لا تأتي الغاية في الحياة دائمًا عبر اكتشاف مفاجئ، بل تتشكل تدريجيًا من الاهتمامات والأنشطة والعلاقات التي تمنح الإنسان المعنى والحيوية. ويؤدي انتظار غاية جاهزة إلى القلق والإحباط، بينما يساعد التعامل معها بوصفها عملية مرنة ومتطورة على اكتشاف ما يهم فعلًا، وتحويله إلى ممارسات يومية صغيرة تقود نحو حياة...

تطرح هذه المقالة تصورًا عمليًا مختلفًا لمعنى الغاية في الحياة، إذ لا تراها هدفًا خفيًا ينتظر أن نعثر عليه، بل مسارًا يتشكل تدريجيًا من اهتماماتنا وأنشطتنا وما يمنح حياتنا الحيوية والمعنى. ويوضح روس وايت في مجلة «سايكي» (Psyche) أن التركيز المفرط على «العثور على الغاية» قد يولد القلق والإحباط، بينما يسمح النظر إليها بوصفها عملية مستمرة بالتطور والمرونة والانفتاح على أكثر من مصدر للمعنى، من خلال خطوات صغيرة ومقصودة تُدمج في الحياة اليومية.

يقول الكاتب في مقاله:

في عيادتي للعلاج النفسي، وجدتُ أنه لكي نعيش بقدر أكبر من الغاية، علينا أن نفكر بطريقة مختلفة في المصدر الذي تأتي منه هذه الغاية.

في عملي اختصاصيًا في علم النفس السريري، قدمت الدعم لعدد كبير من الأشخاص الذين وصفوا أنفسهم بأنهم يشعرون بالفتور واللامبالاة والضياع في الحياة. وكثيرًا ما يقول هؤلاء المراجعون إنهم يفتقرون إلى ضوء يهديهم ويوجه جهودهم. قال لي أحدهم مؤخرًا: «أنا أبحث عن نجمة الشمال الخاصة بي». ويُذكر «العثور على غاية في الحياة» كثيرًا بوصفه سببًا لطلب الدعم. لكن سنوات من الخبرة السريرية علمتني أن محاولة «العثور» على الغاية يمكن أن تصبح جزءًا من المشكلة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل.

قبل أن أشرح ذلك، دعونا نتأمل أولًا معنى الغاية. فالانشغال بعيش حياة ذات غاية قديم قدم الحضارة نفسها؛ إذ تشهد نصوص يعود تاريخها إلى آلاف السنين على آلهة دينية وقادة روحيين، مثل كريشنا وبوذا والنبي محمد، على سبيل المثال لا الحصر، وعلى قائمة طويلة من الفلاسفة القدماء، مثل كونفوشيوس ولاوتسي وأرسطو، الذين مجّدوا فضائل امتلاك الغاية. وفي الأزمنة الأكثر حداثة، حددت المدرسة الوجودية في الفلسفة الغاية بوصفها مكونًا أساسيًا للحياة ذات المعنى. ويُفهم مفهوم الغاية اليوم على نطاق واسع بوصفه سببًا دائمًا للوجود؛ قوة دافعة توجه اختياراتنا، وتمنح أفعالنا معنى، وتربط حياتنا بشيء يتجاوز ذواتنا.

وكان للطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل، الذي نجا من أهوال معسكرات الاعتقال النازية، تأثير عميق في فهمنا المعاصر للغرض والغاية. وفي كتابه «الإنسان يبحث عن معنى» (Man’s Search for Meaning) الصادر عام 1946، كتب فرانكل عن تجاربه أثناء الحرب: «ويلٌ لمن لم يعد يرى أي معنى لحياته، ولا هدفًا، ولا غاية، وبالتالي لا سبب لديه للاستمرار. لقد كان سرعان ما يضيع».

وقد رسخت الحكمة المعاصرة، وربما بتأثير فكرة فرانكل عن «البحث عن المعنى»، تصورًا حاسمًا للغرض باعتباره شيئًا ينبغي «العثور عليه». وكان للمؤلف والمتحدث سايمون سينك دور يفوق دور معظم الآخرين في نشر أهمية الغاية خلال العقود الأخيرة. وقد أصبحت كتبه، ومنها «اعثر على سببك: دليل عملي لاكتشاف الغاية لك ولفريقك» (Find Your Why: A Practical Guide for Discovering Purpose for You and Your Team) الصادر عام 2017، من الكتب الأكثر مبيعًا عالميًا. ووفقًا لأداة Google Ngram Viewer، التي ترسم معدل تكرار كلمة أو عبارة في الكتب، ازداد استخدام عبارة «اعثر على غايتك» بأكثر من 3000 في المئة خلال العقود الثلاثة الماضية. لكن هذا التشديد على «العثور على الغاية» قد يعوق، من دون قصد، محاولات الناس لعيش حياة ذات غاية.

ومن خلال عملي مع المراجعين، لاحظت عدة آثار إشكالية تترتب على النظر إلى الغاية بوصفها شيئًا يتعين عليك «العثور عليه». أولًا، يوحي ذلك بأن الغاية شيء تفتقر إليه كليًا. ويمكن للتركيز الحاد على هذا النقص المتصور أن يولد القلق. كما أن عبارة «العثور على غايتك» توحي بأن غايتك ينبغي أن تظهر فجأة، مكتملة التشكّل، بوضوح ساطع؛ لحظة من الاستبصار المبهج تأتي مثل جوهرة ثمينة تُستخرج من باطن الأرض. وعندما يثبت أن بلوغ هذه اللحظة أمر مراوغ، يمكن أن يكون ذلك محبطًا ومثبطًا للعزيمة.

وهناك تعقيدات أخرى في هذا التأطير للغرض. فهو يجعل الأمر يبدو كما لو أنك بمجرد أن «تعثر» على غايتك، فإنها تصبح ثابتة، منيعة على التغيير. وقد يولد ذلك موقفًا محافظًا، إذ قد تقلق من «فقدان» غايتك وتميل إلى الحفاظ على الوضع القائم بدلًا من استكشاف خيارات أخرى. 

وأخيرًا، فإن النصائح المتعلقة بـ«العثور على غايتك» كثيرًا ما تصور الغاية باعتبارها وسيلة إلى غاية أخرى. وفي مثال لافت على الانتهازية الرأسمالية، جرى الاستحواذ على هذا المفهوم من جانب قادة الفكر الرياديين والمؤثرين، الذين يعدون بمساعدتك على «العثور» على غايتك كي تتمكن من تحويلها إلى مصدر للدخل من خلال إنشاء مشروع تجاري قائم عليها.

ومن واقع خبرتي، من الأفضل أن نفكر في الغاية بوصفها شيئًا نشكّله، لا شيئًا نعثر عليه. ويساعد هذا التمييز مراجعيَّ على الانطلاق من حيث هم الآن، بدلًا من التوقف لأنهم يشعرون بالضياع ولا يعرفون من أين يبدأون. فبذور الغاية موجودة بالفعل في الأفكار والاهتمامات التي تثير حماسنا، حتى لو لم تتح لنا فرصة استكشافها بالكامل، أو في الأنشطة التي تضفي الحيوية على حياتنا، مهما كان حدوثها نادرًا. وفي ظل الظروف المناسبة، يمكن لهذه البذور أن تنمو. فالغاية تحتاج إلى رعاية وتنمية.

ويساعد التفكير فيها من منظور «التشكيل» بدلًا من «العثور» على إبراز جوانب مهمة من الغاية:

- الغاية موجودة بالفعل. إن «تشكيل» الغاية يولد روح الوفرة بدلًا من الندرة. ويمكنك أن تعمل بما هو موجود بالفعل، بدلًا من البحث عن شيء غير موجود.

- الغاية عملية مستمرة. إن فهم الغاية بوصفها عملًا ما يزال قيد التشكّل يمكن أن يساعد على التعامل مع مشاعر الإحباط التي تنشأ عندما لا تحقق جهودك النتائج التي كنت تأمل فيها. وبدلًا من أن تثنيك هذه المشاعر عن الاستمرار، يمكنك أن تفهمها بوصفها جانبًا أصيلًا من جوانب عيش حياة ذات غاية. فالاهتمام العميق بشيء ما يفتح أمامك المجال لاختبار المجموعة الكاملة من المشاعر.

- الغاية تتطور. عندما تركز على «تشكيل» الغاية، تصبح منفتحًا على الاحتمالات الناشئة، ومقدّرًا للفرص التي يمكن أن تجلبها. ومن هذا المنظور، لا تكون الغاية بالضرورة شيئًا واحدًا فقط؛ بل يمكن أن تتطور «أسباب وجود» متعددة ومتزامنة في الوقت نفسه، مثل أن تتزامن العناية بكوكبنا مع خدمة الأسرة والمجتمع. ويمكن للعالم من حولنا، فضلًا عن عوالمنا الداخلية، أن يتغير بسرعة، ويمكن لأولوياتنا أن تتغير تبعًا لذلك.

- الغاية تخدم غايتها الذاتية. فالغاية ذاتية الغاية (autotelic)؛ أي إنها مكافأتها في ذاتها، ولا تعتمد على حوافز خارجية مثل المال أو المكانة أو الشهرة. صحيح أن مثل هذه المكافآت قد ترافق العيش ذي الغاية، لكنها ليست القوة الدافعة وراءه.

ويُعد تشكيل الغاية محورًا أساسيًا في العمل الذي أقوم به مع مراجعيَّ. ومن الأساليب التي أستخدمها لمساعدتهم على ذلك تمرين أطلق عليه اسم «يوم ذو غاية» (A Day on Purpose). وسأوضح هذا التمرين من خلال حالة «فرانك»، وهي قصة مستوحاة من مراجعين عملت معهم.

عندما بدأنا العمل معًا، كان فرانك في منتصف الثلاثينيات من عمره، متزوجًا بسعادة وله ابن صغير. وكان يعمل محاسبًا في شركة خاصة أسسها مع صديق. وكانت السنوات الأولى من إدارة الشركة مليئة بعدم اليقين، لكن الشركة أصبحت الآن مؤسسة مربحة ومستقرة. وفي جلستنا الأولى، وصف فرانك شعوره بانخفاض المزاج ونقص الطاقة. وقال إنه اضطر إلى تقديم تضحيات من أجل عمله، وبدأ يتساءل عما إذا كانت تلك التضحيات تستحق ذلك. وفي إحدى محادثاتنا ناقشنا تمرين «يوم ذو غاية».

طلبت منه أن يتخيل أن أمامه يومًا كاملًا خاليًا من الأشياء التي لا يرغب في القيام بها، مثل الأعمال المنزلية الروتينية المملة، وأنه يشعر براحة جيدة ولا يحتاج إلى إجازة. وأقول لمراجعين مثل فرانك: «بدلًا من ذلك، يمكنك أن تختار استخدام هذا اليوم لفعل أشياء ذات معنى بالنسبة إليك، وفي الوقت نفسه تمتلك القدرة على ربطك بالعالم الذي يتجاوز ذاتك».

نحن بحاجة إلى أن نتعمد تخصيص وقت لتشكيل غايتنا والتغلب على العوائق العملية.

ثم ينتقل النقاش إلى الإجابة عن سلسلة من الأسئلة. وسأشارك إجابات فرانك، وربما ترغب أنت أيضًا في الإجابة عن كل سؤال منها بنفسك.

كيف ستختار قضاء ذلك اليوم؟

بعد أن عبّر فرانك في البداية عن بعض عدم اليقين، قال إنه يرغب في الخروج إلى الهواء الطلق، بعيدًا عن المكتب وبعيدًا عن الشاشات. وكان معتادًا في شبابه على ممارسة المشي لمسافات طويلة، وقضاء ساعات في الغابات أو على مسارات المشي. لكن تركيزه الشديد على عمله كان يعني أنه لم يتمكن من القيام بذلك بالقدر الذي كان يرغب فيه. وكان يريد استخدام اليوم للعودة إلى التواصل مع الطبيعة بصورة أعمق.

ما الشيء المهم بدرجة تكفي لكي تقضي يومك بهذه الطريقة؟

قال فرانك إن قضاء الوقت في الطبيعة سيساعده على الشعور بالتجدد والحيوية. ففي السنوات القليلة الماضية، بدت حياته وكأنها مكتوبة سلفًا وفق سيناريو ثابت: توصيل الطفل إلى المدرسة، وتقارير التدقيق، والتأكد من دفع رواتب الموظفين. وكان الوقت في الطبيعة سيساعده على كسر هذا السيناريو والتواصل مع الصورة الأكبر، بما يسمح له، كما عبّر عن ذلك بصورة موفقة، بأن «يرى الغابة بدلًا من الانشغال بالأشجار».

كيف ستعرف أن ذلك كان يومًا قضيته على نحو جيد؟

قال فرانك إنه سيشعر بالهدوء والثبات، وسيكون أكثر حضورًا في تفاعلاته مع ابنه وزوجته.

ما الفرق، إن كان هناك فرق، الذي تأمل أن يحدثه قيامك بهذا؟

إلى جانب الآثار الإيجابية التي سيحققها الأمر له شخصيًا، أعرب فرانك عن أمله في أن يؤثر ذلك إيجابيًا في ابنه. فقد أراد لابنه أن يكبر وهو يعرف أن الحياة لا تدور حول العمل وحده. ومن خلال تقديم نموذج لأهمية التواصل مع الطبيعة، يمكنه أن يعلم ابنه قيمة الوجود في الهواء الطلق وروح المغامرة التي يمكن أن يعززها ذلك. كما فكر فرانك في إمكانية إنشاء مجموعة للمشي للآباء أو العائلات في المستقبل، لمساعدة الناس على الخروج معًا إلى الهواء الطلق.

إذا كان بإمكانك أن تحصل على مزيد من المشاعر التي سيجلبها قضاء يوم بهذه الطريقة، فهل ترغب في ذلك؟

كانت إجابة فرانك «نعم» قاطعة لا لبس فيها.

وأخيرًا، خذ لحظة للتفكير في الكيفية التي يمكنك بها أن تفعل قدرًا أكبر مما كنت ستفعله في ذلك اليوم، حتى ولو بنسبة واحد في المئة فقط، خلال أسبوعك الاعتيادي. ما الإجراءات الملموسة التي يمكنك اتخاذها خلال الأسبوع المقبل لمساعدتك على فعل ذلك؟

أجاب فرانك بأنه يستطيع أن يقترح على زوجته اصطحاب ابنهما إلى إحدى حدائق الغابات في عطلة نهاية الأسبوع تلك. كما ألزم نفسه بالتحقق مما إذا كانت هناك أي مجموعات محلية للمشي لمسافات طويلة يمكنه الانضمام إليها، لكي يبني إحساسًا بالانتماء إلى مجتمع يضم أشخاصًا يشبهونه في التفكير ويهتمون بقضاء الوقت في الطبيعة.

وسمح التفكير في تمرين «يوم ذو غاية» لفرانك بفهم مدى أهمية قضاء الوقت في الطبيعة، ومساعدة الآخرين على تقدير الطبيعة، بالنسبة إلى إحساسه بالغاية. وبالنسبة إلى أشخاص آخرين، فإن الأنشطة التي تنمي الغاية، سواء كانت أنشطة مألوفة أم جديدة، ستبدو مختلفة جدًا. ومع أن الجهود الرامية إلى التواصل مع غاية المرء قد تنطوي على السعي إلى أهداف سامية وصعبة، فإنها ليست مضطرة إلى ذلك، كما يتضح من حالة فرانك.

ومهما كانت مصادر الغاية لدى الشخص، فإن السؤال الأخير الذي طرحته على فرانك سؤال أساسي. فنحن، مثله، بحاجة إلى أن نتعمد تخصيص وقت لتشكيل غايتنا والتغلب على العوائق العملية التي قد تظهر. إن تشكيل الغاية يتعلق بصنع الفرص لتنميتها، بدلًا من انتظار اكتشاف مفاجئ. وهذا يعني القيام بما يفشل كثير منا في القيام به في أغلب الأحيان: التفكير بصورة محددة وملموسة في الأشياء التي تضفي المعنى والحيوية على حياتنا.

* روس وايت أستاذ علم النفس السريري في جامعة كوينز بلفاست، وهو مؤلف كتاب «الشجرة التي تنحني: كيف يمكن للعقل المرن أن يساعدك على الازدهار» (The Tree That Bends: How a Flexible Mind Can Help You Thrive) الصادر عام 2024.

اضف تعليق