمق اضطراب التجارة والأسواق بدل عزل طهران وحدها.
أما السيناريو الرابع فهو عودة التصعيد العسكري بسبب فشل الضغط الاقتصادي أو وقوع هجوم كبير على الملاحة. وقد يؤدي ذلك إلى إغلاق أشد لهرمز، وارتفاع النفط فوق المستويات السابقة، وتراجع فرص التسوية، وتحول الاستنزاف إلى أزمة طاقة عالمية.
ويبقى السيناريو الخامس هو تسوية مرحلية تتضمن إعادة فتح المضيق وتخفيفًا محدودًا للحصار أو بعض العقوبات، مقابل ضمانات بشأن الملاحة والبرنامج النووي ووقف الهجمات. وهذا السيناريو لا يمنح أي طرف انتصارًا كاملًا، لكنه يسمح لكل منهما بتقديم الاتفاق داخليًا بوصفه نتيجة لصموده وضغطه على الآخر.
من يستسلم أولًا؟
لا يرجح أن يعلن أي من الطرفين استسلامه صراحة. فالولايات المتحدة لن تصف تخفيف العقوبات أو قبول تسوية بأنه تراجع، كما لن تقدم إيران إعادة فتح المضيق أو قبول قيود جديدة باعتباره خضوعًا. وستكون النتيجة، إذا حدثت، تنازلًا تدريجيًا يُعرض بوصفه اتفاقًا متوازنًا.
اقتصاديًا، تبدو إيران أقرب إلى نقطة الإنهاك؛ لأن الضغوط تصيب صادراتها وعملتها وموازنتها وإنتاجها وقدرة مواطنيها على تحمل المعيشة في وقت واحد. وإذا نجحت واشنطن في تشديد الخناق على المشتريات الصينية وشبكات التمويل والتهريب، مع إبقاء أسعار النفط تحت السيطرة، فقد تضطر طهران إلى تعديل شروطها أولًا.
لكن سياسيًا، قد تكون واشنطن أقرب إلى البحث عن مخرج إذا ارتفعت أسعار النفط مجددًا، واتسع التضخم، وتزايد رفض الحرب قبل الانتخابات. وقد كشف تقديم أسعار الوقود على البرنامج النووي أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل تقيس نجاح الحرب بما يدفعه المواطن في محطة البنزين، لا بما لحق بالمنشآت الإيرانية وحدها.
وعليه، لا تحسم حرب الاستنزاف بمن يعاني أكثر، بل بمن يستطيع فصل معاناة خصمه عن كلفة يتحملها هو. الولايات المتحدة قادرة على إفقار إيران، لكنها لا تستطيع خنق نفطها من دون المخاطرة بارتفاع النفط العالمي. وإيران قادرة على تعطيل هرمز، لكنها لا تستطيع فعل ذلك من دون خنق تجارتها وتعميق أزمتها الداخلية.
لذلك تبدو إيران الطرف الأضعف اقتصاديًا والأقرب إلى الإنهاك، في حين تبدو الولايات المتحدة الطرف الأكثر عرضة للضغط السياسي المبكر. وقد تتراجع واشنطن تكتيكيًا قبل أن تنهار إيران اقتصاديًا، بينما قد تقبل طهران بتسوية قبل أن تصل إلى الانهيار الكامل. والنتيجة الأرجح ليست استسلام أحدهما، بل اتفاق يحفظ لكل طرف خطاب الانتصار، بعد أن يكون المواطن الإيراني والمستهلك الأمريكي والعراق ودول المنطقة قد تحملوا القسم الأكبر من كلفة الحرب.



اضف تعليق