عند إسقاط المبادئ العلوية على واقع النظام السياسي في العراق نجد أنفسنا أمام مفارقات حادة وتناقضات بنيوية حولت الدولة من خادمة للمجتمع إلى ساحة للمغانم، وتتجلى هذه الإشكاليات في بنية المحاصصة وتفتيت الدولة: بينما يشدد الإرث العلوي على الكفاءة والصدق في القول والعمل والتأسيس المبكر للمواطنة والعدالة الاجتماعية...

عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان "الفكر السياسي في العراق بين التراث العلوي وإشكاليات النظام السياسي المعاصر"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعدّ الورقة البحثية وقدمها الاستاذ حيدر عبد الستار الاجودي- باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وابتدأ حديثه قائلا:

"يواجه العراق المعاصر حالة مركبة من الاضطراب السياسي والتشظي الاجتماعي التي ألقت بظلالها على بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع، ورغم التحولات المؤسسية ما بعد عام 2003، لا تزال الأسئلة الجوهرية حول الشرعية والعدالة والمسؤولية السياسية معلقة دون إجابات ناجزة، وفي خضم هذا الارتباك، يبرز الإرث العلوي ليس كذكرى تاريخية عابرة، بل كمنظومة مفاهيمية متكاملة في إدارة السلطة وبناء العلاقة الأخلاقية بين الحاكم والمحكوم، غير أن المفارقة الصادمة تكمن في حالة (الانشطار القيمي) التي يعيشها العقل السياسي العراقي؛ فهو في الوقت الذي يتشبث فيه بشرعية هذا الإرث المثالي شكليا، يغرق في ممارسات براغماتية مشوهة وإشكاليات بنيوية تبتعد جوهريا عن روح العدالة العلوية.

من هنا، تحاول الورقة البحثية مقاربة الفكر السياسي العراقي من زاوية نقدية، عبر وضعه في حوارٍ مع التراث العلوي، للكشف عن طبيعة الإشكاليات البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي المعاصر، ومدى ابتعاده عن منظومة القيم السياسية التي مثّلها نهج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

تهدف هذه الورقة إلى:

- تحليل ملامح الفكر السياسي في نهج الإمام علي (عليه السلام) بوصفه مشروع حكم متكامل.

- تشخيص الإشكاليات البنيوية للنظام السياسي العراقي المعاصر.

- مقارنة نقدية بين القيم السياسية العلوية والممارسة السياسية الراهنة.

- فتح أفق نقاش فكري حول إمكانية استلهام التراث العلوي بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي، وتقديم رؤية توضيحية لبناء دولة المواطنة تحت ظلال العدالة الاجتماعية.

المحور الأول: ملامح الفلسفة السياسية في الإرث العلوي

ينبثق الفكر السياسي في المنظومة العلوية من رؤيةٍ أخلاقيةٍ صلبة، تتجاوز المفهوم التقليدي للسلطة بوصفها أداة هيمنة، لتجعل منها وسيلةً لإحقاق الحقوق، ويمكن حصر ملامح هذا النموذج في ثلاثة مرتكزات بنيوية:

أولا: أنسنة السلطة وتفكيك مفهوم الغنيمة/ السلطة في العرف العلوي ليست تشريفا أو مغنما، بل هي ابتلاء ومسؤولية قانونية وأخلاقية معلقة في عنق الحاكم بوصفها أمانة، هنا تتحول الوظيفة العامة من أداة للتكسب الحزبي أو الشخصي إلى عبء أخلاقي يستوجب رقابة الذات قبل رقابة القانون، وهي أعلى درجات النزاهة المؤسساتية.

ثانيا: التأسيس المبكر للمواطنة والعدالة الاجتماعية/ لقد سبق الفكر العلوي مفاهيم حقوق الإنسان الحديثة بقرون من خلال القاعدة الذهبية التي أرسى دعائمها في عهده لمالك الأشتر: (إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق). هذا التوصيف يلغي مفهوم الرعية المذعنة لصالح المواطنة الإنسانية، حيث تبنى العلاقة مع الدولة على أساس الاستحقاق والكرامة البشرية، لا على أساس الانتماء المذهبي أو العشائري، وتكتمل هذه الصورة بانحيازٍ طبقيٍ واضح لنصرة العامة بوصفهم عماد الدولة، ورفض استئثار الخاصة بمواردها.

ثالثا: الاقتصاد السياسي وعمارة الأرض/ في فلسفة الإمام علي (عليه السلام)، لا يمكن فصل الاستقرار السياسي عن العدالة الاقتصادية، فهو يطرح رؤيةً سابقةً لعصرها في إدارة المال العام، تقوم على أولوية العمارة على الجباية، إيماناً بأن الدولة تنهار بفقر أهلها، وأن فقر الشعوب هو النتيجة الحتمية لـ(الفساد المالي). وبذلك، تصبح الشفافية والمكاشفة (وان ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك) هي الضمانة الوحيدة لمنع الاستبداد وردم الفجوة بين السلطة والمجتمع.

المحور الثاني: تشريح النظام العراقي المعاصر

عند إسقاط المبادئ العلوية على واقع النظام السياسي في العراق ما بعد 2003، نجد أنفسنا أمام مفارقات حادة وتناقضات بنيوية حولت الدولة من خادمة للمجتمع إلى ساحة للمغانم، وتتجلى هذه الإشكاليات في ثلاثة مآزق كبرى:

1. بنية المحاصصة وتفتيت الدولة: بينما يشدد الإرث العلوي على الكفاءة والصدق في القول والعمل كمعيار وحيد للاستوزار (ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك)، اعتمد النظام المعاصر ديمقراطية المكونات، هذا الانحراف حوّل الدولة من دولة المواطن إلى دولة المكونات، حيث توزع المناصب كإقطاعيات حزبية بناءً على الولاء لا الكفاءة، مما أدى إلى غياب المصلحة الوطنية العليا وتفكيك مفهوم الدولة المركزية لصالح وحدات ادارية سياسية تتصارع على الموارد.

2. الدولة الريعية والفساد الهيكلي: ثمة تناقض جوهري بين عدالة التوزيع العلوية وبين الزبائنية السياسية المعاصرة، فبينما كان بيت المال يُدار بمعيار المساواة المطلقة، يعتمد النظام الحالي على توزيع ريع النفط لشراء الولاءات وتثبيت نفوذ النخب، إن تحول السلطة من وسيلة لإقامة الحق إلى غاية لجمع الثروات خلق فساداً هيكلياً جعل من الدولة راعيةً لمصالح الطبقة السياسية، بدلاً من أن تكون الطبقة السياسية خادمةً للرعية.

3. الانفصال السيكولوجي والطبقي: في العهد العلوي، كان الحاكم يسعى للتماهي مع أفقر رعيته في المأكل والملبس لكسر الحاجز بين السلطة والمجتمع. أما اليوم، فيعيش الفاعل السياسي في قلاع معزولة (كالمنطقة الخضراء)، مما خلق فجوة سيكولوجية وطبقية هائلة بين الحاكم والمحكوم. هذا الانفصال أدى إلى أزمة شرعية حقيقية، حيث أصبحت الشرعية مرتبطة بالتوافقات النخبوية والانتخابات الشكلية، بدلا من شرعية الإنجاز والعدالة الاجتماعية التي هي روح الإرث العلوي.

4. أزمة المؤسساتية وعلوّ الاشخاص على القانون: بينما جسد الإرث العلوي خضوع الحاكم المطلق للقانون، يشهد الواقع المعاصر تسييساً للقضاء وصفقات سياسية تعلو فوق الدستور، إن استخدام القيم العلوية كـشعارات للاستهلاك الإعلامي، مع غياب المساءلة في الممارسة الفعلية، أدى إلى إفراغ المؤسسات من محتواها الأخلاقي والوظيفي.

المحور الثالث: من القيمة الأخلاقية إلى الأداة الأيديولوجية

تكمن المفارقة الجوهرية في العراق اليوم في تحويل التراث العلوي من منهاج حكم إلى أداة تعبئة، مما خلق هوة سحيقة بين الرمزية المقدسة والواقع السياسي المتردي، ويمكن رصد هذا التوظيف عبر مستويين:

1. التوظيف الرمزي والسلوك العباسي/ تعتمد القوى السياسية على استحضار الرموز العلوية (شعارات، صور، خطابات عاطفية) كغطاء لشرعيتها، مستغلةً المخيال الجمعي والارتباط الوجداني للجماهير بهذا الإرث، غير أن الممارسة الفعلية للسلطة تكشف عن سلوك اموي او عباسي يتسم بالبذخ، والتعالي، والاستئثار بالامتيازات، هذا التناقض يطرح سؤالاً حاداً: هل استُحضر الإرث العلوي ليُصلح السياسة، أم لتبرير أخطاء السياسيين؟. الواقع يشير إلى أن السياسة اليومية هي من أنزلت الرمز العلوي إلى حلبة الصراعات الحزبية الضيقة، بدلا من أن ترتقي الممارسة إلى سمو قيم هذا الرمز.

2. الاغتراب الجماهيري والصرخة القيمية/ أدى الفشل في الربط بين الشعار العلوي والأداء الحكومي إلى حالة من الاغتراب الحاد، خاصة لدى جيل الشباب، هذا الاغتراب لم يعد مجرد استياء سياسي، بل تحول إلى كفر بالعملية السياسية برمتها نتيجة تشوه النموذج في أذهانهم، إن الاحتجاجات الشعبية المتكررة في العراق ليست مجرد مطالب خدمية، بل هي في عمقها صرخة علوية بالمعنى القيمي؛ صرخة ضد واقع يرفع اسم علي ويحكم بعقلية معاوية، ومحاولة لاسترداد جوهر العدالة الاجتماعية من براثن الاستغلال الأيديولوجي.

3. التسييس والمفعول العكسي/ إن تسييس المقدس أدى إلى مفعول عكسي خطير؛ فبدلاً من أن تكتسب السياسة طهارة القيم العلوية، تسببت الممارسات الخاطئة في خدش صورة النموذج التاريخي لدى البعض، إن المشكلة لا تكمن في التراث ذاته، فهو تراث إنساني كوني، بل في العقل التوظيفي الذي يختزل نهجاً متكاملاً في الدولة والمواطنة إلى مجرد وسيلة لحشد الناخبين أو تبرير التخندقات الطائفية.

المحور الرابع: استعادة الروح لا استنساخ التجربة

لكي لا تظل هذه الورقة حبيسة النقد التشخيصي، لا بد من الانتقال نحو قراءة نقدية غير مثالية تحرر التراث العلوي من الاستخدام السياسي الضيق، وتطرح مسارات واقعية لإصلاح النظام المعاصر، إن الحل لا يكمن في استنساخ التجربة التاريخية حرفياً، بل في استخلاص مبادئها الكلية وتحويلها إلى آليات مؤسساتية حديثة عبر المسارات التالية:

1. الأخلاق السياسية وتحرير المقدس: إن الخطوة الأولى تبدأ بفصل المقدس عن الاستغلال الحزبي، نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته (العلمنة المؤمنة بالقيم)، وهي التي لا تقصي الدين كمنظومة أخلاقية، بل تمنع استخدامه كغطاء للفشل السياسي، يجب أن تُحترم القيم العلوية كإطار قيمي عام، وتترجم عملياً إلى قوانين وضعية صارمة، مثل قانون (من أين لك هذا؟) وقوانين مكافحة تضارب المصالح، لتكون هي المصداق الحقيقي للنزاهة العلوية.

2. التكنوقراط القيمي (الإصلاح الإداري): دعا الإمام علي في عهده للأشتر إلى اختيار المسؤولين من "أهل التجربة والحياء". وفي لغة العصر، يعني هذا الانتقال من تزكية الأحزاب إلى تزكية الكفاءة، إن بناء دولة المؤسسات يتطلب تكنوقراطاً لا يمتلك المهارة الفنية فحسب، بل يمتلك أخلاقيات المسؤولية، وهو ما يضمن إنهاء حقبة المحاصصة التي فتتت هيبة الدولة.

3. تفعيل الرقابة الشعبية كفعل إيماني ووطني: يشجع الإرث العلوي الرعية على تقويم الحاكم ومكاشفته ("فأصحر لهم بعذرك")، إن ترجمة هذا المبدأ تتطلب حماية حرية التعبير وتقوية منظمات المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية، لتكون عين الشعب التي لا تنام على أداء السلطة. إن الرقابة ليست تمردا، بل هي صمام أمان يمنع الحاكم من الانزلاق نحو الاستبداد أو الفساد.

إن هذه الورقة هي دعوة للمصالحة مع جوهر تاريخنا لنبني مستقبلا لا يكون فيه الدين أداة للتخدير، بل محركا للتحرير والبناء.. شكرا لإصغائكم، ونفتح الآن باب الحوار لمشاركاتكم الكريمة.. عبر الاجابة عن السؤالين الاتيين:

السؤال الاول/ هل تكمن ازمة السياسة في العراق في النظام ذاته ام في الثقافة السياسية للنخب والمجتمع؟

السؤال الثاني/ كيف يمكن تحويل نهج الامام علي (عليه السلام) من مرجعية اخلاقية رمزية الى اطار فكري عملي لإصلاح النظام السياسي العراقي؟.

المداخلات

أزمة القوالب الدستورية وتشوهات الممارسة

- د. علاء الحسيني- مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

ينطلق تصور النظم السياسية الحديثة من كونها قوالب نظرية جرى تصميمها وتجريبها في بلدان مختلفة؛ نجحت في بعضها وتعثرت في أخرى. فالديمقراطية، بوصفها الإطار العام، تفرعت إلى أنماط متعددة، أبرزها الديمقراطية النيابية أو البرلمانية، ومنها تشعبت نظم حكم متنوعة كالنظام الرئاسي، والنظام البرلماني، والنظام المجلسي، بحيث اتخذ كل نظام منحى خاصا وطابعا مميزا.

فالنظام الرئاسي ارتبط بشكل واضح بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تشكل عبر الزمن نمط ديمقراطي معروف ومستقر. في المقابل، اشتهر النظام البرلماني في عدد من الدول، وعلى رأسها بريطانيا، التي غالبا ما تقدم بوصفها النموذج التقليدي والأبرز للديمقراطية البرلمانية. أما النظام المجلسي، فقد تميزت به سويسرا، ولا تزال إلى اليوم قائمة على هذا النمط، حيث يمنح المجلس النيابي أو البرلمان صلاحيات واختصاصات واسعة، مع تقليص دور السلطة التنفيذية.

والى جانب هذه النظم الرئيسة، ظهرت أنظمة أخرى يطلق عليها أحيانا (الأنظمة المتطورة) أو (الأنظمة المختلطة)، كالنظامين الياباني والفرنسي، حيث يجري الجمع بين بعض خصائص النظام البرلماني والنظام الرئاسي أو المجلسي، ودمجها بطريقة معينة تعزز إحدى السلطتين التشريعية أو التنفيذية على حساب الأخرى.

وفقا للدستور العراقي، ولا سيما المادة الأولى منه، يفترض أن يكون نظام الحكم نظاما جمهوريا نيابيا برلمانيا. غير أن الواقع العملي يكشف أن ما يجري ليس تكريسا حقيقيا للنظام البرلماني، بقدر ما هو تكريس لنمط سلطوي يبتعد كثيرا عن جوهر الديمقراطية، سواء البرلمانية أو النيابية. فنحن أمام أشكال من الدكتاتورية: دكتاتورية أحزاب، ودكتاتورية فئات، بل ودكتاتورية أشخاص بعينهم، باتوا مهيمنين على المشهد السياسي، ومتحكمين بمفاصله السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

هذه الدكتاتورية، التي تتكرس يوما بعد آخر بأشكال مختلفة، تنذر بأخطار مستقبلية جسيمة إذا ما استمرت على هذا المنحى، لأنها غير قادرة على مجاراة التحولات ولا على إنتاج استقرار حقيقي. بل إن بعض القوى التي تقدم على أنها جزء من التيار الديمقراطي تعيش في الواقع على المال العام، أو على الأموال المتحصلة بطرق غير مشروعة، وبالنتيجة فإنها تعتاش على الأزمات وبقاء النزاعات واستمرار حالة عدم الاستقرار، لأن استقرار الدولة وبنائها المؤسسي الحقيقي لا يخدم مصالحها.

وهنا لا أقصد بالبناء الجانب العمراني، بل بناء المؤسسات الرسمية الرصينة القادرة على مواجهة التحديات، سواء في الظروف الاعتيادية أم الاستثنائية. ومن هنا أعود إلى نقطة الأساس لأؤكد أن المشكلة ليست في النظام السياسي بحد ذاته، بل في الممارسات السياسية الخاطئة التي يمارسها السياسيون العراقيون داخل مختلف مؤسسات الدولة.

حتى اليوم، لا يمتلك العراق نظاما حزبيا حقيقيا، ولا نظاما انتخابيا مستقرا وواضحا ومتوافقا فعليا مع جوهر الديمقراطية، كما لا يمتلك نخبا سياسية قادرة على قراءة المشهدين الإقليمي والدولي، وتقديم هذه القراءة للرأي العام، وبيان السيناريوهات المحتملة التي تنتظر العراق، وتحديد الطريق الأنسب: هل ينأى بنفسه عن المحاور؟ أم يقف على مسافة واحدة منها؟ أم يصطف مع هذا المحور أو ذاك؟ هذه الأسئلة ما تزال بلا إجابات واضحة، لا من وزارة الخارجية ولا من الطبقة السياسية عموما.

وبذلك تبدو الدولة، في كثير من الأحيان، كمن يسير في الظلام؛ فكلما توغلت أكثر، ازداد شعورها بالضياع. وهذا هو حال الشعب العراقي، الذي يشعر مع مرور السنين بمزيد من التيه وغياب الأمل الحقيقي بإنقاذه. وقد تجلى ذلك بوضوح في نتائج الانتخابات الأخيرة، وما أفرزته من تحالفات، وما قدمته من شخصيات تصدرت المسؤولية العامة دون أن تكون بالمستوى الذي كان يطمح إليه، في ظل تحديات راهنة تحتاج إلى شخصيات استثنائية تمتلك رؤية واضحة وبرامج ثابتة. لذلك، تبقى الخلاصة الأساسية أن الأزمة هي أزمة سياسة وممارسة سياسية، لا أزمة نظام سياسي.

أما السؤال الآخر، فهو يعيدنا إلى القيم الأخلاقية والسياسية التي أرساها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن بعده أمير المؤمنين والإمام الحسن (عليهما السلام)، في إدارة الحكم وتنظيم شؤون الرعية. إعادة هذه التجربة ليست أمرا مستحيلا، لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية، وإلى رجال دولة أكفاء، عفيفي اليد واللسان والبصر، قادرين على استنباط المبادئ والقيم من ذلك المعين الصافي، وتحويلها إلى خطوات عملية في الواقع المعاش.

هذا المسار يتطلب، إضافة إلى الإرادة، مرانا وتدريبا مستمرين للتخلص من الأمراض النفسية والسياسية التي تفتك بالإنسان، وتبعده عن الخط المستقيم، وتدفعه إلى تغليب المصالح الشخصية أو الفئوية أو الحزبية على حساب المصلحة العامة.

الإرث العلوي بين الادعاء والتجسيد

- الشيخ مرتضى معاش، باحث إسلامي:

لست بصدد الحديث عن النظام السياسي في العراق، لأن من الواضح أنه نظام مشوه في جميع عناصره، يفتقر إلى ما يوحده كنظام متكامل. إنه نظام متفكك في أجزائه، يقوم على وحدات تستغل السلطة لتحقيق مصالحها الذاتية، وهذه حقيقة باتت جلية. ومن خلال هذا الاستغلال السيئ للسلطة، تزرع نبتة خبيثة تثمر سلوكيات سلبية تنعكس مباشرة على المجتمع.

لكنني أود الانتقال إلى بعض المفاهيم التي وردت في الطرح وفي العنوان، وأبرزها مفهوم الإرث. ما المقصود بالإرث؟، الإرث هو ما يرثه الإنسان ماديا ومعنويا، أي ما ينتقل من السلف إلى الخلف، ليكون أمانة في عنق الوارث. فالإرث ليس مجرد تملك، بل مسؤولية؛ لأن من اجتهد وعمل وبذل، إنما يورث ثمرة جهده للآخرين، وعلى الورثة حفظ هذا الإرث وصيانته.

ومن هنا يبرز السؤال: هل تم حفظ الإرث المعنوي العلوي؟ أي إرث القيم والمعاني التي جسدها الإمام علي (عليه السلام)، أم أن اللاحقين فرطوا في صيانته؟.

وكذلك الإرث الرمزي، فالإمام علي يعد رمزا مركزيا لدى الشيعة، بل رمزا لقيم العدل والإنسانية، فهل جسدت هذه الرمزية عمليا؟ وهل تحول أتباعه إلى رمز قيمي عام يعكس هذه المعاني؟، ثم هناك الإرث المنهجي والأخلاقي، المتمثل في استراتيجيات الإمام علي (عليه السلام) ومناهجه في الحكم والإدارة وبناء المجتمع.

وإذا عدنا إلى الإرث العلوي بعمق، سنجد فيه إمكانات هائلة لبناء أنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية متوازنة، فقد طرح الإمام علي (عليه السلام) وسائل وأساليب واستراتيجيات واضحة، تقوم في جوهرها على الرحمة والإنسانية، كما في قوله: "ولا تكن عليهم سبعا ضاريا". وتجلت هذه الرؤية في مفاهيم المساواة، والنظائر، واللاعنف، والسلم، واللين، وعباراته الجامعة مثل: حزم في لين، ورفق في دين.

ومن أعمق ما ورد في وصفه للإنسان المتقي قوله: "غليظه لطيف"، وهو جمع بليغ بين المتضادين؛ فالمؤمن قد يمتلك الشدة والصلابة، لكنه لا يخرج عن إطار اللطف، فإذا تجاوز هذا الحد، فقد خرج عن روح الإيمان. فاللين والرحمة هما الأصل، وحتى الشدة يجب أن تبقى محكومة بإطار إنساني أخلاقي. وهذا المعنى يرتبط مباشرة بمبدأ "لا إكراه في الدين"، وهو ما يتناقض مع ممارسات العنف والقسوة التي ترفع أحيانا باسم التشيع أو الانتساب للإمام علي، وهي في حقيقتها خروج عن إرثه.

أما على مستوى المناهج، فإن المناهج التي طرحها الإمام علي (عليه السلام) هي في جوهرها مناهج تربوية، فأي منهج يخرج عن الإطار التربوي لا يمكن عده منهجا علويا، مهما ألبس من لغة علمية أو أدبية، فالغاية الأساس هي تربية الإنسان، وتنميته، وتهذيبه، وتزكيته.

وعندما ننظر إلى المناهج السائدة اليوم، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، نجد أنها في الغالب منفصلة عن الإنسان، وتركز فقط على تحقيق غايات سلطوية أو اقتصادية، وهذا ما يجعلها مناهج فاشلة. فالمنهج الاقتصادي الرأسمالي السائد، والذي يطبق في كثير من دول العالم، بل ويطبق في بلدنا بأقسى صوره، أدى إلى تدمير الإنسان وتحويله إلى مجرد مستهلك، فاقد للقيمة الإنتاجية، خامل، كسول، لا دور له سوى الاستهلاك.

في مقابل ذلك، ركز الإمام علي (عليه السلام) على قضية محورية في بناء الإنسان والمجتمع، وهي البناء المعنوي القائم على البساطة، والكفاف، والعفاف، والقناعة، وترشيد الاستهلاك، فالكفاف يعني الاكتفاء بما يحتاجه الإنسان، والعفاف هو ضبط النفس عن الشره والطمع، والزهد هو الانفكاك عن التعلق بالأشياء، لتكتمل هذه المراحل جميعا في القناعة. وهذه الرؤية التربوية المتكاملة تنتج إنسانا معتدلا في صحته، وتفكيره، ونفسيته، واقتصاده، وتؤسس لمجتمع متوازن، من دون هذه الأسس، تصبح المناهج السياسية والاقتصادية منفتحة على كل أشكال الانحراف: شراهة، حرص، استهلاك مفرط، وتدمير شامل، وهو ما نشهده اليوم على مستوى العالم، ومن هنا قدم الإمام علي (عليه السلام) مفهوما عميقا للثروة، حين قال إن الزهد ثروة، لأنه هو الذي يربي الإنسان ويحفظ كرامته.

وتبقى النقطة الأخيرة، وهي الأطر الحامية لهذه المناهج، فقد أكد الإمام علي (عليه السلام) بشكل واضح على الحوكمة، والرقابة، والنقد، والنصيحة، والمحاسبة، والمساءلة. هذه الأطر هي التي تحمي المنظومة كاملة، ومن دونها لا يمكن لأي منهج أن يطبق أو يستمر، فإذا غابت الرقابة ورفض الإنسان النقد والنصيحة والمساءلة، فإن كل هذه المناهج تبقى حبرا على ورق.

وعليه، فإن الإرث العلوي ليس مجرد شعارات أو ادعاء انتساب، بل هو منظومة متكاملة من القيم، والمناهج، والأساليب، والأطر، التي تهدف إلى حماية الوجود الإنساني وصون كرامته، وكل ادعاء بالاتصال بالإمام علي (عليه السلام) لا يترجم عمليا بهذه القيم هو ادعاء فارغ، وقد ادعى كثيرون عبر التاريخ، من فلاسفة وحكماء وعرفاء وأطباء وأدباء، بل ومن مسلمين وغير مسلمين، اتصالهم بمنهجه، وهو أمر موثق في المصادر.

أما نحن الشيعة، فنزعم أننا ورثة الإمام علي ونتشرف بالانتساب إليه، لكننا في الواقع لا نطبق إلا القليل من كلامه، ومع أن كثيرا من العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة تعود في جذورها إلى ما طرحه الإمام علي (عليه السلام)، إلا أن ما وصلنا من تراثه ليس إلا جزءا يسيرا. ومن هنا، تبرز الحاجة الحقيقية إلى فهم واعي وعميق لمعنى الإرث العلوي، لا بوصفه ماضيا يتغنى به، بل منهجا حيا يستعاد ويطبق في واقع الإنسان والمجتمع.

الإرث العلوي خارج التجربة السياسية العراقية

- الاستاذ محمد علاء الصافي، مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

إذا أردنا التركيز حصرا على العراق الحديث، سنجد أن هذا البلد لم يشهد، حتى اليوم، تأسيس نظام سياسي مؤسسي رصين يمكن القياس عليه، أو اعتباره قد اقترب، ولو نسبيا، من روح الإرث العلوي. فالإرث العلوي في حقيقته كان هاجسا يقلق جميع من تسلموا الحكم، سواء في العراق أو في عموم العالمين العربي والإسلامي، لما تمثله شخصية الإمام علي (عليه السلام) من ثقل أخلاقي وإنساني وتجربة فريدة في ممارسة الحكم.

فالإمام علي، سواء في فترة خلافته أو حتى خارج موقع السلطة، جسد شخصية إنسانية قريبة من الناس، وكان همه الأساس تحقيق العدالة الاجتماعية بوصفها مفهوما عمليا، هي من أعقد المفاهيم، وربما يمكن القول إن تحقيقها الكامل في عالم اليوم، أو حتى في التجارب التاريخية السابقة، يكاد يكون مستحيلا، من هنا كانت تجربة الإمام علي تجربة استثنائية وفريدة، لا تقاس بسهولة.

أما عند الانتقال إلى إشكاليات النظام السياسي المعاصر في العراق، فإن المقارنة تصبح أكثر تعقيدا، فقبل عام 2003، كانت البلاد تعيش في ظل انقلابات عسكرية وأنظمة ديكتاتورية، حيث كانت الدولة تدار بقرارات فردية تصدر من شخص واحد أو دائرة ضيقة، ولا يمكن الحديث عن نظام مؤسسي بالمعنى الحقيقي. بعد 2003، كان يفترض أن يشهد العراق تأسيس دولة تقوم على الدستور والقانون والمؤسسات، بوصفها ركائز أساسية للنظام السياسي الجديد.

لكن ما حدث فعليا هو اعتماد الديمقراطية التوافقية، التي تحولت مع الوقت إلى أزمة بنيوية مستمرة. وحتى اليوم، وبعد ست دورات انتخابية، ما يزال العراق يعاني المشكلة نفسها: المحاصصة الطائفية والسياسية، فالأحزاب والكيانات التي شاركت في هذه التجارب لم تعد جديدة، بل تمتلك أكثر من عشرين عاما من العمل السياسي داخل العراق، إضافة إلى سنوات من النشاط في المعارضة خارج البلاد، ومع ذلك ما تزال تعاني ضعفا حادا في الهوية الوطنية.

هذا الواقع دفع النخب السياسية الحاكمة إلى تكريس منطق المحاصصة بوصفه آلية تفكير وإدارة، وانعكس ذلك بشكل مباشر على المجتمع، الذي تحول تدريجيا إلى مجتمع مقسم إلى كانتونات طائفية وعشائرية وقبلية، ومؤمن بثقافة التوافق والمحاصصة. وفي الوقت نفسه، تشكلت طبقة مستفيدة من هذا النظام، قائمة على علاقة زبائنية بين النخب السياسية والمجتمع، حيث لم يعد الهدف تحقيق العدالة أو المصلحة العامة، بل الاكتفاء بتحقيق حد أدنى من المصالح الشخصية، يضمن استمرار هذه النخب في الحكم.

بهذا المعنى، فإن النظام السياسي الذي أسسته هذه النخب خلق بيئة خصبة للفساد، بل شجع عليه، وساهم في تحويله إلى ثقافة عامة، مدعوما بتأييد المناصرين والمستفيدين من هذا الواقع، وهو أمر مؤسف وخطير في آن واحد.

من هنا، فإن الحديث عن العودة إلى الإرث العلوي وتحويله إلى منهج وسلوك عملي في العراق ليس شعارا بسيطا، بل هو برنامج طويل ومعقد يحتاج إلى جهد كبير، والسؤال الجوهري هنا: من أين يبدأ هذا البرنامج؟.

يبدأ من تشكل كتلة وعي مجتمعي، تقودها نخب غير منخرطة في هذا النظام السياسي، نخب تطمح إلى دولة محترمة ومؤسسية، وتسعى إلى استلهام الإرث العلوي في بناء نظام عادل، لكن المشكلة أن كثيرا من المؤسسات التي يفترض أن تكون مستقلة، كمنظمات المجتمع المدني، والفاعلين الاجتماعيين، والشخصيات العامة، والناشطين، انصرفوا إلى تقديم الخدمات للناس لتعويض فشل الحكومات، بدلا من التركيز على دورهم الأساس في بناء مراكز تفكير، وإنتاج حلول، وتشكيل أدوات ضغط حقيقية، وممارسة المساءلة الشعبية، وصناعة وعي ورأي عام مضاد لهذه السياسات.

كذلك، لا يمكن الحديث عن إرث علوي دون اعتماد مبدأ الإنصاف والكفاءة في اختيار شاغلي المناصب، ولا سيما تلك التي لها تماس مباشر مع حياة الناس، بدلا من حصرها بمنطق المحاصصة الطائفية والسياسية، كما أن تحويل مبدأ العدالة، الذي كان أساس نهج الإمام علي (عليه السلام)، يقتضي بناء مؤسسات رقابية فاعلة وقادرة على المحاسبة.

فالفساد اليوم بات ظاهرة شبه طبيعية؛ نرى مسؤولين وشخصيات عامة ظهروا فجأة، لم يكن لهم أي حضور يذكر قبل أربع أو خمس سنوات، ثم سرعان ما صرفوا أموالا طائلة في الحملات الانتخابية، وأصبحوا اليوم يتحكمون بإمبراطوريات مالية هائلة، وهذا يطرح سؤالا بديهيا: من أين لك هذا؟.

من دون تفعيل هذا المبدأ، وتحويله إلى قانون نافذ وممارسة حقيقية، لا يمكن الحديث عن تطبيق الإرث العلوي، ولا عن تحقيق العدالة التي كانت جوهر مشروع الإمام علي (عليه السلام) في الحكم وبناء الدولة.

أزمة الجذور قبل أزمة النخب

- الاستاذ علي حسين عبيد، شبكة النبأ المعلوماتية:

الثقافة السياسية ليست معطى مستقلا بذاته، بل هي وليدة الثقافة الأوسع، أي الثقافة الأم للمجتمع، فثقافة المجتمع، بثوابتها وتقاليدها وعاداته وأنماط التفكير السائدة فيه، هي التي تنتج النخب، ومنها تتفرع الثقافة السياسية، وبذلك تكون الثقافة السياسية مجرد فرع من أصل أعمق وأشمل.

وإذا أردنا اليوم أن نفحص الثقافة العراقية، ولا سيما الاجتماعية منها، باعتبارها البيئة التي خرجت منها النخبة السياسية، سنجد أن جذورها تعاني عللا بنيوية عميقة وإشكاليات متراكمة، ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح النخب السياسية أو إصلاح نظام الحكم لا يمكن فصله عن إصلاح الثقافة العامة للمجتمع، هذا جانب أساسي.

أما الجانب الآخر، فهو أن الواقع السياسي العراقي يعادي بشكل واضح مبدأ الزهد وقيمه، فلو دخلنا اليوم إلى مكتب أي مسؤول عراقي، بدءا من مدير عام، أو نائب محافظ، أو محافظ، أو وزير، وصولا إلى رئيس الوزراء، سنلاحظ مظاهر البذخ الفاحش في الأثاث، وطبيعة المكاتب، وأسلوب الحياة، بل إننا نرى تسابقا واضحا على اقتناء الملابس ذات الماركات العالمية الباهظة، التي تصل أثمانها إلى أرقام تثير الاستغراب والتساؤل.

وأستحضر هنا مثالا واقعيا رواه أحد النواب في دورة سابقة، وهو شخص معروف وموجود في كربلاء، وقد استضيف في إذاعة كربلاء، ذكر أنه شارك ضمن وفد من مجلس النواب في زيارة رسمية إلى اليابان، بدعوة من رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان الياباني، يقول إن أعضاء الوفد وصلوا بشكل فردي إلى المطار، وكان هو الوحيد الذي يرتدي قميصا وبنطالا بسيطين وأنيقين، بينما كان بقية أعضاء الوفد يرتدون بدلات فاخرة ويضعون عطورا من أفخم الماركات العالمية، ويقول إن نظرات اليابانيين إليهم كانت مليئة بالاستغراب، بل بنوع من الاستنكار الصامت.

ويضيف أنه عندما وصلوا إلى مقر اللقاء، دخلوا غرفة ذات أثاث بسيط جدا: كراسي عادية، وترتيب أنيق لكنه شديد البساطة، لا يشبه ما اعتادوه من القنفات الملكية والمظاهر الفاخرة، ثم دخل المضيف، رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان، مرتديا قميصا بسيطا بنصف كم، فكانت الصدمة أكبر لدى أعضاء الوفد.

إذا وضعنا هذا المشهد إلى جانب قول الإمام علي (عليه السلام): "الزهد ثروة"، سنجد أن كثيرا من الطبقة السياسية، ليس في العراق فقط بل في أغلب الدول العربية والإسلامية، قد استبدلت ثروة الزهد بثروة أخرى قائمة على السحت الحرام، والاختلاس، والالتواء، وكل الأساليب غير المشروعة التي تنتج مالا محرما لا بركة فيه.

ومن هنا، أرى أن شخصية السياسي في العراق، وفي الدول المشابهة، هي بذاتها بحاجة إلى إعادة بناء، إنها تحتاج إلى تنظيف أخلاقي، وإلى تشكيل جديد، وعقلية جديدة، ومنظومة قيم مختلفة، فحين يكون السياسي أسير الشكل، ساذجا في رؤيته، نرجسيا في سلوكه، فإنه يستحيل أن يقدم خطوات سياسية جادة، أو أفعالا مسؤولة، أو إنجازات حقيقية تسهم في بناء دولة.

وفي النهاية، تبقى القاعدة واضحة: فاقد الشيء لا يعطيه، فمن لم يمتلك منظومة أخلاقية راسخة، وثقافة سياسية ناضجة، لا يمكنه أن ينتج نظاما عادلا أو دولة محترمة، مهما رفع من شعارات أو ادعى من انتماءات.

أزمة ثقافة سياسية في العراق

- الاستاذ حسين علي حسين، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

أود أن أفكك السؤال الأول من زاوية علمية تحليلية. ففي الدراسات الأكاديمية، نلجأ غالبا إلى تقسيم الإشكاليات إلى متغير مستقل ومتغير تابع، بحيث يؤثر أحدهما في الآخر، وانطلاقا من صياغة السؤال، أجد أن المتغير المستقل هو النظام السياسي، في حين أن المتغير التابع هو الثقافة السياسية.

غير أن المفارقة هنا تكمن في أن المتغير التابع، أي الثقافة السياسية السائدة لدى النخب والمجتمع، هو الذي يمارس التأثير الفعلي على المتغير المستقل أي النظام السياسي، فمتى ما كانت الثقافة السياسية ناضجة وسليمة، فإن أي نظام سياسي، أيا كان شكله، يمكن أن يعمل بصورة جيدة، ومن هنا يمكن القول إن الأزمة السياسية في العراق ليست أزمة نظام، بل أزمة ثقافة سياسية.

وفي هذا السياق، أود التوقف عند مجموعة من النقاط الأساسية:

أولا: السلطة مسؤولية وليست امتيازا، أكد نهج الإمام علي (عليه السلام) بوضوح أن السلطة تكليف ومسؤولية، لا امتيازا أو أداة للمنفعة الشخصية، ولو أسقطنا هذا المبدأ على واقعنا الحالي، وطرحنا سؤالا بسيطا: لو رفعت الامتيازات الممنوحة لأعضاء مجلس النواب، هل سيبقى كثير منهم في مواقعهم؟ على الأرجح لا. وهذا كان أول ما ركز عليه الإمام علي في ممارسته للحكم.

ثانيا: تأسيس النزاهة ومكافحة الفساد، من أوائل الملفات التي عمل عليها الإمام علي (عليه السلام) مسألة النزاهة، وكيفية مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، بينما نجد أن جزءا كبيرا من الطبقة السياسية الحالية يسير في الاتجاه المعاكس تماما، حيث أصبح الفساد ظاهرة متجذرة لا استثناء طارئا.

ثالثا: المواطنة والمساواة أمام الدولة، أكد الإمام علي على مبدأ المساواة، انسجاما مع حديث النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "الناس سواسية كأسنان المشط". وقد تجسد ذلك بوضوح في عهده لمالك الأشتر، حين قال: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". لم يميز بين غني وفقير، أو صاحب سلطة وغير صاحب سلطة، بل أسس لفكرة المواطنة الجامعة.

رابعا: الحكم الرشيد القائم على الأخلاق والكفاءة

قام نهج الإمام علي على مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، بينما في واقعنا الحالي، تمنح المناصب على أساس المحاصصة، أو القرب العائلي، أو الولاءات السياسية، فنجد على سبيل المثال، أن مدير الحسابات في مؤسسة حكومية، وهو منصب يفترض أن يشغله مختص في المحاسبة أو الإدارة، يكون من تخصص لا يمت بصلة إلى طبيعة المنصب، وهو ما يعكس خللا بنيويا في إدارة الدولة.

خامسا: تحويل القيم إلى ثقافة سياسية عامة، لم يكن الإمام علي (عليه السلام) منظرا يكتفي بإطلاق الشعارات، بل كان يترجم ما يقول إلى ممارسة عملية. أما في واقعنا السياسي المعاصر، فكثيرا ما ترفع الشعارات دون أن تجد طريقها إلى التطبيق، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في ترديد القيم، بل في تحويلها إلى سلوك سياسي فعلي وثقافة عامة، يمكن من خلالها الوصول إلى حالة سياسية سليمة ومستقرة.

وخلاصة القول، إن معالجة الأزمة السياسية في العراق تبدأ من إصلاح الثقافة السياسية، وترسيخ هذه المبادئ في وعي النخب والمجتمع، قبل البحث في تغيير شكل النظام أو تعديل هياكله.

اختلال النظام وغياب ثقافة الدولة

- الاستاذ أوس ستار الغانمي، كاتب صحفي في شبكة النبأ المعلوماتية:

أزمة السياسة في العراق هي أزمة مركّبة، لا يمكن اختزالها في النظام السياسي وحده، ولا في الثقافة السياسية منفردة، بل في العلاقة المختلّة بينهما. فالنظام السياسي، بصيغته الدستورية والمؤسساتية، ولد في بيئة انتقالية مضطربة، وحُمِّل منذ بداياته أعباءً تفوق قدرته على التماسك، كما أُفرغ في كثير من مفاصله من مضمونه الديمقراطي، لصالح منطق المحاصصة وتغليب الولاءات الفرعية.

غير أن هذا النظام لم يكن ليترسخ بهذا الشكل لولا وجود ثقافة سياسية سائدة لدى جزء من النخب والمجتمع؛ ثقافة تميل إلى الشخصنة، وتقدّم الانتماء الضيق على مفهوم الدولة، وتتعامل مع السلطة بوصفها غنيمة لا مسؤولية. ومن هنا، فإن الخلل الحقيقي لا يكمن في النصوص أو الهياكل وحدها، بل في غياب ثقافة دولة قادرة على حماية النظام، ومساءلته، وتطويره، بدل الاكتفاء بالتعايش مع عيوبه أو استثمارها.

إن نهج الإمام علي (عليه السلام) لا يُختزل في بعده الوعظي أو الرمزي، بل يمثل مشروع حكم متكامل يقوم على العدالة، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، واحترام الإنسان بوصفه قيمة بحد ذاته، وتحويل هذا النهج إلى إطار عملي يبدأ أولا بإعادة قراءته قراءة عقلانية معاصرة، تستخلص منه المبادئ الحاكمة لا القوالب التاريخية.

فمفهوم العدالة العلوية، على سبيل المثال، يمكن ترجمته اليوم إلى سياسات عامة عادلة، وقضاء مستقل، وإدارة لا تميّز بين المواطنين، ومبدأ محاسبة الولاة يمكن أن يتحول إلى منظومة رقابة فعلية على السلطة التنفيذية، لا إلى شعارات أخلاقية تُرفع في الخطب. كما أن بساطة الإمام علي (عليه السلام) في الحكم، واحترامه الصارم للمال العام، تمثل أساسًا لبناء ثقافة النزاهة والشفافية داخل مؤسسات الدولة.

الوعي الثقافي يبدأ من النخب

- الاستاذ محمد علي جواد تقي، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

لا شك أن نمط الحكم يؤثر بصورة مباشرة في آليات الأداء السياسي وطرائق صناعة القرار وتنفيذ السياسات العامة؛ فالنظام البرلماني، مثلا، يختلف في بنيته ووظائفه عن النظام الرئاسي، غير أن هذا البعد البنيوي لا يعمل بمعزل عن الثقافة السياسية، التي تمثل العامل الحاسم في توجيه سلوك الفاعلين السياسيين داخل أي نظام.

فالثقافة السياسية هي الحد الفاصل بين الخضوع والانصياع من جهة، والمشاركة الواعية والتأثير الحقيقي في القرار السياسي من جهة أخرى، وبقدر ما تكون هذه الثقافة ناضجة وعميقة لدى النخب وأفراد المجتمع، تتعزز القدرة على إدارة الأزمات، وتصحيح المسارات، والانتقال من منطق رد الفعل إلى أفق الفعل الاستراتيجي والتخطيط للمستقبل، ويفترض أن يبدأ هذا الوعي من الشرائح النخبوية المؤثرة من علماء دين، وخطباء، وأدباء، وإعلاميين، وأكاديميين بوصفهم الفاعل الأول في تشكيل الرأي العام وتوجيه المزاج السياسي، قبل أن يطالب به عامة الناس.

أتحفظ على توصيف نهج أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصفه "مرجعية أخلاقية" بالمعنى المتداول؛ إذ إن هذا التعبير قد يوحي بأنه خيار من بين خيارات، أو مرجع يرجع إليه عند الحاجة، والحقيقة أن هذا النهج ليس مرجعية ثانوية أو مكملة، بل هو القاعدة التأسيسية الصلبة لمنهج سماوي متكامل في الحكم والإدارة والسياسة.

عندما نؤمن عقليا ووجدانيا بأن الأخلاق تمثل القاعدة الأساس في المنهج السياسي العلوي، وليس "الغاية تبرر الوسيلة"، ونرفض البراغماتية والنفعية والذرائعية التي تشرعن الانحراف باسم الواقعية السياسية، وعندها فقط يصبح تحويل هذا النهج من نظرية محفوظة في الكتب، إلى ممارسة واقعية على الأرض، أمرا ممكنا لا مثاليا.

إن التجربة العلوية في الحكم في العراق بوصفه الرقعة الجغرافية التي احتضنت هذه التجربة هو الأجدر بأن يكون نقطة الانطلاق الأولى لإعادة استلهام هذا المنهج وتفعيله، لا بوصفه ماضيا يستذكر، بل مشروعا إصلاحيا حيا يستعاد بروح العصر ومتطلباته.

اعادة التثقيف وبلورة تفكير جديد

- الاستاذ جواد العطار، عضو برلمان سابق:

لا شكّ أن أزمة السياسة في العراق اليوم لا ترتبط بالنظام السياسي بقدر ما ترتبط بالسلوكيات المنحرفة التي حولت المنصب العام من مسؤولية وطنية إلى مغنم شخصي، ومن موقع للخدمة إلى أداة للاستئثار، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم، أو الشركاء، أو أقرب المقربين.

إن الخلل الحقيقي متجذر في الثقافة السياسية للنخب الحاكمة، وفي نظرة المجتمع إلى السياسة بوصفها طريقا للثراء والنفوذ لا مجالا للتكليف العام، فأصبح المال الحرام "مباحا" عبر بوابة السياسة، وتحولت وسائل الفساد إلى أنماط متلونة تشرعن الباطل.

أما الحديث عن تحويل نهج الإمام علي (عليه السلام) إلى مرجعية أخلاقية أو إطار فكري عملي لإصلاح النظام السياسي، فإنه يقترب من المستحيل العملي، فهذا النهج ليس غائبا عن العراق، ولا مجهولا لدى نخبه السياسية؛ بل هو حاضر في الوعي الجمعي، ويعرفه الداني والقاصي، وقد تربى عليه أغلب الفاعلين السياسيين في مراحل مبكرة من حياتهم. غير أن هذا الوعي يتلاشى عند لحظة الوصول إلى السلطة، حين تتقدم الامتيازات، وتتراجع القيم، ويختبر الإنسان لا في ما يقول، بل في ما يفعل.

إن الخلل الأعمق اليوم يتمثل في جيل نشأ وتربى على مبادئ وقيم مجتمعية باطلة انتجها عدين من الارهاب والاحتلال ومن الصعب التفكير بتغييرها عبر منشور او تعليق، بل هي تحتاج الى برامج طويلة الامد من اعادة التثقيف وبلورة تفكير جديد وتحصين متين يناقض عادات المجتمع الباطلة والسائدة حاليا.

طمس المعرفة المرتبطة بالإصلاح

- الاستاذ صادق الطائي، كاتب وباحث:

تميل المجتمعات المضطربة، في لحظات أزماتها العميقة، إلى فقدان رجالاتها الكبار وعظمائها، بل وقد تفقد معها ذاكرتها التاريخية المشرقة، وغالبا ما تنجرف هذه المجتمعات خلف أفكار أو شخصيات لا تمتلك وزنا فكريا حقيقيا، ولا تقوى على الصمود في أي مناظرة فكرية جادة، أو تقديم مشروع حضاري يذكر.

وفي العراق، ولا سيما ضمن البيئة الشيعية، نمتلك إرثا فكريا وإنسانيا هائلا، وقدرات استثنائية، ورجالات ومواقف تضع التاريخ والحضارة الإنسانية في موضع الخجل أمام سموها وعمقها، ومع ذلك، فإن هذا الإرث العظيم لم يستثمر بوصفه قاعدة حقيقية لبناء وعي سياسي راسخ، أو مشروع إصلاحي متكامل.

هناك اعتقاد يكاد يكون راسخا لدى شريحة من النخب العراقية، مفاده غياب ثقافة سياسية قادرة على إدخال النهج الإسلامي كطريقة للإصلاح السياسي في العراق، وبدلا من ذلك، انجرفت هذه النخب خلف الخطاب الإعلامي الغربي، وضجيج الدعاية السياسية، والترويج المكثف لنماذج أخرى، تاركة خلفها كنوزا معرفية وفكرية، أقر بقيمتها وعمقها عدد كبير من المفكرين أنفسهم.

وليس هذا الانقطاع عن الإرث الفكري ناتجا عن فراغ تاريخي، بل هو امتداد لمسار طويل من الإقصاء المتعمد، فقد عملت الدولة الأموية، ثم العباسية، فضلا عن حكومات وسلطات محلية متعددة في شمال أفريقيا وسوريا والعراق، على طمس كنوز المعرفة المرتبطة بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، وكان الهدف الأساس من ذلك هو الحفاظ على السلطة بوصفها سلطة سلطان، حتى لو كان الثمن تعطيل مسارات الإصلاح، وإقصاء الفكر، وتهميش القيم.

رمز حي ومرجعية عملية للإصلاح

- الاستاذ حسن كاظم السباعي/ كاتب وباحث:

ان الحكم الاستبدادي الطويل الذي حكم العراق لم يؤدِ إلى خلل في الأمن والحرية والاقتصاد فحسب، وإنما ترك بصماته في ثقافة المجتمع، حيث أنتج مجتمعا ونخبا تتصف بنفسية مشوهة نتيجة ما بعد العبودية والإذلال؛ تميل لحب القيود، تخاف من المجهول بل وتحن إلى الماضي الأليم وطاغوتها القديم.

هذه الشخصية حتى وإن أتى لها قائد سماوي معصوم ما لم تنتفض من داخلها وتطلب الإصلاح؛ فإنها غالبا ستحتاج إلى إعادة تكوين الشعب عبر انتاج جيل جديد لم يخضع للعبودية من قبل، كحال بني إسرائيل ظلوا في صحراء سيناء أربعين سنة ليخرج جيل جديد مستقر نفسيا، فهم قد تخلصوا من استبداد فرعون وذاقوا طعم الحرية، إلا أنهم لم يتخلصوا من الثقافة الفرعونية، حيث ترسخت فيهم وجعلتهم يكرروا نفس الأساليب التي اضطُهدوا بها من قبل فأخذوا يمارسونها فيما بينهم.

أما النموذج الحي الآخر؛ في إحدى الدول الخليجية الصغيرة التي تحكمها طائفة من الأقلية على طائفة ذات الأكثرية المطلقة، ولا تزال تواصل حكمها بقمع كل المطالبات السلمية؛ فإن الشعب المغلوب على أمره الذي لم يصل إلى مبتغاه فحسب وإنما تأثر بثقافة الفئة الحاكمة، حيث أخذ يمارس الاستبداد والإقصاء بحق بعضه البعض، هذا وهو لا يزال محكوم فما بالك لو صار حاكما!، وبناء على هذا الأساس فإن الحالة العراقية ليست حالة شاذة؛ فالمحكومين هنا صاروا حاكمين بعقلية الحاكمين القدماء.

من هنا، فإنه لا يمكن أن يتحول المنهج العلوي إلى رمز للأخلاق والإصلاح الفكري والسياسي إلا إذا كانت الانطلاقة من المشاوير والبدايات الصغيرة وعلى مستوى الفرد والعائلة ثم التجمعات الصغيرة من أصدقاء وأقارب ونادي وحسينية وجامع ومنطقة وقرية، لتصل إلى مستوى الأحزاب والتجمعات الكبيرة ومن ثم إلى المجتمع والدولة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الوازع الفردي الذي يتحلى به الشخص فيعمل بإخلاص، وبناء على إرضاء ربه ثم ضميره دون التفكير في كسب المصالح والمكاسب الشخصية أو الفئوية، ذلك لأن المجتمع مبني على الفرد، وخاصة إذا كان الفرد من الشخصيات المؤثرة والمعروفة، حيث أنه سوف لا يكون ملكا لنفسه وإنما ملكا للمجتمع وحتى حياته الشخصية وخصوصياته الخاصة، تتحول إلى أمور عامة وتكون تحت المجهر بجزئيتها، ولذلك فإن من إحدى الميزات التي تحلّى بها الغرب، وأدى إلى تقدم نظامه السياسي مقارنة بالشرق؛ هو أن الشخص الذي يخوض السياسة فإن القانون يسمح بتدخل الناس في جميع أموره الخاصة من ملبس ومأكل ومبيت، على عكس من لا يخوض السياسة حيث له حصانة قانونية فلا يحق لأحد ان يتجسس في خصوصياته، وذلك ليس إلا لكون الفرد السياسي مؤثرا على المجتمع ولابد أن يراقب جميع تصرفاته على أن لا يناقض أقواله بأفعاله.

من هنا، وبناء على هذا الأساس؛ فإن الاقتداء الفردي بأمير المؤمنين (عليه السلام) سيكون مقدمة للاقتداء الاجتماعي، وذلك بالخطوات البسيطة الأولى وبالتدريج والاستطاعة على قاعدة حديثه (سلام الله عليه): "وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد"؛ ليتحول في نهاية المطاف إلى رمز ومرجعية للإصلاح.

وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية الاستاذ حيدر الاجودي بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بالملتقى الفكري الاسبوعي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق