سلّط الملتقى الضوء على موقع العراق في الجيوسياسة العالمية، وما يفرضه موقعه وموارده من تحديات وفرص. تناولت الورقة أثر الجغرافيا في الصراعات والتحالفات، فيما ركزت المداخلات على ضعف القرار الوطني والاقتصاد الريعي وتراجع المؤسسات. وطرحت بناء الدولة وسيادة القانون وتنويع الاقتصاد واستثمار الممرات التجارية والشراكات المتوازنة سبلًا لتعزيز الاستقرار...

عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان "موقع العراق في الجيوسياسية العالمية.. التحديات والفرص"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعد الورقة البحثية وقدمها الاستاذ حسيني الاطرقجي- باحث متخصص في الامن القومي، وابتدأ حديثه قائلا:

المحور الأول: المفاهيم الأساسية وسياقات الصراع العالمي

لإدراك السياق العام لموقع العراق في الجيوسياسية العالمية وفق ثنائية التحديات والفرص، لا بد من الإحاطة بثلاث منطلقات أساسية تفصل بين طبيعة الصراعات التاريخية والتحولات المعاصرة:

1- طبيعة الحروب عبر التاريخ: يجمع مؤرخو الحروب أنه منذ أول حرب مدونة في التاريخ (قبل نحو 700 عام قبل الميلاد) وحتى الحروب المعاصرة، تتخذ الصراعات في جوهرها أبعاداً اقتصادية وسياسية وأمنية وثقافية (تشمل العوامل القومية والدينية)، غير أن هذه الحروب تغلف عادةً بغلاف ثقافي، طائفي، عرقي، أو ديني؛ لتكتسب شرعية السلطة والتحشيد وتعبئة الجنود.

2- القرن الحادي والعشرين قرناً للحروب: عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وتحديداً في عام 1995، ظهرت فرضية بريماكوف التي افادت بأن روسيا الكبرى ستعاد صياغتها في القرن الحادي والعشرين عبر تحالفات أوراسية تحكم المنطقة. وبعد عام واحد، أسس بول وولفويتز (مهندس حرب العراق) مركز دراسات القرن الحادي والعشرين (القرن الأمريكي الجديد)، مشيراً إلى أن هذا القرن إما أن يصنع المجد الأمريكي منذ بدايته أو يتجه نحو عالم متعدد الأقطاب.

3- الصراع بين دافوس والبريكس: يرى المفكرون السياسيون أن الصراع الحقيقي مطلع هذا القرن يتمثل في الثنائية القائمة بين دافوس (الممثلة للرأسمالية العالمية والولايات المتحدة) وبريكس (الممثلة لعالم متعدد الأقطاب)، حيث تختزل صراعات العالم كافة كامتداد لهذا الاستقطاب.

وفي إطار ضبط المصطلحات، يعد الخلط شائعاً بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، رغم الفارق الجذري بينهما:

- الجغرافيا السياسية: علم نشأ منذ عهد أفلاطون، ويهتم بدراسة جغرافيا الدولة، مواردها، وسياساتها الداخلية والخارجية.

- الجيوبوليتيك: علم مشتق ومنفصل أحياناً عن الجغرافيا السياسية، ينظر إلى الدولة ككائن حي تتصرف جغرافيتها كالجلد المحيط بمفاصل الجسم، وهو كائن لكي ينمو ويتنفس ويستقر، لا بد أن يتمدد في محيطه (سواء المتصل أو غير المتصل). وقد صنف هذا العلم لقرابة ثلاثين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية كأيديولوجيا متطرفة خطرة.

نشأ مصطلح الجيوبوليتيك نهاية القرن التاسع عشر (تحديداً عام 1890) على يد المفكر الألماني في العلوم السياسية فريدريك راتزل، ونحته تلميذه رودولف كرين؛ لبيان الترابط الوثيق بين الأحداث العالمية في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث باتت المصالح مشتركة والكل في دائرة الخطر والفرصة.

المحور الثاني: النظريات الكبرى في الجيوبوليتيك وتأثيرها على التاريخ العالمي

انطلقت النظريات الجيوبوليتيكية الكبرى لتوجيه دفة الصراعات الدولية عبر التاريخ وفق محطات رئيسية:

- نظرية قوة البحر: وضع أسسها الأولى ألفريد ماهان (قائد البحرية الأمريكية)، حين اعتبر أن دولاً مثل أمريكا وبريطانيا وأستراليا واليابان هي بمثابة جزر، وقوتها تكمن في ركوب البحر، فمن يسيطر على البحار بأسطول عظيم يمتلك القدرة على بناء إمبراطورية، وهو ما شكل العتبة الأولى لتزعم أمريكا لاحقاً.

- نظرية قلب الأرض: طرحها هالفورد ماكندر (أحد منظري الحرب العالمية الأولى) سنة 1904، مفادها أن السيطرة على قلب الأرض (منطقة آسيا الوسطى المتصلة بين آسيا وأوروبا) تمنح القدرة على التحكم في العالم والتحول من قوة محدودة إلى قوة عظمى.

- نظرية المجال الحيوي: أسسها كارل هاوسهوفر (دكتور الفلسفة والجنرال في الجيش الألماني)، وتعد أم المصائب، تفترض أن الأمة الألمانية ككائن حي تتمدد وفق احتياجاتها وحضارتها ولغتها، وإلا تمدد الآخرون عليها. وقد ألهمت هذه الفكرة أدولف هتلر وأسست للحرب العالمية الثانية. وعقب الحرب، حُظر هذا العلم أوروبياً وشرقياً، وبقي متبعاً أمريكياً.

- نظرية حواف الأرض: ظهرت نهاية الأربعينات ومطلع الخمسينات مع تأسيس حلف الناتو على يد نيكولاس سبيكمان، الذي رأى أن السيطرة الحقيقية تكمن في امتلاك حواف الأرض والمضائق والاختناقات البحرية (تركيا، إيران، أفغانستان)، مما استدعى سيطرة الولايات المتحدة على كافة المنافذ البحرية العالمية لتحييد الاتحاد السوفيتي.

- المجال الحيوي الاقتصادي (البترودولار): في النصف الثاني من القرن العشرين، أسس المفكر صول بومان (أحد أعمدة الرأسمالية الأمريكية) نظرية نقل الصراع من القوات العسكرية المنتشرة إلى حضور الدولار في كل مكان. فتحولت أمريكا إلى أكبر مستورد لتشغيل عملتها عالمياً، تلا ذلك فرض وصاية البترودولار على مناطق الخليج، مما مهد لانهيار الاتحاد السوفيتي.

هنا نطرح تساؤلا استراتيجيا: ما علاقة بغداد بالحرب العالمية الأولى؟ الإجابة تكمن في ثورات سكك الحديد؛ إذ رأت بريطانيا أن من يمتلك سكك الحديد يمتلك حكم العالم. وردت ألمانيا بالتعاون مع العثمانيين عام 1904 لمد سكة حديد (برلين - بغداد) عبر بوابة العراق. وقبل دخول السكة الخدمة، توترت الأوضاع العالمية لظهور قوة جديدة تزيح المنافسين التقليديين (فرنسا وبريطانيا) وتصنع معسكراً شرقياً ألمانياً عثمانياً، لتنطلق الحرب العالمية الأولى بناءً على نظرية ماكندر.

المحور الثالث: الموقع الجيوسياسي للعراق تاريخياً واستراتيجياً

عند تناول موقف العراق من الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك، يجب عدم قراءته من الداخل فحسب، بل من الخارج، وكيف يفكر الإقليم والمجتمع الدولي بشأنه:

 قبل الإسلام: نشب صراع مرير بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية (الروم) في منطقة العراق والخليج والشام، ولتجنب الاحتكاك العنيف، أسس الطرفان مفهوم الدولة العازلة عبر تقسيم العراق إلى مملكتين: مملكة المناذرة الشرقية الخاضعة لفارس، وإمارة الغساسنة الغربية الخاضعة للروم.

 في القرن العشرين (حلف بغداد): دفع بريطانيا عام (1955) لتأسيس حلف بغداد الذي ضم العراق، تركيا، إيران، وپاكستان، ليشكل شريطاً عازلاً بين طموحات القياصرة والاتحاد السوفيتي للوصول إلى المياه الدافئة والمناطق العربية، وبين النفوذ الغربي في الخليج.

 حرب الثمان سنوات: تحول النظام السياسي انذاك إلى عازل قومي بين أطماع إيران الفارسية ومجالها الحيوي في الخليج، وبين النفوذ الأمريكي.

 ما بعد عام 2003: نتيجة لغياب الدولة المستقرة جيوبوليتيكياً والسياسات الداخلية الخاطئة مع الحلفاء، تحول العراق من منطقة عازلة إلى ساحة تصفية حسابات.

 لعنة الجغرافيا العراقية: يقع العراق بين قوتين إقليميتين (إيران وتركيا) لا تؤمنان بالحدود الجغرافية وتعتبران نفسيهما قوتين إمبراطوريتين متمددتين، كما يشهد التاريخ العراقي تقلبات مرتبطة بالمناخ (الفيضانات والجفاف)، مثلما حدث عام 749 هـ (جفاف وفيضان استثمرته الدولة العباسية للتنكيل بالسلطة الأموية) وعام 1257 هـ (فيضان كبير فتح المغول سدوده فدخلوا بغداد بلا قتال).

 الجغرافيا العسكرية الهشة: يفتقر العراق إلى الموانع الطبيعية مقارنة بإيران (التي تشكل الجبال 58% من جغرافيتها) وتركيا (64%)، فضلاً عن افتقاره للصحاري الشاسعة التي تمتلكها مصر كخط دفاع. إن أرض العراق المنبسطة وسهله الرسوبي جعلا منه عرضة ليكون ممرا للغزوات وساحة صراع، فجغرافيتها الهشة أفرزت سياسات متعثرة على مر العصور.

 الجذور التاريخية للشخصية العراقية: يدرس العراق بمنظور علم الاجتماع السياسي باعتباره امتداداً للإمبراطوريتين العثمانية والصفوية طيلة 500 عام (كما كان امتداداً للمناذرة والغساسنة)، وهو ما يترك أثرا مهيمنا على الشخصية العراقية بغض النظر عن تطور أنظمة الحكم. ومع ذلك، يتميز العراق بمساحة زراعية اقل تصحرا افضل من مصر، وأفضل من الخليج لمناخه معتدل نسبياً، وافضل من دول اوراسيا موقع قابل لإنشاء سكك الحديد واستثمارها.

المحور الرابع: المقارنات الدولية وتحديات كسر الحتمية الجغرافية

يقارن العراق محلياً وعربياً بمصر من حيث التركيبة السكانية، العمر الحضاري، وطبيعة الأرض، مع فارق المساحة (مصر مليون و50 ألف كم² مقابل العراق 438 ألف كم²). أما جيوبوليتيكياً، فيقارن بدول مثل بولندا (الواقعة بين روسيا وألمانيا كأرض منبسطة لساحة تصفية حسابات) وتايوان (الجزيرة الواقعة بين الصين والولايات المتحدة).

وللتغلب على الحتمية الجغرافية والعسكرية، تبرز تجارب الدول الأخرى، مثل مصر التي استثمرت صحراؤها كخط دفاع وكرست هويتها الوطنية عبر دعم الزراعة والفلاحين كخط صد وطني. وفي الإدارة العسكرية، يستشهد بقول الرئيس الأمريكي إيزنهاور بعد الحرب العالمية الثانية حين سئل عن سر الانتصار فأجاب: "لأننا نمتلك خبراء طقس بارعون" في إنزال النورماندي، وهو تعبير مجازي عن أهمية وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح لإدارة الدولة.

وفي المقابل، يواجه العراق خمسة تحديات بنيوية رئيسية تعرقل استقراره:

1. ارتهان القرار الوطني: تبعية القرار النهائي لإرادات خارجية رغم وجود مؤسسات وأشخاص وطنيين في الداخل.

2. هشاشة الأمن: رغم امتلاك العراق لمليون و300 ألف عنصر أمني، إلا أن معدلات العنف والجريمة وتراجع الأمن لصالح الأعراف القبلية تشكل عائقاً أمام الاستثمار والاستقرار.

3. ضعف الاقتصاد الريعي: غياب تنويع الاقتصاد (بخلاف بولندا وهولندا ومصر التي حققت نسب 70-75% من الموارد غير الريعية)، مما ينتج مجتمعات وشخصيات ريعية غير مستقرة.

4. غياب المؤسسات الفكرية الساندة: افتقاد الدولة ومؤسساتها (الاتحادية والمحلية) لمراكز بحثية ونخب فكرية فاعلة تسهم في صناعة القرار الرشيد بناءً على الحسابات الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية.

5. انهيار رأس المال الاجتماعي والطبقة الوسطى: اتجاه العراق نحو انهيار رأس المال الاجتماعي (وهو السبب الأساسي لثورات الربيع العربي وفق تقارير البنك الدولي)، إن إغراق المجتمع بالفقر والجهل واستيراد نظريات المؤامرة قد يخدع صانع القرار مرحلياً، لكن غياب الطبقة الوسطى والنخب سينتج لاحقاً ثورة للفقراء والجياع تتسم بالغوغائية وتسقط الدولة بأكملها لا الأنظمة وحدها.

المحور الخامس: الرؤى الاستراتيجية المستقبلية وآفاق الخروج من الحتمية التاريخية

لا تنطلق الرؤية المتشائمة لمستقبل العراق من فراغ، بل تستند إلى تقديرات أبرز منظري الجيوبوليتيك العالمي:

- ونستون تشرشل وشارل ديغول: أكدا أن من يفهم الجغرافيا يفهم السياسة، ومن لا يفهمها يخسر الحرب دائماً، حيث تعد الجغرافيا السياسية محدد مصير البلدان في النهوض أو السقوط.

- تيم مارشال (صاحب كتاب لعنة الجغرافيا): يرى أن العراق، وبسبب هويته القبلية النامية نتيجة ضعف الدولة، وتسلط القوى الكبرى، وكونه ممرا متنازعا عليه، سيعاني مرارا من انتقالات حادة ومفاجئة في طبقته السياسية عبر انقلاب خارجية أو داخلية، وهو ما يثبته تاريخ العراق لقرن كامل.

- روبرت كابلان (المستشار الاستراتيجي في البيت الأبيض): يقرر أن العراق محكوم عليه يعيش حروب دامية، وانقلابات، واحتلالات متكررة كل عقد أو عقد ونصف، حتى تصل إلى السلطة نخبة واعية قادرة على كسر الحتمية الجغرافية، غير أن التحدي الراهن يكمن في تفتت النخب الأكاديمية واستغراقها في تأمين الاحتياجات المعيشية اليومية، مما يفسح المجال لتعاليم الأيديولوجيا لتطغى على صوت النخبة.

- ستيفن (منظر الجيوبوليتيك): يشير مرورا على مقولة الملك فيصل الأول الشهيرة: "ليس هناك شعب عراقي في العراق حتى الآن"، بمعنى أن الواقع يضم جماهير وطوائف ومكونات لم تتبلور فيها بعد هوية الشعب الموحد، وما دام هذا المفهوم غائبا، سيبقى العراق عرضة للحتمية التاريخية والسياسية، وتظل العوامل الإقليمية والدولية هي التي ترسم شكل السياسة والمجتمع من الداخل.

بعد الورقة تم طرح سؤالين من اجل النقاش:

السؤال الأول: كيف ينعكس الموقع الجيوسياسي للعراق على امنه الوطني وتحدياته الاقليمية والدولية؟.

السؤال الثاني: كيف يوظف العراق مقوماته الجغرافية وموارده الاقتصادية لتعزيز دوره السياسي الاقليمي؟.

المداخلات

إشكالية القيادة وبناء الدولة العراقية الحديثة

- د. خالد العرداوي- مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

حين نقرأ تاريخنا العراقي الممتد لفترة طويلة ولربما منذ سقوط بابل العظيمة عام 539 قبل الميلاد ولغاية الوقت الحاضر، نجد أن الحماقة كانت هي سيدة الموقف في بلاد الرافدين في تعامل القيادات السياسية مع الواقع الذي تعيشه؛ إذ لم تستطع تلك القيادات التكيف مع الأحداث، سواء أكانت أحداثا داخلية أم خارجية.

وهنا يحضرني ما ذكره روبرت كوبر في كتابه تحطم الأمم؛ حيث يتحدث في بعض صفحاته موضحا أن العسكريين المحترفين يمتلكون ذكاءً كبيرا لأنهم يراجعون الحروب عبر التاريخ، ويستكشفون من خلالها أسباب اندلاعها، وأسباب الانتصار أو الإخفاق فيها. في المقابل، لا يمتلك السياسيون مثل هذا الذكاء في الغالب، لأنهم لا يعودون إلى التاريخ ليتحققوا من أن معظم الحروب هي في الأصل نتاج فشل سياسي أكثر من كونها أسباب عسكرية محضة، ولذلك فهم لا يراجعون تاريخ الأحداث ولا يستخرجون منها العبر والفائدة، فتراهم يخفقون دائماً في سياساتهم الخارجية وفي بناء دولهم.

واليوم، ونحن نتكلم عن الواقع العراقي، ينبغي لنا أن نتجرد من عواطفنا الطائفية، ومن مصالحنا الشخصية، ومن كل الانتماءات التي قد تغيب العقل أو تجعل الأحكام العقلية تخفق في الوصول إلى جادة الصواب؛ لا سيما عندما نتعامل مع قضية بناء الدولة وبناء الإنسان، لأننا نعيش في ظل مفهوم الدولة الحديثة، وليست دولة دعاة أو دولة عقائدية.

إن هذه الدولة الحديثة هي دولة متعددة الانتماءات والطوائف؛ وبالنتيجة حين نفكر، يجب ألا نفكر بعقلية الشيعي عندما يفكر لطائفته، ولا بعقلية الكردي عندما يفكر لقوميته، ولا بعقلية العربي عندما يفكر لقوميته، بل بذهنية العراقي عندما يفكر لدولته، وعندما نفكر بهذه الطريقة، تغدو المصلحة العليا هي التي تحكم نمط تفكيرنا، وليست المصالح الفئوية أو الضيقة.

لكن هذا الأمر للأسف لا يحصل في دوائر النخبة ولا لدى عامة الناس؛ بل أرى شخصياً أن دوائر النخبة أضحت تفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها عامة الناس، حتى بدأت الحدود والفواصل بين النخبة والعامة تزول، وهذا خطأ كبير للغاية.

إن دولاً مثل الدولة العراقية ترتبط بجوارها الإقليمي عبر مصالح وحقائق فرضت نفسها عبر التاريخ، ومن ثم فالمطلوب اليوم هو قراءة تلك المصالح لا الانتماءات؛ قراءة المصالح التي تحرك الجوار نحو هذه الأرض، ونقاط القوة التي تمنح الساكن فيها القدرة على التأثير والردع لحماية نفسه إذا ما أريد له أن يكون تابعاً أو خاضعاً لقوى أخرى. فللأسف، وعلى مدى آلاف السنين، خضعت هذه الأرض لقوى خارجية، وكان يلزمنا دائماً أن نفسر: لماذا حدث هذا الخضوع؟ ولماذا أتيح لسكان هذه الأرض في أيام ما أن يكونوا أقوياء ويحكموا جوارهم؟.

إن هذا الصراع العبثي الدائر في المنطقة منذ أربعين أو خمسين سنة قد أضنى الجميع؛ الصراع اليوم بين إيران وامريكا، وقبله صراعات نظام صدام مع محيطه، وصراع القوى الكبرى... كلها أضحت صراعات عبثية في زمننا المعاصر. اليوم، دول العالم لا تبحث عن الحروب بل تبحث عن الشراكات، وكما يذكر روبرت كوبر في عبارة لطيفة: إننا انتقلنا من مفهوم هوبز للحروب بوصفها حرب الجميع ضد الجميع ولأن الحرب غاية في حد ذاتها وإثبات لوجود الأمة، مروراً بمرحلة كلاوزفيتز التي ترى أن الحرب امتداد للسياسة ولكن بوسائل أخرى، وصولاً في زمننا هذا إلى العودة لمفهوم سان تزو الذي يرى أن أفضل الحروب هي تلك التي تنتصر فيها دون أن تخوض حرباً.

لقد وصلنا إلى هذه المرحلة؛ فالعالم حالياً يبني الشراكات، والعراق اليوم يراد له أن يتحول من ساحة صراع تشكل خطراً على المنطقة إلى دولة تحقق الاستقرار والأمن الإقليمي والتوازن، دولة تحفظ الصراعات وتمنعها من الخروج عن السيطرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل وغيرها من الدول. هذا الدور هو ما فرضته جيوبوليتيكية العراق وجغرافيته التي تمنحه أن يكون الدينامو لتحقيق الاستقرار الإقليمي. لكن ما يمنع تحقق هذا السيناريو على أرض الواقع هو عدم وجود قيادة سياسية عراقية تستوعب الأحداث الجارية في المنطقة والعالم، وتدرك الدور المطلوب من العراق في هذه المرحلة.

ولذلك تلاحظون أن من متطلبات وجود مثل هذه القيادة وتحقيق هذا الهدف هو سيادة القانون؛ إذ ينبغي وجود دولة تستطيع فرض سيادة القانون على أراضيها، وتتحكم بقرار السلم والحرب، وتكون فاعلة ومؤثرة في سياستها الخارجية. ورغم أن هذا الأمر لم يتحقق بعد، إلا أن لدينا فرصة؛ فرصة للاستفادة من جراح الآخرين وصراعاتهم لنبني أنفسنا، ونشيد دولة عراقية تكون ضامنة للسلم والاستقرار الإقليمي، وضامنة لمستقبل أبنائنا وأحفادنا والأجيال القادمة.

لكن للأسف، ما زالت الطبقة السياسية العراقية –منذ زمن صدام وما قبله– تكرر الحماقة ذاتها؛ تريد أن تكون جزءاً من صراعات الآخرين، وأن تكتوي بنيرانهم، وأن تتحمل جراحهم، وكل هذا لأننا كنخب وقيادات سياسية لم نتعلم بعد ما ينبغي لبناء الدولة العراقية، والدول في الحقيقة هي كائن حي يتنفس ويتألم وينمو، وتحتاج إلى من يفهمها ويحول نقاط قوتها إلى مصدر قدرة حقيقية على الردع والتأثير والبناء.

جذور هيمنة الدولار ومعضلة الاقتصاد العراقي

- الاستاذ حامد الجبوري- مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

أود الإشارة بداية إلى أن أحد الأسباب الجوهرية لانتشار الدولار الأمريكي وهيمنته عالميا يعود إلى ما يعرف بصدمة نيكسون، ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، تم اعتماد قاعدة الذهب، حيث باتت كل دولة تحدد قيمة عملتها بناء على غطاء ذهبي محدد يجري التبادل على أساسه، حينها حددت قيمة أوقية الذهب بـ 35 دولارا أمريكيا، مما دفع العالم بأسره إلى اقتناء الدولار طمعا بالغطاء الذهبي الذي يقف خلفه.

ولكن، ومع حلول سبعينيات القرن الماضي، أدركت الإدارة الأمريكية أن حجم النقد الدولاري المصدر إلى الخارج بات يفوق بكثير حجم الاحتياطي الذهبي الذي تمتلكه، مما هدد موقعها المالي في العالم. وعلى إثر ذلك، وفي عام 1971، اتخذ الرئيس نيكسون قراره الشهير بفك ارتباط الدولار بالذهب، هذا القرار المفاجئ أجبر دول العالم على الاحتفاظ بما تملكه من دولارات؛ لأن التخلي عنها كان سيعني انخفاضا حادا في قيمتها وخسارة تلك الدول لثرواتها، وهكذا وجد العالم نفسه مضطراً للاهتمام بقيمة الدولار والمحافظة عليها، مما شكل أحد الأسباب الرئيسية لانتشار هذه العملة عالميا.

نجد أن العراق، كان في الغالب يتخذ موقع المتأثر بالأحداث وليس المؤثر فيها، وأحد الأسباب الرئيسية لذلك يكمن في العامل الاقتصادي، فالعراق يمتلك ثروة نفطية هائلة، وهي ثروة تعد نعمة كبرى لو تم استثمارها بالشكل الصحيح لبناء اقتصاد قوي قادر على إنتاج وتصدير السلع، بما يمنحنا القدرة على التأثير على المستويين الإقليمي والدولي، وعلاوة على ذلك، فإن النفط العراقي بحد ذاته يمتلك وزناً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى موقع العراق كأحد كبار اللاعبين من حيث الاحتياطي والإنتاج والتصدير.

لكننا وللأسف الشديد، لا نستثمر هذه الثروة اليوم في الاتجاه الصحيح؛ وتتجلى نتيجة هذا الإخفاق في المؤشرات الحيوية الواضحة للعيان، فنحن نلاحظ اليوم انخفاضا في مستوى التعليم، وتراجعا في القطاع الصحي، وتدنيا في مستوى دخل الفرد، فإن اتساع رقعة الفقر وزيادة أعداد الفقراء يجعل المجتمع والدولة أكثر عرضة للتأثر والخضوع للقرارات الإقليمية والدولية.

بناء على ذلك، فإن العمل على تأسيس اقتصاد عادل ومنصف، يكفل للمجتمع العيش بكرامة إنسانية، هو السبيل الأساسي لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وأعتقد جازما أن بناء هذا الاقتصاد يمثل الركيزة الأساسية للنهوض، والمدخل الحقيقي للانتقال بالعراق من موقع المتأثر إلى موقع المؤثر والفاعل، إقليميا ودوليا.

مفارقة الاستقرار وغياب الرؤية الوطنية

- الاستاذ محمد علاء الصافي- مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

هناك مفارقة تاريخية نلاحظها عند المقارنة بين حقبة الحرب العالمية الثانية والفترة الحالية التي تشهد صراعات عديدة حول العالم؛ كالحرب في أوكرانيا، والصراع الروسي الغربي، والصراع الدائر اليوم في الشرق الأوسط بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران كقوة إقليمية من جهة أخرى، فضلا عن الصراع بين باكستان والهند. المفارقة تكمن في أنه كلما برزت هذه الصراعات واحتدمت لتصل إلى لحظات الصدام المباشر والحروب، نجد أن العراق يميل إلى الاستقرار أكثر، وكأن أنظار العالم تبتعد عن السيطرة على موارده أو تركز بعيداً عن أهميته.

ويمكننا إرجاع هذا المشهد ومقاربته مع حقبة الحرب العالمية الثانية، وتحديداً ما جرى بين مصر والعراق؛ حيث كانت الدول الكبرى تسعى للسيطرة عليهما بوصفهما مجالا حيويا، فالتمدد الألماني وصل حينها إلى مصر واشتبك في معركة العلمين، وفي العراق كانت ثورة (أو انقلاب) رشيد عالي الكيلاني في مايس عام 1941 جزءاً من هذا الصراع الدولي ضمن المجال الحيوي، رغم بعد العراق الجغرافي عن ألمانيا والذي كان يفترض ألا يجعله متأثراً. وينسحب الأمر ذاته على التغيير الذي حدث في إيران بعزل الشاه رضا خان لتقاربه مع الألمان، فالصراعات الدولية قادرة على خلق بؤر توتر في أي نقطة في العالم، لا سيما إذا تعلق الأمر بطرق الإمداد والتمويل؛ ففي الحرب العالمية كان العراق ومصر بمثابة سلة غذاء للإنجليز، وطريقا حيويا لمرور الثروات والدعم القادم من الهند، ولذا كان تأمين هذه المناطق في غاية الأهمية بالنسبة لهم.

واليوم، أرى أننا نعيش فترة مشابهة تقريبا لتلك الحقبة، في ظل وجود صراعات إقليمية ودولية كبرى، وأعتقد أن هذه التحديات العالمية تمثل في الواقع فرصة ثمينة للعراق؛ ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتلك التحديات، تبتعد الأنظار نسبيا عن بلدنا ومنطقتنا، وهنا تبرز تساؤلات مهمة: كيف نستغل هذه الفرص الكبيرة؟ هل استثمارها مستحيل أم ممكن؟ في رأيي القاصر، من غير الممكن استثمار هذه الفرص دون وجود رؤية وطنية واضحة.

للأسف، لا نرى اليوم رؤية سياسية موحدة تجاه هذا الملف؛ فهناك جهات سياسية عديدة في العراق تعتقد بضرورة الاشتراك في هذه الصراعات، والاصطفاف إما مع الغرب أو مع إيران. لكن في الحقيقة، لسنا مضطرين كدولة للدخول في أي صراع، بل يفترض أن نبحث عن مصلحتنا أولاً. التدخل يكون مبرراً فقط إذا كان يحقق مصالحنا، وعندما نمتلك القوة التي تثبت وجودنا في الميدان وتجعلنا متقدمين علمياً واقتصادياً، بل من الممكن وقتها أن نلعب دوراً توافقياً أو متوازناً بين الجهات المتصارعة.

فالمشهد السياسي اليوم منقسم بين رؤية تميل لموقف دول الخليج، ورؤية تميل للموقف الإيراني، ورؤية ثالثة ضبابية تسعى فقط للاستفادة من ضعف الدولة العراقية الحالي للحصول على امتيازات آنية، بغض النظر عمن سيكون له التأثير والحكم في العراق غداً.

لذلك، أؤكد أن الرؤية الوطنية باتت غاية في الأهمية، وهذا هو الدور المنوط بما تبقى من الطبقة الوسطى والنخب للتركيز على هذا الخطاب وتكريسه، الرؤية الوطنية الجامعة تعني أن أقول: ليس لدي مشكلة اليوم مع أمريكا أو إيران أو غيرهما بشرط أن يدعموا مساري في بناء وتأسيس دولة حقيقية.

إن الدول العظمى اليوم تحتاج أصلاً إلى عراق قوي ومستقر، شأنه في ذلك شأن دول الخليج وتركيا. فنحن نتحدث عن اقتصاد بمليارات الدولارات وطرق حيوية لمرور البضائع، وقارة أوروبا اليوم تعيش خريف العمر كما يُقال، ولا يمكن ربط الشرق بالغرب بعيداً عن هذه المنطقة. فكيف يمكن أن تظل هذه المنطقة ساحة للحروب والنزاعات، في حين يفترض أن تضم أنابيب غاز ونفط ومخازن استراتيجية، وأن تكون منطقة لوجستية أساسية لمرور الاقتصاد العالمي، لا يمكن لأي دولة تحقيق هذا الترابط بمفردها؛ لذا يجب أن نستفيد من حاجة هذه القوى المتصارعة لتأمين مصادر عبور مواردها وسلاسل إمدادها الغذائية، ونسخر ذلك لبناء دولتنا.

حتمية الجغرافيا وروح الكفاح

- الاستاذ علي حسين عبيد- شبكة النبأ المعلوماتية:

تطرقت الورقة البحثية إلى العديد من النظريات والعلماء، ومن بين ما ذكرته قاعدة تفيد بأن أي أرض تقع بين هضبتين أو مرتفعين غالباً ما تكون أرضاً منتهكة أو ساحة لتصفية الحسابات. وأشرت تحديداً إلى موقع العراق المحصور بين مرتفعات إيران من جهة وتركيا من جهة أخرى، وإذا سلمنا بأن هذه حتمية جغرافية، فذلك يعني أن العراق واجه وسيواجه مشكلة مستدامة، وهو ما يثير القلق بالطبع.

لكنني، ورغم طبيعة الجغرافيا وما تقوله النظريات العلمية، أعتقد أن الكفاح الإنساني له دور بعيد الأثر في تثبيت واقع ومصير الشعوب التي تعيش في أي مكان، سواء أكان مرتفعا أم منخفضا، ففي الحالة العراقية إذا توفرت لهذا السهل المنبسط الممتد بين مرتفعين قيادة حقيقية ووطنية، ترتكز على مقومات الدولة الحديثة القوية، وتستند إلى مجتمع مستقر ومنتج، فإن العراق سيعيش حالة من التوازن، حتى مع تلك الدول ذات الجغرافيا المرتفعة.

ان الشعوب التي تمتلك هذه الروح لا يمكن لقضاياها أن تموت؛ فالقضية الفلسطينية، ورغم مرورها اليوم بمنعطفات ومنحدرات صعبة، ستبقى حية. بناءً على ذلك، أرى أن الإنسان –مهما كانت طبيعة جغرافيته أو قسوتها– هو من يمتلك الدور الحاسم في تحديد مصيره، وطريقة حياته، ومستقبله.

العراق من مأزق السياسة إلى أفق الاقتصاد

- د. خالد الاسدي- مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

من خلال متابعتنا لما يكتب عن العراق في الخارج، نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة؛ فدول العالم أجمع تفهم العراق، وتدرك أبعاد سياسته وأهمية موقعه الاستراتيجي، باستثناء السياسي العراقي الذي يبدو أنه لم يفهم بلده قط! ولذلك أقولها بصراحة: ما لم يمسك بزمام السلطة أشخاص يفهمون العراق حق الفهم، ويدركون طبيعة جغرافيته، ويعون ما يريده هذا البلد حقيقة، فلن تقوم للعراق قائمة أبداً.

وما هذه الأزمات المتلاحقة التي نعيشها إلا دليل واضح على هذا العجز الإداري والسياسي، فالدولة لم تستطع تقديم أبسط الخدمات لمواطنيها؛ ويكفي أن ينقطع وقود السيارات ليوم واحد فقط، حتى تندلع أزمة كبرى تشل حركة البلاد.

لذا، ومن أجل الخروج من هذا المأزق، يتحتم على العراق أولاً أن ينأى بنفسه تماماً عن جميع الحروب والصراعات الإقليمية التي تحيط به. وثانياً، يجب عليه أن يستعين بالاقتصاديين العراقيين الكفوئين والمدركين للاحتياجات الحقيقية للبلد؛ فالعراق، بما يمتلكه من جغرافيا مميزة ومقومات وثروات هائلة، مؤهل تماماً لأن يكون جوهرة الشرق الأوسط، ولكن وللأسف الشديد، فإن السياسة –وطريقة إدارتها– هي التي انحدرت ببلدنا إلى هذا الحضيض.

عقلية الغنيمة وتهديد الأمن الوطني

- الاستاذ حسين شاكر العطار/ باحث اكاديمي:

يتأثر الأمن الإقليمي العراقي بشكل كبير بالوضع الجيوسياسي والأمني في المنطقة، فإن تأثره بالعوامل الخارجية يفوق تأثره بالداخلية، لكن المسألة الأهم تكمن في أن الطبقة السياسية الحالية في العراق تفتقر إلى أي هدف حقيقي؛ وقد أجمع المختصون من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين على تشخيص هذا الخلل الخطير، معتبرين أن وجود هذه النخبة بحد ذاته يمثل المهدد الأكبر للأمن الوطني العراقي، أنا شخصياً أشبه هذه النخبة بأنها هي الخطر على الأمن، والخطر هنا لا يكمن في أشخاصهم بل في أفكارهم؛ أفكارهم خطيرة جداً لأنها لا تسعى لبناء الدولة، بل تتجه نحو تهديمها.

لقد تحول مفهوم فلسفة الدولة في العقل السياسي العراقي إلى مجرد البحث عن الغنيمة، والسطوة، والسلطة، والمكاسب الشخصية، وللأسف منذ عام 2003 وحتى الآن، لا يوجد في هذه الطبقة رجل رشيد، بل إن من يعتبر عراباً للدولة العميقة يظهر على شاشات التلفاز، وكان كل همه ينصب على كيفية إدارة الانتخابات وتحقيق المغانم.

إن هذا التفكير المنحصر في الانتخابات يعني التفكير فقط في البقاء بالسلطة، وهو أخطر ما يهدد الأمن الوطني العراقي على المدى البعيد؛ فبقاء هذه الطبقة وهيمنتها حال دون نشوء طبقة وسطى، وأزاح النخب الحقيقية، وهمش القطاع الخاص بشكل ينذر بالخطر.

أما فيما يخص كيفية استغلال العراق لمقوماته وموقعه، فنحن نمتلك الكثير من الفرص، وأهمها فرصة تحقيق الاستقرار؛ فمتى ما توفر الاستقرار، تواردت الأفكار والفرص والعروض. يضاف إلى ذلك أن للعراق امتداداً جغرافياً واسعاً –أشبه بالأخطبوط– يربطه بالسعودية وسوريا وتركيا، وحتى إيران التي يمكننا الاستثمار في علاقتنا معها بما يخدم مصلحتنا الداخلية. لكن للأسف، لم يستفد من هذا الموقع الحيوي، فمن الناحية الجيوسياسية يعد العراق شبه دولة حبيسة؛ إذ لا يتجاوز منفذه البحري 50 كيلومتراً، مما يجعل تصدير نفطنا، واستقرارنا، وأمننا، واقتصادنا مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدول الأخرى. ولهذا، لابد من إدراك أن الاستقرار الداخلي هو ما يولد الاستقرار الخارجي والعلاقات الطيبة.

إننا نعيش اليوم فرصة حقيقية للاستقرار، لكننا نخشى أن نفقدها، وقد نضيعها لعشرات السنين القادمة، فإذا سارعنا إلى تصحيح وضعنا الداخلي الآن، يمكننا أن نؤسس لاستقرار يدوم لعشر أو عشرين سنة، ولكن لا سمح الله، إذا تأخرنا عقداً آخر من الزمن، فقد نحتاج إلى ما لا يقل عن نصف قرن لتصحيح الأخطاء التي ارتكبناها خلال 25 سنة الماضية.

مصفوفة (سوات) خارطة طريق لنهضة العراق

- الاستاذ حسين علي عبيد- مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

 إن ما يحتاجه العراق ونخبه السياسية اليوم لتفعيل دوره الجيوسياسي، هو تطبيق ما يعرف بـمصفوفة سوات الإستراتيجية، فهذه المصفوفة تعنى بتحليل واقع الدولة من خلال تشخيص نقاط القوة والضعف، ومطابقتها مع الفرص المتاحة والتهديدات المحدقة، وإذا ما أسقطنا هذا التحليل على الواقع العراقي، سنجد أنفسنا أمام مجموعة من نقاط القوة تقابلها نقاط ضعف، وفرصاً يقابلها تحديات وتهديدات.

فمن أبرز نقاط القوة التي يمتلكها العراق موقعه الجغرافي الاستراتيجي في قلب قارة آسيا، والذي يمثل حلقة وصل رابطة بين تركيا وإيران ودول الخليج، لكن في المقابل، تبرز نقطة ضعف جوهرية تقوض هذه الميزة، وتتمثل في تأثر القرار العراقي وارتهانه للتنافس الإقليمي والدولي؛ وللتغلب على هذا الخلل، يجب تحصين القرار الوطني ومنع ارتهانه للإرادات الخارجية.

وفي السياق ذاته، يمتلك العراق قوة أخرى تتجلى في احتياطياته النفطية ومقوماته الاقتصادية والزراعية الهائلة، إلا أن نقطة الضعف القاتلة هنا تكمن في الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر وحيد للدخل، وهو ما يتطلب معالجة حقيقية عبر تنويع مصادر الاقتصاد وتفعيل القطاع الزراعي وغيره من القطاعات.

أما على صعيد الفرص، فإننا نمتلك فرصة سانحة لتحويل موقع العراق الجغرافي إلى ممر عالمي حيوي للنقل والتجارة بين آسيا وأوروبا، غير أن هذا الطموح يصطدم بتهديد مستمر يتمثل في الصراعات والتنافس الدولي الدائم الذي تعيشه منطقتنا. وهناك فرصة أخرى بالغة الأهمية تتمثل في شبكة الشراكات المتاحة مع دول كبرى كالولايات المتحدة والصين، وتحديداً في القطاع النفطي الذي يوفر آفاقاً واعدة، لكن هذه الفرصة يوازيها تهديد خطير يتعلق بتقلبات أسعار النفط عالمياً؛ فباعتبارنا بلداً ريعياً يعتمد على النفط، سيؤدي أي انخفاض في أسعاره إلى تضرر دخلنا القومي بشكل مباشر.

في المحصلة، إن ما يحتاجه العراق هو امتلاك نظرة استراتيجية ثاقبة لواقعه، تقوم على تعزيز نقاط القوة لتقليص نقاط الضعف، واستغلال الفرص المتاحة لدحر التهديدات، وإذا ما استطاع الشعب العراقي، جنباً إلى جنب مع حكومته وسياسييه، توظيف هذه المصفوفة واستخدامها بصورة صحيحة، فإننا سنتمكن حتماً من الوصول إلى حلول ناجعة، والعيش في واقع أفضل بكثير.

من فوضى الزعامات إلى براغماتية بناء الدولة

- الاستاذ احمد جويد- مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

إن العراق ليس حالة استثنائية عن بقية دول العالم، ففي أوروبا مثلاً، شاهدنا كيف كانت يوغسلافيا بالأمس دولة موحدة، ثم تفتتت إلى مجموعة من الدول بسبب الصراعات. وفي المقابل، بينما لا يزال العراق يحافظ على وحدته تقريباً، نرى دولاً أخرى كالسودان قد قسمت أو ضعفت. وعلى الجانب الآخر، هناك دول استفادت من إمكانياتها والفرص المتاحة لها وبدأت بتوسيع نفوذها خارج حدودها، كدول الخليج؛ فالإمارات مثلاً تستثمر اليوم في الزراعة وشراء الأراضي في السودان وجنوب شرق آسيا، وتستثمر في مناجم الذهب وغيرها. هذه الدول تستغل الفرص المتاحة لتتطور وتكبر وتنمو بشكل طبيعي.

أما مشكلة العراق الجوهرية فتكمن في افتقاره إلى وحدة القرار السياسي منذ عام 2003، فما نراه اليوم هو مجرد زعامات مستفيدة من السلطة والأموال، ويبدو أن هذه الزعامات مرتاحة لهذا الوضع؛ إذ يروق لها بقاء العراق على حاله هذه، مفضلة إياها على بناء عراق قوي يحاسب فيه الفاسد ويتساوى فيه الجميع تحت مظلة القانون.

لذلك، نحن بأمس الحاجة إلى نخبة تنهض بالبلد، فالأمم عادة تنهض حين يقيض لها قائد عظيم أو مفكر ينتشلها من واقعها؛ ولنا في التاريخ أسوة، كيف جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) شتات الأعراب بأخلاقه ومثابرته وصنع منهم أمة عظيمة. وكذلك الهند التي كانت تقبع تحت الاحتلال البريطاني، فجاء غاندي وبدأ معهم بأبسط القضايا كالنظافة وغيرها، حتى نهض بهم وتحولت الهند اليوم إلى واحدة من كبريات الدول المتقدمة.

العراق اليوم أمامه فرص كبيرة، لكن ما ينقصه هو إجادة لعبة التحالفات، فهو غالباً ما يتحالف مع الدول الضعيفة أو المأزومة، بدلاً من التحالف مع الدول القوية التي تشد من عضده، تاريخياً –وبنظرة موضوعية– نجد أن بريطانيا هي التي أسست الدولة العراقية الحديثة؛ فهي من عبدت الطرق، ونظمت الجسور والسكك الحديدية والسدود ومنظومات الري، وبنت مؤسسات الشرطة والمطارات التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، وخلال فترة التحالف في العهد الملكي مع بريطانيا، شهد العراق نهضة سريعة جداً.

وبعد عام 2003، لم يستطع العراق استثمار علاقته مع الأمريكيين الذين جاؤوا رغبةً في خلق نموذج ديمقراطي وبرلماني في الشرق الأوسط. للأسف، لم تفهم نخبنا السياسية هذه اللعبة؛ فالتحالف مع الدول الكبرى لا ينقص من سيادتك شيئاً، لأن كل دول العالم تبحث عن مصالحها. إسرائيل، على سبيل المثال، كانت تعتمد على تحالفها وتأثيرها القوي داخل لندن، ولكن عندما بدأت دولتهم تنمو وضعفت بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أدركوا أن الثقل الحقيقي انتقل إلى أمريكا، فغيروا بوصلتهم نحوها. هذه هي لعبة الدول التي يجيدها السياسيون والنخب الحقيقية.

نحن نفتقر إلى هذه العقليات والنخب التي تتخلص من العقد والعواطف، وتتخلى عن محاولات إرضاء الجمهور بأساليب شعبوية لكسب الانتخابات، نحن بحاجة إلى نخبة فاعلة وناجحة تمتلك مبضع جراح ذكي وفطن؛ جراح يتخذ القرار الصحيح حتى وإن تألم الشعب منه مرحلياً، ويتحمل المسؤولية بشجاعة أمام سيل الاتهامات بالعمالة والانبطاح. فإذا أصر هذا القائد على العلاج الصحيح، واختار التحالفات الصائبة، سيمضي بالعراق نحو بر الأمان.

يمتلك العراق مقومات بشرية هائلة، ويكفي أن نذكر أنه بعد توقف الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، صرح وزير الصحة البريطاني حينها بأن لندن قد تشهد أزمة صحية، متوقعاً عودة أغلب الأطباء العراقيين إلى بلدهم بعد أن أصبح بيئة مستقرة خالية من الحروب. لكن العراق لم يعرف كيف يستقطب هذه العقول التي تبني اقتصادات العالم، سواء في النرويج أو في وكالة ناسا أو في كبريات الجامعات العالمية، بل على العكس، حارب العقول الجيدة الموجودة لديه وطردها.

هذا هو وضع العراق الحالي، إنه بحاجة ماسة لمن يفكر في بناء الدولة بعقلية تستوعب قضية التحالفات جيداً، لا مجال للتحالف مع دولة والتمسك بها على علاتها وأخطائها بدافع العاطفة أو الصداقة، يجب التوجه نحو الحليف القوي الذي يوفر ممرات آمنة، ويضمن وصول نفطنا إلى الأسواق العالمية بسهولة، ويقدم الحماية والتسليح، ويساهم في تطوير مصانعنا ومعاملنا. وإذا ضعفت هذه الدولة في فترة ما أو بدأت بالتضييق علينا، ننتقل ببساطة إلى دولة أقوى، هذه هي لعبة بناء الدول؛ إنها مصالح خالصة لا مكان فيها للعواطف.

العراق بين التحديات وحتمية الشراكة

- الاستاذ صادق الطائي- باحث اكاديمي:

مما لا شك فيه أن الموقع الحساس للعراق قد فرض عليه مجموعة من التحديات، يتصدرها تحدي امتلاكه لمخزون هائل من البترول يفوق ما تمتلكه العديد من دول الجوار. فالعراق بلد يحده من الجنوب الخليج ودول النفط، ومن الشمال دول أوروبا التواقة للطاقة، بينما تحده من الشرق دول آسيا المستوردة للنفط.

إضافة إلى ذلك، فإن حركة التصدير والاستيراد وعمليات التوزيع تضفي جميعها أهمية بارزة ودورا سباقا للعراق بفضل موقعه المتميز، كل هذه المعطيات المجتمعة جعلت من هذا الموقع حساساً ودقيقاً للغاية.

ومع ذلك، أعتقد أن العراق بمفرده لا يستطيع أن يصنع دورا إقليميا بارزا وقياديا، إلا إذا اتجه نحو الاتحاد مع إيران لبناء كيان سياسي موحد؛ كيان يمتلك قدرات سياسية ومادية وبشرية متكاملة، فهذا الاتحاد من شأنه أن يزرع الرهبة ويحقق الردع ضد أي طرف خارجي يفكر في العدوان أو السيطرة على هذا الكيان.

وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية الاستاذ حسيني الاطرقجي بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بملتقى النبأ الاسبوعي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق