تحاول الحكومة الجديدة الابتعاد عن محاور الصراع الإقليمي والدولي، كخطوة أساسية لحماية استقراره الداخلي، وتوفير بيئة آمنة للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتعزيز التنمية المستدامة، واعتماد سياسة خارجية نشطة تقوم على إدارة العلاقات بشكل متوازن وتعزيز العلاقات مع الدول المؤثرة دولياً، والسعي لبناء علاقة متميزة مع الدول العربية، ولا سيما...

عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان "السياسة الخارجية في برنامج الحكومة العراقية الجديدة"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعد الورقة البحثية وقدمها الاستاذ حسين شاكر العطار وهو باحث اكاديمي في جامعة كربلاء، وابتدأ حديثه قائلا:

"إن اعتماد البرنامج الحكومي لحكومة السيد علي الزيدي بأن إبعاد العراق عن محاور الصراع الإقليمية والدولية شرط أساسي للاستقرار الداخلي، يظهر إقرارا بأن الدولة تعيش حالة من التوازن الهش في ظل البيئة الجيوسياسية الراهنة.

وتشير بنود مثل تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتطوير العلاقات مع دول الخليج والدول العربية، ودعم المشاريع التنموية مع تركيا، ومنع تحوّل العراق إلى نقطة عبور لشنّ هجمات على دول أخرى، إلى أن ملف السياسة الخارجية تمثل أعقد ملفات حكومة الزيدي بسبب الصراع الإقليمي، وموقع العراق الجيوسياسي، وتعدد مراكز القرار السياسي، ويتم معالجتها جنبا إلى جنب مع قضايا الأمن والاقتصاد والسيادة، كونها (اي السياسة الخارجية) تؤثر وتتأثر بها (هذه القضايا). وفي هذا السياق، فان الحكومة تسعى الى الحفاظ على توازن القوى في العراق واعادة ترتيب الاوراق الداخلية.

ولعل من ابرز التحديات التي تواجه حكومة الزيدي وربما اعقدها هو ملف السياسة الخارجية في هذا الوقت المهم والحساس، حيث يرتبط هذا الملف وعوامله مع ملفات حيوية اخرى (مثل الامن والاقتصاد)، والخطورة في هذا التوقيت هو قد تستأنف الحرب الاقليمية عملياتها العسكرية في اي لحظة بالرغم من وجود جهود دبلوماسية ودولية حثيثة ولكن سيناريو عودة العمليات العسكرية وارد للغاية.

وثمة خطورة اخرى تتمثل بموقع العراق الجيوسياسي الذي يجعله بصدارة المتأثرين في اي حرب او تهديد اقليمي، وكذلك هنالك عامل مهم في البيئة السياسية الداخلية، وهي ان بعض الاطراف السياسية المتأثرة بالمتغيرات الاقليمية وهذه بدورها ستنعكس بالتأكيد على ادائها داخل العملية السياسية كونها متعددة الاقطاب ومنقسمة فيما بينها وهي متعددة الولاءات وايضا متعددة العلاقات الخارجية على حساب السياسة الخارجية للحكومة العراقية، وهذا يؤدي الى غياب مفهوم واضح لدى هذه القوى حول المصلحة الوطنية العراقية.

ونتيجة لذلك فان البيئة السياسية الداخلية العراقية الهشة ساهمت في تحويل العراق الى ساحة صراع اقليمي، حيث نرى اليوم ان العراق يتلقى الضربات من جميع الفواعل الاقليمية المتصارعة وان بعض العمليات العسكرية لهذه الاطراف تنطلق من داخل العراق.

وبعد ما تحوّل العراق إلى ساحة صراع إقليمي تحاول الحكومة الجديدة الابتعاد عن محاور الصراع الإقليمي والدولي، كخطوة أساسية لحماية استقراره الداخلي، وتوفير بيئة آمنة للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتعزيز التنمية المستدامة، واعتماد سياسة خارجية نشطة تقوم على إدارة العلاقات بشكل متوازن وتعزيز العلاقات مع الدول المؤثرة دولياً، والسعي لبناء علاقة متميزة مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج العربي ودول الجوار الإقليمي، على أساس المصالح المشتركة، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والاستراتيجية التي وقِعت مع الدول المجاورة والصديقة، بما يعزز العلاقات الثنائية مع تلك الدول ويصب في مصلحة العراق، من خلال تفعيل اللجان المشتركة ودعم مشاريع الربط الإقليمي في مجالات الطاقة والتجارة والنقل، ومنها طريق التنمية، والعمل على إيجاد حلول سريعة لإنجاز هذا المشروع الحيوي، وهذه الخطوات يفترض بان لا تكون على حساب المصلحة والسيادة الوطنية.

الصراع الامريكي الايراني وموقف الحكومة الجديدة

من المؤمل أن تمثل إدارة السيد على الزيدي للعلاقات الخارجية مع كل من الولايات المتحدة الامريكية وجمهورية إيران الاسلامية في آن واحد عنصر توازن القوى وحفظ مصالح الدولتين بما ينسجم مع المصلحة العراقية العليا وعدم فقد دعم احد الطرفين لحكومته مما يسبب في زعزعة هذا التوازن الدولي والاقليمي لاستقرار الحكومة.

حيث ساهم الدعم الأمريكي والإيراني للزيدي في تسهيل تشكيل حكومته، إلا أن هذا الدعم قد يتحول إلى مصدر ضغط خلال المرحلة التنفيذية للحكومة، حيث يوفر تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة أرضية لتعزيز العلاقات المؤسسية والدبلوماسية لحكومة الزيدي.

في المقابل، يرتبط هذا الملف ارتباطا مباشرا بالنقاش الدائر حول الوجود العسكري الأمريكي في العراق (الخادش للسيادة) وكذلك مصالح الدول الخليجية والعلاقة مع سوريا وتركيا، بينما من جهة اخرى فان الموقف من تطلعات إيران الأمنية و استمرار النفوذ الإيراني في العراق أحد التحديات الرئيسية التي قد تحدّ من قدرة الزيدي على التحرك في مجال السياسة الخارجية، كون ان الولايات المتحدة الامريكية تضغط باتجاه الابتعاد عن المحور الايراني، لذلك يحمل هدف إبعاد العراق عن محاور الصراع الإقليمية والدولية أهمية بالغة في برنامج الحكومة.

فالولايات المتحدة لم تعد تبحث بالضرورة عن شخصيات تحمل خطاباً غربياً مباشراً، بقدر ما تبحث عن شخصية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية من دون تهديد المصالح الأمريكية الاستراتيجية في العراق والمنطقة ومن هنا يمكن فهم الترحيب الأمريكي السريع بالزيدي باعتباره مؤشراً على رغبة واشنطن في التعامل مع شخصية لا تمتلك مشروعاً أيديولوجياً صدامياً، ويمكن احتواؤها سياسياً ضمن معادلات النفوذ القائمة، وهذا ما كشف حجم البراغماتية التي تحكم السياسة الأمريكية في العراق.

ويرى البعض ان تكليف السفير الامريكي في تركيا مبعوثا رئاسيا خاصا بملف العراق وسوريا بالاضافة الى مهامه كسفير في تركيا، معنى ذلك زيادة ضغط الولايات المتحدة على رفع وفك ارتباط العراق من خانة التأثيرات الايرانية والحاقه في معسكر تركيا المسموح لها من قبل الولايات المتحدة الامريكية بالتوسع لملأ توازن القوى المحلية في العراق وسوريا. 

بينما ايران ما بعد الحرب الاخيرة اصبحت اكثر تشددا باعتبار انها خرجت من حرب رغم فقدها لمرشدها واغلب قيادات الصف الاول ولكن لها علوّ الكعب، حيث استفادت من موقعها الجيوسياسي من خلال اغلاق مضيق هرمز الذي اثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي والاقتصاد العراقي المتهالك اصلا، ناهيك عن وجود مناصرين للسياسة الايرانية في العراق، مما يجعلها احد اهم اوراق الضغط على الحكومة الجديدة لغرض توسعة المصالح الايرانية ومداراتها بالشكل الذي يضمن لها الافلات من اثار العقوبات الامريكية عليها وانعاش اقتصادها المتهالك ايضا، لذلك سارعت ايران الى الترحيب ودعم تشكيل حكومة الزيدي لغرض استباق الاحداث وتثبيت شروطها التي تساهم في حفظ مصالحها في العراق.

وبعد استكمال طرح الورقة تم طرح السؤالين التاليين:

السؤال الاول: هل تعكس السياسة الخارجية في البرنامج الحكومي رؤية سيادية قابلة للتنفيذ ام انها تصطدم ببنية داخلية وخارجية.

السؤال الثاني: كيف يمكن للحكومة ان تحول مبدأ التوازن وإبعاد العراق عن الصراعات الى مسار عملي عبر ادوات سياسية ومؤسسية واقتصادية واضحة؟

المداخلات

غياب التخطيط الاستراتيجي وأولوية الدبلوماسية الاقتصادية

- د. علاء الحسيني، مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

عندما نتحدث عن السياسة الخارجية لبلد مثل العراق، فإننا ينبغي أن ننطلق من سؤال مركزي، وهو: هل توجد أصلا رؤية بعيدة المدى لسياسة خارجية متوازنة؟ وهل هناك دراسة حقيقية لأبعاد هذه السياسة؟ وهل تمتلك الدولة مؤسسات راسخة تتولى رسم هذه السياسة وتنفيذها وفق رؤية استراتيجية واضحة؟

إن الفترة التي منحت للسيد الزيدي لإعداد برنامجه الحكومي كانت قصيرة جدا، ولم يكن منشغلا بإعداد البرنامج الحكومي بقدر انشغاله بإرضاء الكتل السياسية، من أجل الحصول على الدعم اللازم لتمرير حكومته وأعضائها من الوزراء وغيرهم. كما أن قرار تكليف السيد الزيدي جاء بصورة مفاجئة، ولو كان مهيأً مسبقا لتولي رئاسة الوزراء، واتيحت له مدة زمنية كافية لتبلور هذه الفكرة، لكان بإمكانه بناء تصورات أكثر نضجا بشأن الأبعاد السياسية، سواء الخارجية أو الأمنية أو الاقتصادية، وغيرها من مجالات إدارة الدولة.

لذلك، لا أتوقع كثيرا من الحكومة العراقية في هذا المجال، وأرى أن سياستها ستظل إلى حد كبير سياسة انتقائية على مختلف الأصعدة ومنها الصعيد الخارجي، كما أنها ستكون أقرب إلى سياسة تقوم على ردود الأفعال أكثر من كونها سياسة ذات بعد استراتيجي، مع استمرار محاولات النأي بالعراق عن سياسة المحاور، والابتعاد عن الانخراط المباشر في الصراعات بين الأطراف الدولية الفاعلة، أو في الأحداث المتسارعة على المستويين الإقليمي والدولي.

ولا شك أن هذه المقاربة كان لها جانب إيجابي، إذ أسهمت إلى حد ما في إبقاء العراق بمنأى عن الانخراط المباشر في الحروب الكبرى التي شهدتها المنطقة، وأقصد هنا الجانب العسكري تحديدا، وإن كانت ارتدادات تلك الصراعات قد أصابت العراق، شأنه شأن بقية دول المنطقة، على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية.

إلا أن هذه المقاربة على أهميتها، لا تكفي لبناء سياسة خارجية استراتيجية ومتوازنة، وقادرة على الصمود والاستمرار في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

فالعراق بلد حباه الله سبحانه وتعالى بمقومات بشرية ومادية وجغرافية كبيرة، وإذا لم تكن هناك خطة استراتيجية حقيقية لاستثمار نقاط القوة هذه، فلا أتصور أننا سنتمكن من التقدم خطوة إلى الأمام، أو من مواجهة المخططات التي تحاك للعراق وللمنطقة عموما، في ظل وجود قوى وتحالفات دولية وإقليمية كبيرة تمتلك تأثيرا واسعا في توجيه مسارات المنطقة ودولها وشعوبها.

ومن هنا، أرى أن من المهم تقديم نصيحة للحكومة، تتمثل في التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها خيارا استراتيجيا في المرحلة الحالية، لما يمكن أن تحققه من مكاسب يحتاجها العراق، ولو على المدى القريب، فضلا عن دورها في دعم القطاعات الإنتاجية، سواء في الصناعة النفطية أو الصناعات الأخرى، وكذلك القطاع الزراعي.

وينبغي أن تنفتح هذه الدبلوماسية على مختلف الشركاء، بدءا من دول الجوار كتركيا والكويت، وصولا إلى الدول الكبرى والفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى المؤثرة.

ذلك أن العراق لا يمتلك -في المرحلة الراهنة- أدوات تمكنه من منافسة هذه الدول وتحالفاتها على المستويات السياسية أو العسكرية، بينما يمتلك ميزة مهمة تتمثل في إمكاناته الاقتصادية الكبيرة، وما يزخر به من ثروات وموارد يمكن استثمارها بصورة أفضل لتحقيق المصالح الوطنية وتعزيز مكانة العراق في علاقاته الخارجية.

من عقلية التبعية إلى الدبلوماسية المبادرة

- الشيخ مرتضى معاش:

إن السياسة الخارجية تمثل أحد أهم أدوات توفير الحماية للدولة، فهي الإطار الذي تبنى من خلاله العلاقات مع الدول الأخرى، عبر التحالفات والمصالحات والتحركات الهادفة إلى تعزيز عناصر القوة داخل الدولة، بما يسهم في حماية مصالحها وصون أمنها واستقرارها.

غير أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة العقلية التي تدار بها السياسة الخارجية، فما زالت هناك عقلية أقرب إلى التبعية منها إلى السيادة، وهي عقلية تناسب الدول الصغيرة التي تعتمد في أمنها وحمايتها على قوى خارجية، أما العراق فهو دولة ذات تاريخ عريق، وحضارة ممتدة، وإمكانات وموارد كبيرة، ولا ينسجم مع مكانته أن تدار سياسته الخارجية بعقلية التبعية، لأن ذلك يبقيه على هامش التفاعلات الدولية، ويضعف قيمة سياسته الخارجية ومكانته واحترامه بين الدول.

لذلك، فإن الانطلاقة الحقيقية يجب أن تكون من عقلية الاستقلال والسيادة، وبناء سياسة خارجية تستند إلى الاستقلال في القرار، مع التعامل مع الآخرين بما ينسجم مع القيم الأخلاقية والمصلحة الإنسانية. فمفهوم السيادة في جوهره، هو أحد أشكال الاحترام الإنساني، وهو انعكاس للأخلاق التي ينبغي أن تحكم سلوك الدولة في علاقاتها الخارجية. ومن هنا، فإن أولى خطوات الإصلاح تتمثل في الانتقال من عقلية التبعية إلى عقلية السيادة.

أما النقطة الثانية، فهي ضرورة الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، ومن حالة الدفاع المستمر إلى الفعل المؤثر، فقد اتسمت السياسة الخارجية خلال فترات طويلة بطابع إطفائي، ينحصر في معالجة الأزمات والمشكلات بعد وقوعها، دون وجود مبادرات حقيقية لبناء الأولويات والأسس التي تعزز السيادة وتحمي مصالح الدولة، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب تفكيرا مختلفا يقوم على المبادرة والتخطيط الاستباقي، بعيدا عن عقلية ردود الأفعال.

وتبرز بعد ذلك أهمية العمل على تصفير النزاعات، بحيث تتحرك السياسة الخارجية باتجاه تقليل بؤر الصراع مع مختلف الدول والمجموعات والأديان والمذاهب والدول المجاورة وغيرها، فمصلحة العراق لا تتحقق من خلال النزاعات والصراعات، لاسيما أن جانبا كبيرا منها هو نزاعات غير حقيقية أو مفتعلة، تسهم بعض الجهات في تغذيتها لإبقاء العراق في حالة ضعف واستنزاف.

ومن المحاور المهمة كذلك الدبلوماسية الاقتصادية، التي ينبغي ألا تقتصر على المؤسسات الاقتصادية داخل العراق، وإنما تكون جزءا أصيلا من عمل وزارة الخارجية، من خلال التنسيق والتعاون مع مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية لبناء علاقات اقتصادية قوية مع دول العالم.

فهذه العلاقات تحقق فوائد متعددة، يأتي في مقدمتها تطوير القطاع الخاص عبر جذب الشركات والمؤسسات العالمية القادرة على الإسهام في تنمية رأس المال البشري، ونقل الخبرات، ورفع كفاءة الموارد البشرية، ويمكن -على سبيل المثال- العمل مع دول مثل النرويج وغيرها لاستقطاب الشركات والمؤسسات التي تمتلك خبرات متقدمة في هذا المجال، بما ينعكس إيجابا على عملية بناء القدرات البشرية.

كما تسهم الدبلوماسية الاقتصادية في بناء تحالفات استراتيجية، ولعل تجربة دولة قطر تمثل مثالا واضحا في هذا السياق، إذ تقوم قوة جانب من علاقاتها الخارجية على استثماراتها الاقتصادية في شركات عالمية كبرى، ومنها امتلاكها حصصا في شركات مثل "فولكس واكن". ولا تقتصر فائدة هذه الاستثمارات على تحقيق العوائد المالية، بل تمتد إلى تعزيز العلاقات مع الدول التي ترتبط بهذه الاستثمارات، بما يجعل تلك الدول أكثر حرصا على حماية مصالحها الاقتصادية واستمرارها.

ومن القضايا المهمة أيضا العمل على إنجاز تفاهمات لتطوير قطاع السياحة مع مختلف الدول، ومن بينها إعادة النظر في إجراءات منح التأشيرات (الفيزا)، فليس هناك ما يمنع العراق من المبادرة إلى تسهيل إجراءات الدخول، حتى وإن كانت بعض الدول لا تمنح العراقيين المعاملة نفسها. فالعراق ينبغي أن يتحرك وفق ما يحقق مصلحته الوطنية، خاصة أن حركة العراقيين إلى الخارج كبيرة، كما أن تجربة تسهيل إجراءات التأشيرات بين العراق وإيران حققت فوائد اقتصادية وسياحية للطرفين، ويمكن أن تتضاعف هذه الفوائد في حال توسعت التسهيلات لتشمل دولا أخرى، مثل تركيا ودول الخليج، ولا سيما أن ارتفاع رسوم التأشيرات يمثل عائقا أمام كثير من الزائرين، ومن شأن تسهيل الدخول أن يعزز السياحة، ويخدم القوة الناعمة للعراق، ويقدم صورة إيجابية عنه، ويفتح المجال لبناء علاقات وتحالفات أفضل.

ومن الجوانب التي تستحق اهتماما أكبر استثمار السفارات العراقية في الخارج، بحيث لا يقتصر دورها على العمل القنصلي التقليدي، وإنما تتحول إلى أدوات فاعلة في بناء العلاقات مع الجاليات العراقية. فهذه الجاليات تمثل امتدادا طبيعيا للعراق داخل المجتمعات التي تعيش فيها، ويمكن أن تكون جسرا مهما لتقوية العلاقات مع تلك الدول، إذا جرى التواصل معها، ودعمها، والاستفادة من خبراتها وإمكاناتها بما يخدم المصالح الوطنية.

وفي الختام، فإن هذه تمثل بعض النقاط الأساسية التي ينبغي أن تحظى باهتمام برنامج الحكومة في مجال السياسة الخارجية، ونأمل أن يقدم رئيس مجلس الوزراء برنامجا فاعلا ومثمرا في هذا المجال، لاسيما أن الظروف الراهنة تتيح للعراق فرصة مهمة لبناء علاقات دولية متوازنة، فالعراق يعيش اليوم مرحلة الانتقال من منطق العسكرة في علاقاته الخارجية إلى الدبلوماسية الناعمة، وهي فرصة ينبغي استثمارها وتطويرها بالشكل الأمثل، بما يجعل السياسة الخارجية مصدرا إضافيا لقوة العراق وحضوره الإقليمي والدولي.

بين ضغوط المحاور وإعادة بناء الرؤية الاستراتيجية

- الاستاذ محمد علاء الصافي، مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

ما تزال ملامح السياسة الخارجية للحكومة الجديدة غير واضحة حتى الآن، ولا سيما أنها ورثت حكومة لم تتسم سياساتها الخارجية، بل وحتى الداخلية، بالاتزان أو الوضوح في التوجهات.

فالحكومة السابقة، برئاسة السيد السوداني، لم يكن لها مسار واضح؛ إذ كانت تبدو في بعض الأحيان أقرب إلى المحور الأمريكي وحلفائه، وفي أحيان أخرى أقرب إلى المحور الإيراني وحلفائه. وقد أسهم هذا التذبذب في إحداث حالة من عدم الاستقرار، خاصة بعد التطورات التي شهدتها المنطقة منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وما أعقبها من اتساع رقعة الحرب لتشمل لبنان وإيران، وتمتد تداعياتها إلى دول الخليج، وصولا إلى العراق.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن اختبار التوازن في السياسة الخارجية لم يكن ناجحا في المرحلة السابقة، في ظل الضغوط الكبيرة التي مارستها المحاور الإقليمية والدولية. أما اليوم، فإن حكومة السيد الزيدي مطالبة بمعالجة هذا الملف بحذر ودقة، لكون العراق دولة يصعب عليها أن تنحاز بصورة كاملة إلى محور معين في مواجهة محور آخر، بحكم أن معظم القوى الإقليمية المؤثرة تمتلك حضورا وتأثيرا مباشرا في المشهد العراقي.

فعلى سبيل المثال، إذا قررت حكومة السيد الزيدي المضي باتجاه انفتاح كامل على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، فقد يحظى هذا الخيار بتأييد شعبي لدى بعض الأوساط. لكن يبقى السؤال: هل ستسمح الأطراف المقابلة بحدوث ذلك؟ فالواقع يشير إلى أن لهذه الأطراف تأثيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية داخل العراق، وهو ما قد يضع الحكومة أمام أزمات وصراعات داخلية، وربما يقود إلى مراحل أكثر تعقيدا.

لذلك، أرى أن الخيار الأفضل يتمثل في احتواء مختلف الأطراف، وإبعاد الساحة العراقية عن أن تكون ميدانا لصراع المحاور الخارجية. ويمكن تحقيق ذلك عبر توسيع الشراكات، وتفعيل الدبلوماسية الناعمة مع الغرب، ومع دول المنطقة على وجه الخصوص.

واليوم، يواجه العراق تحديا إضافيا يتمثل في طبيعة علاقاته مع دول الجوار بعد الحرب الأخيرة. فقد شهدت المرحلة الماضية عمليات عسكرية طالت حقولا نفطية وأراضي عراقية، كما شهدت المنطقة عمليات استهدفت الكويت والسعودية والبحرين والإمارات، في مقابل استهداف مواقع لفصائل عراقية، إضافة إلى مواقع تابعة للحشد الشعبي والجيش العراقي، وفق ما تداولته وكالات أنباء دولية. وبغض النظر عن توصيف هذه الأحداث، فإنها أوجدت حالة من التوتر الإقليمي، وكأن المنطقة دخلت في حالة حرب غير معلنة، الأمر الذي يفرض تساؤلا مهما: كيف يمكن تصحيح هذا المسار؟

أعتقد أن البداية تكون من رسم سياسة جديدة، تقودها حكومة قادرة على ترسيخ الاستقرار داخل العراق أولا، ثم نقل هذا الاستقرار إلى مستوى السياسة الخارجية، لأن قوة السياسة الخارجية تبدأ من قوة الجبهة الداخلية.

كما أن التجربة العراقية خلال الحكومات السابقة أظهرت افتقارا واضحا للتخطيط الاستراتيجي وللسياسات المتوازنة. وإذا نظرنا إلى تجارب الدول الرأسمالية، نجد أنها تعتمد التخطيط بعيد المدى، سواء لخمس سنوات أو عشر سنوات أو حتى لعقود، لأن الفكر الاقتصادي فيها يقوم على بناء مشاريع مستدامة تحقق مصالح طويلة الأجل. وعندما تنعكس هذه العقلية الاقتصادية على المجال السياسي، فإنها تفرز سياسات أكثر استقرارا واتساقا، بحيث لا تتغير التوجهات الأساسية بتغير الأشخاص أو الحكومات، وإنما تبقى منسجمة مع النهج الاستراتيجي للدولة.

وفي هذا السياق، لفت انتباهي التصريح الذي أدلى به السيد علي الزيدي في بداية تسلمه المسؤولية، عندما قال إن "السياسة الاشتراكية انتهت في العراق" ولا أعلم كيف ستترجم هذه الرؤية إلى إجراءات عملية على أرض الواقع، إلا أن هذا التصريح يعكس، في تقديري، فهما معينا لطبيعة المرحلة المقبلة. وإذا ما ترجم إلى سياسات اقتصادية حقيقية، فقد نشهد تحولا اقتصاديا وسياسيا يختلف عما عرفه العراق قبل عام 2026.

بين جودة البرامج السياسية واختبار التطبيق العملي

- الاستاذ علي حسين عبيد، شبكة النبأ المعلوماتية:

هناك قضية مهمة تستحق التوقف عندها، وتتعلق بالحكومات العراقية المتعاقبة. فعندما نطالع البرامج الحكومية التي قدمها رؤساء الوزراء السابقون، سواء في مجال السياسة الخارجية أو في غيرها من المجالات، نجد أنها، من الناحية النظرية، تتضمن رؤى وتطلعات جيدة، بل وطموحة في كثير من الأحيان. لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عند الانتقال إلى مرحلة التطبيق العملي، حيث تتكشف الفجوة بين ما يطرح من رؤى وبنود وخطط سياسية، وبين القدرة الفعلية على تنفيذها.

فعندما ندخل إلى الجانب التنفيذي، سرعان ما نكتشف مواطن الضعف في أداء الحكومات ورؤساء الوزراء. فليس من الصعب طرح أفكار جيدة أو إعلان طموحات كبيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على ترجمة تلك الطموحات إلى سياسات وإجراءات ملموسة على أرض الواقع.

وبصراحة، إذا لم يكن النظام السياسي نفسه قويا ومتينا، وإذا لم تستند الحكومة إلى بنية سياسية راسخة، فإن مظاهر الضعف لن تقتصر على السياسة الخارجية فحسب، وإنما ستنعكس على مختلف القطاعات والميادين. فنجاح السياسة الخارجية ليس معزولا عن نجاح الدولة في إدارة الاقتصاد، أو التعليم، أو الصحة، أو غيرها من الملفات، لأن جميع هذه المجالات مترابطة، ويؤثر كل منها في الآخر.

لذلك، إذا استطاعت حكومة السيد الزيدي أن تبني نظاما سياسيا قائما على مؤسسات قوية ورؤية واضحة، فمن الطبيعي أن تنعكس هذه القوة على السياسة الخارجية، كما ستنعكس في الوقت نفسه على بقية الملفات الداخلية. فلا يمكن الحديث عن سياسة خارجية ناجحة في ظل ضعف مستمر في البنية الداخلية للدولة.

ومن الملاحظ أن وصول السيد الزيدي إلى رئاسة الوزراء رافقته موجة لافتة من الاهتمام، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فمن الطبيعي أن تصدر مواقف ترحيب أو إشادة من قادة دول مختلفة، سواء من الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما، وأن يتلقى اتصالات من رؤساء دول يبدون استعدادهم للتعاون مع الحكومة الجديدة. لكن اللافت في هذه المرحلة هو حجم التفاعل الإيجابي داخل العراق، إذ اعتدنا خلال السنوات الماضية على أن يقابل الرأي العام أي رئيس وزراء جديد بدرجة عالية من التشكيك وعدم الثقة، مع التركيز المبكر على الجوانب السلبية قبل منحه فرصة لإثبات أدائه.

أما في حالة السيد الزيدي، فمن خلال متابعتي، يبدو أن هناك قدرا من الدعم الداخلي، إلى جانب الدعم الخارجي، وهو ما يمثل فرصة مهمة يمكن البناء عليها.

وفي تقديري، فإن الحكم على البرنامج السياسي، ولا سيما في مجال السياسة الخارجية، لن يكون من خلال النصوص أو التصريحات، وإنما من خلال النتائج التي سيفرضها الواقع. وهذه تمثل فرصة حقيقية أمام السيد الزيدي وكابينته الوزارية لإثبات وجود تغيير فعلي في طبيعة علاقات العراق مع الدول الأخرى، وإظهار القدرة على تحقيق التوازن بين مختلف المحاور الإقليمية والدولية، بما في ذلك العلاقة مع الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، ودول الخليج، وغيرها من الأطراف المؤثرة، فإذا نجحت الحكومة في بناء نظام سياسي متماسك، يقوم على مؤسسات قوية ورؤية واضحة، فإنها ستكون أكثر قدرة على إدارة علاقات العراق الخارجية بصورة متوازنة، وتحقيق المصالح الوطنية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

الدبلوماسية الاقتصادية المعيار الحقيقي للنجاح

- الاستاذ حامد الجبوري، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

بشكل عام، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السياسة الخارجية أن تجذب الاستثمارات والتكنولوجيا إلى الداخل العراقي؟ في اعتقادي، هذا هو المقياس الحقيقي لنجاح أي سياسة خارجية، لأن نجاحها لا يقاس بعدد الزيارات الرسمية أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك العلاقات إلى مكاسب ملموسة تخدم الدولة والمجتمع.

فاليوم لم يعد كافيا أن تقتصر السياسة الخارجية على الزيارات المتبادلة أو توقيع مذكرات التفاهم، بل المطلوب هو ترجمة هذه الاتفاقيات إلى برامج اقتصادية حقيقية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدراته الإنتاجية.

ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعاني من نقاط ضعف واضحة، فضلا عن غياب سياسة اقتصادية متماسكة يمكن أن تشكل سندا حقيقيا للسياسة الخارجية، فالعراق لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل أي تقلب في أسعار النفط ينعكس بصورة مباشرة على الموازنة العامة، ومن ثم على قدرة الدولة في تنفيذ برامجها وأداء مؤسساتها.

ومن جانب آخر، فإن غياب التنويع الاقتصادي يزيد من اعتماد العراق على الخارج، ويجعل المجتمع والاقتصاد أكثر ارتباطا بالمتغيرات الدولية، وهو ما يفرض الحاجة إلى تحقيق سيادة اقتصادية إلى جانب السيادة السياسية، لأن الاستقلال السياسي لا يكتمل من دون قاعدة اقتصادية قوية ومستدامة.

ومن هنا، أرى أن بناء الشراكات الاقتصادية يمثل نقطة مفصلية في نجاح السياسة الخارجية العراقية. فعندما تمتلك دول مثل الولايات المتحدة، أو السعودية، أو تركيا، أو الأردن، مصالح اقتصادية حقيقية داخل العراق، فإنها ستكون أكثر حرصا على استقرار العراق، لأن هذا الاستقرار سينعكس مباشرة على حماية استثماراتها ومصالحها.

لذلك، فإن توسيع المصالح الاقتصادية المشتركة لا يحقق فوائد اقتصادية للعراق فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى أحد أهم أدوات تحقيق التوازن في السياسة الخارجية، من خلال ربط استقرار العراق بمصالح شركائه الإقليميين والدوليين، بما يعزز مكانته ويمنحه هامشا أوسع في إدارة علاقاته الخارجية.

ضغط الحياد الإيجابي والدبلوماسية الفاعلة

- الاستاذ باسم الزيدي، مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

عندما نتحدث عن السياسة الخارجية في العراق، يمكننا في الوقت نفسه أن نقدم جملة من التوصيات للحكومة الجديدة برئاسة السيد الزيدي. وفي تقديري، فإن السياسة الخارجية العراقية ظلت دائما تسير على حبل مشدود بين متطلبات الحفاظ على السيادة والحياد من جهة، وبين تعقيدات البنية الداخلية وضغوط البيئة الإقليمية وصراع المحاور من جهة أخرى. وهذه تكاد تكون المشكلة المزمنة التي واجهت السياسة الخارجية العراقية على امتداد السنوات الماضية.

ومن المعروف أن السياسة الخارجية لأي دولة تقوم على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والمبادئ التي تسعى إلى تطبيقها في علاقاتها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية. غير أن قوة هذه الأهداف لا تنبع من النصوص أو الشعارات، وإنما تستمد فاعليتها من قوة الداخل واستقرار مؤسسات الدولة. ولهذا فإن نجاح السياسة الخارجية يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة الدولة على ترجمة أهدافها إلى سياسات عملية.

وهنا ينبغي التمييز بين السياسة الخارجية والدبلوماسية، فالسياسة الخارجية تمثل الأهداف والتوجهات التي ترسمها الدولة، بينما تمثل الدبلوماسية الأداة التي تتولى تنفيذ تلك الأهداف وتحويلها إلى واقع عملي. ومن هذا المنطلق، فإن المشكلة الأساسية في العراق لا تكمن بالضرورة في طبيعة الأهداف المعلنة للسياسة الخارجية، إذ يمتلك العراق، من الناحية النظرية، مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المقبولة، وإنما تكمن في أدوات التنفيذ وآليات تطبيق هذه الأهداف على أرض الواقع.

وتواجه الدبلوماسية العراقية تحديات معقدة، أولها يرتبط بالبنية الداخلية للدولة. فالنظام السياسي القائم على التوازنات والمحاصصات أفرز تعددا في مراكز صنع القرار، الأمر الذي يجعل الوصول إلى موقف موحد تجاه العديد من القضايا الخارجية أمرا بالغ الصعوبة. وعندما تتعدد مراكز القرار، تصبح عملية رسم سياسة خارجية متماسكة أكثر تعقيدا.

أما على المستوى الخارجي، فإن البيئة الإقليمية نفسها تفرض ضغوطا كبيرة على العراق. فموقعه الجيوسياسي يضعه في قلب منطقة تعج بالصراعات والتنافسات بين قوى إقليمية ودولية متعددة، تشمل دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وغيرها من الأطراف الفاعلة. وهذا الواقع يفرض على صانع القرار العراقي تحديات استثنائية في إدارة العلاقات الخارجية وتحقيق التوازن بينها.

ومع ذلك، فإن وجود هذه التحديات لا يعني غياب الحلول، فالدبلوماسية يمكن أن تكون أداة فاعلة إذا توفرت لها الوسائل المناسبة، ولعل أبرز هذه الوسائل هو المسار الاقتصادي، الذي يمثل إحدى أهم الأدوات القادرة على دعم السياسة الخارجية وتحقيق التوازن في العلاقات الدولية، فكلما تعمقت المصالح الاقتصادية المشتركة بين العراق والدول الأخرى، زادت رغبة تلك الدول في الحفاظ على استقرار العراق وحماية مصالحها فيه.

ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل مشاريع الربط السككي، وميناء الفاو، وتوطين الصناعات الوطنية، والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد أكثر تنوعا وإنتاجية، فهذه المشاريع لا تحمل أبعادا اقتصادية فحسب، بل تمتلك أيضا أبعادا سياسية واستراتيجية تسهم في تعزيز مكانة العراق الإقليمية والدولية.

وإلى جانب البعد الاقتصادي، هناك أداة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تعزيز قوة الدولة ومؤسساتها، فنجاح السياسة الخارجية يبدأ من وجود مؤسسات رصينة وفاعلة، وقادرة على فرض القانون وتحقيق الاستقرار الداخلي. كما أن حصر السلاح بيد الدولة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تمنح العراق قدرة أكبر على إدارة علاقاته الخارجية من موقع الدولة القوية، لا من موقع الأطراف المتعددة والمتنافسة.

أما المسألة الثالثة، فتتعلق بمفهوم الحياد، فالعراق كثيرا ما يعلن تبنيه لسياسة الحياد، لكن المشكلة تكمن في طبيعة هذا الحياد. ففي كثير من الأحيان يبدو الحياد العراقي أقرب إلى الحياد السلبي منه إلى الحياد الإيجابي؛ أي أنه يتحول إلى محاولة لتجنب الأزمات والابتعاد عن التحديات بدلا من توظيف الحياد كأداة فاعلة للتأثير وصناعة المبادرات.

وقد أثبتت تجارب العديد من الدول، رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بالعراق، أن الحياد الإيجابي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة وتأثير، وأن يسهم في حماية الدولة ومواطنيها وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة لا يتمثل فقط في الحفاظ على الحياد، وإنما في تحويله إلى سياسة فاعلة تدعم مصالح العراق وتعزز حضوره في محيطه الإقليمي والدولي.

ضغوط الجغرافية واستثمار أوراق القوة العراقية

- الاستاذ حيدر الاجودي، مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

إن الحديث عن التوازن في السياسة الخارجية يشبه شخصا يقف على حبل مشدود بين طرفين، وفي خضم عاصفة رملية، يحمل في يده شيئا ثمينا يسعى إلى حمايته من السقوط. الجميع يراقبه، ليس إعجابا بمهارته أو تقديرا لقدراته، بل انتظارا للحظة تعثره؛ فمنهم من يترقب سقوطه ليؤيده، ومنهم من ينتظر تلك اللحظة ليشمت به. هكذا، باختصار، تبدو طبيعة الموقف العراقي في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد والتوتر.

وعادة ما تكتب البرامج الحكومية بلغة مثالية، تعكس صورة دولة ذات سيادة كاملة، وتظهر الحكومة بأفضل هيئة ممكنة، غير أن الواقع الإقليمي والدولي لا يدار بهذه اللغة، بل تحكمه موازين القوى، وتتصدر فيه المصالح الوطنية أولويات الدول قبل أي اعتبارات أخرى.

ومن هنا، يتعرض أي برنامج حكومي لضغوط متزامنة من جانبين: داخلي وخارجي.

فعلى المستوى الداخلي، فإن الدولة التي تتعدد فيها مراكز اتخاذ القرار، أو تتأثر قراراتها بتدخلات خارجية، تكون أكثر عرضة للهشاشة والضعف، وأسرع تأثرا بالأزمات. والعراق للأسف شهد سلسلة متواصلة من الأزمات منذ بداية عام 2026 وحتى اليوم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة في تنفيذ سياساتها بكفاءة واستقرار.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن العراق يقع في قلب جغرافيا سياسية معقدة، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى استمالته نحو مصالحها، ولا يرغب أي محور في أن يحافظ العراق على توازن كامل في علاقاته، فكل طرف يفضل أن يميل العراق إلى جانبه، بما يحقق مصالحه الاستراتيجية.

ولهذا، ينبغي ألا يتحول مفهوم التوازن إلى حياد سلبي، بل يجب أن يكون توازنا فاعلا يقوم على استثمار عناصر القوة التي يمتلكها العراق.

وفي تقديري، يمتلك العراق اليوم ورقتين مهمتين يمكن توظيفهما في سياسته الخارجية، الأولى تتمثل في كونه سوقا استهلاكية كبيرة ذات أهمية اقتصادية، والثانية تكمن في قدرته على التأثير في سوق الطاقة العالمي، بحكم ما يمتلكه من موارد وإمكانات في قطاع النفط والطاقة.

وإذا ما أُحسن استثمار هاتين الورقتين ضمن إطار دبلوماسية اقتصادية وسياسية فاعلة، فإنهما يمكن أن تتحولا إلى أدوات ضغط إيجابية في التعامل مع المحيطين الإقليمي والدولي، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز موقع العراق التفاوضي.

إن نجاح الحكومة في السياسة الخارجية سيقاس بمدى قدرتها على اجتياز اختبار التوازن، وهذا الاختبار لا يتحقق بمجرد القيام بزيارات مكوكية إلى الدول المجاورة أو غيرها، ولا يقتصر على تبادل المجاملات والابتسامات والتقاط الصور التذكارية، وإنما يقوم على دبلوماسية حاضرة وفاعلة، وعلى قدرة تفاوضية عالية، تترجم علاقات العراق الخارجية إلى نتائج ملموسة تحقق مصالحه الوطنية، وتحافظ على استقلال قراره، وتعزز مكانته في بيئة إقليمية ودولية تتسم بالتنافس الشديد.

ضياع الرؤية والحاجة إلى تحديد الأهداف الوطنية

- الاستاذ حسين سرحان، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

في البداية، لا بد من توضيح المقصود بالسياسة الخارجية، فهي تمثل مجموعة المبادئ والأهداف والسلوكيات التي تعتمدها الدولة في إدارة علاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية، وفق رؤية محددة تنطلق من فلسفة النظام السياسي، وتترجم من خلال البرنامج الحكومي الذي يحظى بثقة السلطة التشريعية، ومن خلال هذه السياسة تسعى الحكومة إلى تحقيق أهدافها العامة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

وبذلك، فإن السياسة الخارجية ليست مجرد مواقف أو تصريحات، وإنما هي سلوك سياسي تمارسه الدولة بوصفها إحدى وحدات النظام الدولي، لتنظيم تفاعلاتها مع بقية الدول والمنظمات الدولية بما يحقق مصالحها الوطنية.

وفيما يتعلق بالعراق، فإن البرنامج الحكومي للحكومة الجديدة يرتكز في ملف السياسة الخارجية على أربعة محاور رئيسة: أولها تحقيق التوازن في العلاقات الإقليمية والدولية، وثانيها ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وثالثها إعادة تنشيط العلاقات مع دول الخليج، ورابعها اعتماد القنوات الدبلوماسية الرسمية أساسا لإدارة العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية.

لكن عند التوقف عند المحور الأول، وهو التوازن الاستراتيجي، أجد أن هذا المصطلح يحتاج إلى مراجعة، فمفهوم "الاستراتيجية" يرتبط عادة برؤى طويلة الأمد تتجاوز عمر حكومة تستمر أربع سنوات، لذلك قد يكون من الأدق الحديث عن "التوازن" بوصفه هدفا مرحليا، أما التحولات الاستراتيجية الكبرى فهي مسؤولية الدولة بمؤسساتها، وليست مسؤولية حكومة بعينها.

ومن ناحية أخرى، فإن مفهوم التوازن في السياسة الخارجية كثيرا ما يساء فهمه، فالتوازن لا يعني الوقوف في منتصف الطريق بين طرفين، ولا يعني إرضاء جميع الأطراف في الوقت نفسه، كما أنه لا يعني الموازنة بين الولايات المتحدة وإيران أو بين أي محورين متنافسين بهذا الشكل المباشر، لأن العلاقات الدولية لا تدار بهذه الآلية، بل إن التوازن الحقيقي يبدأ من داخل الدولة نفسها، من خلال توحيد القرار السياسي، وإنهاء حالة التشتت بين القرار الرسمي وتأثير الفواعل غير الحكومية.

أما فيما يتعلق بالحياد، فإن العراق لا يتبنى، من الناحية الدستورية، سياسة حياد بالمعنى المتعارف عليه في العلاقات الدولية، فالدستور العراقي ينص على أن تقوم العلاقات الخارجية على أساس المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهذا هو الإطار القانوني الحاكم للسياسة الخارجية العراقية منذ عام 2005.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى الالتزام العملي بهذا المبدأ، فخلال السنوات الماضية برزت ممارسات وأحداث جعلت السياسة الخارجية تبدو في كثير من الأحيان غير منسجمة مع النصوص الدستورية، الأمر الذي أوجد حالة من الارتباك في السلوك الخارجي للدولة، وأضعف وضوح رسائلها السياسية تجاه محيطها الإقليمي والدولي.

وفي تقديري، فإن المشكلة الأساسية ليست في النصوص أو المبادئ المعلنة، وإنما في غياب رؤية واضحة تحدد ما الذي يريده العراق فعلا من سياسته الخارجية، ففي كثير من الأحيان بدا وكأن السياسة الخارجية تسعى إلى إرضاء جميع الأطراف في آن واحد؛ الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، ودول الخليج، وهو أمر يصعب تحقيقه عمليا إذا لم يكن منطلقا من أولويات وطنية واضحة.

وفي المقابل، شهدت العلاقات العراقية مع دول الخليج خلال بعض المراحل تطورا ملحوظا، ولا سيما عبر تفعيل مجلس التنسيق العراقي– السعودي، وما رافقه من خطوات لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية والسياسية، وهو ما يمثل نموذجا يمكن البناء عليه في إطار الانفتاح الإقليمي المتوازن.

ومن المهم التأكيد على أن السياسة الخارجية لا يمكن فصلها عن السياسة الداخلية، فكلتاهما تشكلان وجهين لسياسة عامة واحدة، فالكثير من الأهداف الاقتصادية والتنموية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال سياسة خارجية فاعلة، فزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتطوير الأنظمة الجمركية، وتأمين الأسواق الخارجية، كلها أهداف تعتمد بدرجة كبيرة على نجاح الدبلوماسية السياسية والاقتصادية للدولة.

ولهذا، فإن السياسة الخارجية لم تعد تقتصر على الملفات السياسية والأمنية، بل أصبحت أداة رئيسة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز المصالح الوطنية، وهو ما يفرض أن تكون هذه السياسة من اختصاص الدولة ومؤسساتها الرسمية، وأن تمارس من خلال قرار سياسي موحد، بعيدا عن أي تعدد في مراكز القرار أو ازدواجية في إدارة العلاقات الخارجية.

ومن هنا، فإن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد رفع شعار "التوازن"، وإنما صياغة رؤية وطنية واضحة تحدد أولويات العراق الاستراتيجية، والأهداف الاقتصادية والسياسية التي يسعى إلى تحقيقها، ثم ترجمة هذه الرؤية إلى سلوك سياسي خارجي منسجم وثابت.

فإذا كان الهدف هو بناء دولة ذات سيادة كاملة، فإن ذلك يستلزم وجود حكومة تمتلك القرار السياسي، وتحتكر استخدام القوة وفق القانون، وتدير علاقاتها الخارجية انطلاقا من المصالح الوطنية وحدها، وعندها فقط يمكن رسم سياسة خارجية متماسكة وقادرة على تحقيق أهدافها، بعيدا عن الارتباك في المواقف أو تضارب مراكز القرار، وبما يعكس منطق الدولة ومؤسساتها، لا منطق ردود الأفعال أو التوازنات المؤقتة.

تحديات الداخل قبل رهانات الخارج

- الاستاذ احمد جويد، مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

فيما يتعلق بملف السياسة الخارجية، فإن المتابع للمشهد العراقي يلاحظ أننا، منذ عام 2003، وربما حتى قبل ذلك، لم نشهد سياسة خارجية يمكن وصفها بأنها ناجحة بصورة متكاملة، ولذلك فإن الحديث عن تطوير السياسة الخارجية ينبغي أن يبدأ أولا بتشخيص الأسباب التي أدت إلى ضعفها، قبل الانتقال إلى الحديث عن الحلول أو التوقعات من الحكومة الجديدة.

ومن أبرز هذه الأسباب طبيعة النظام القائم على المحاصصة السياسية، إذ انعكس هذا الواقع على إدارة مؤسسات الدولة، ومنها وزارة الخارجية، فحين يكون المسؤول عن إدارة هذا الملف منتميا إلى طرف لا ينسجم بالكامل مع رؤيته للدولة العراقية، فإن ذلك ينعكس، بدرجات متفاوتة، على طبيعة إدارة العلاقات الخارجية وأولوياتها، ويؤثر في مستوى الانسجام بين السياسة الخارجية والمصلحة الوطنية العامة.

والعامل الآخر يتمثل في وجود فواعل مسلحة خارج الإطار التقليدي للدولة، كانت تمتلك في بعض المراحل مواقف أو تحركات لا تنسجم مع التوجه الرسمي للحكومة، وهذا التباين بين القرار الرسمي وبعض الممارسات على الأرض أوجد حالة من الازدواجية في إدارة السياسة الخارجية، على الرغم من أن الدستور العراقي ينص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

ويضاف إلى ذلك ملف الفساد، فضلا عن التحديات المرتبطة بالوضع السياسي الداخلي، فالحكومة التي لا تزال تواجه استكمال تشكيلتها الوزارية، أو تعاني من إشكالات في إدارة ملفاتها الداخلية، يصعب عليها أن تنطلق بسياسة خارجية متماسكة وفاعلة، لأن قوة الأداء الخارجي ترتبط أساسا باستقرار الجبهة الداخلية.

ومع ذلك، فإن الحكومة الحالية تمتلك فرصة يمكن البناء عليها، فهناك مؤشرات ومبادرات ظهرت خلال المرحلة الأخيرة تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة، وتقليص مظاهر تعدد مراكز القوة، من خلال تنظيم ملف السلاح، ودمج التشكيلات المسلحة ضمن الأطر الرسمية الخاضعة لقيادة القائد العام للقوات المسلحة، وإذا استمرت هذه الخطوات ونجحت في ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، فإنها ستسهم في توفير بيئة أكثر استقرارا لإدارة السياسة الخارجية.

كما أن هذه المرحلة تمثل فرصة أمام رئيس الوزراء للمضي في معالجة ملفات الفساد، لأن الفساد الداخلي لا ينعكس على الأداء الإداري فقط، بل يؤثر بصورة مباشرة في صورة العراق الخارجية، ويحد من قدرة الدولة على جذب الاستثمارات، ويضعف ثقة الشركاء الدوليين ببيئة العمل والاستثمار داخل البلاد.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن هناك بصيص أمل إذا ما استثمرت هذه الفرصة بالشكل الصحيح، فمعظم دول العالم تتعرض لضغوط خارجية وتسعى إلى تحقيق التوازن في علاقاتها الدولية، إلا أن خصوصية الحالة العراقية تكمن في أن التحديات الداخلية كانت، ولا تزال، العامل الأكثر تأثيرا في إضعاف السياسة الخارجية، وفي الحد من قدرتها على أن تكون سياسة مستقلة ومؤثرة.

التوصيات:

بناءً على ما تقدم فعلى حكومة السيد الزيدي تحقيق ما يلي:

1- فتح باب الحوار لجميع الاطراف العراقية المشاركة في العملية السياسية للاتفاق حول سياسة خارجية معتدلة وموحدة تكون المصلحة الوطنية العراقية هدفا لها.

2- معالجة ملف الفصائل المسلحة والتي تعمل خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة لغرض توحيد قرار السلم والحرب وغلق باب التهديدات والتدخلات الخارجية بحجة انطلاق بعض الفعاليات العسكرية من الاراضي العراقية. فبالرغم من اعلان بعض الفصائل المسلحة تسليم سلاحها الى الدولة والالتزام بقرار وتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة من اجل الانخراط بالعمل السياسي، الا ان هذه الخطوة تتطلب التطبيق العملي واكمال كافة متطلبات تحقيقه لكي لا تكون هذه الاعلانات حبر على ورق.

3- التطبيق الفعال لسياسة الابتعاد عن المحاور الاقليمية المتصارعة، ونهج سياسة خارجية مبنية على المصلحة الوطنية العراقية واتباع مبدأ المعاملة بالمثل.

4- الانفتاح المتوازن في العلاقات مع الدول المجاورة والاقليمية بما يحفظ للعراق سيادته ومصالحه.

وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بملتقى النبأ الاسبوعي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق