الشيء الذي نريد أن نخلص اليه هو أن الشعوب المتخلفة تكون قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها فعلا اذا ما توفرت لها أنظمة رشيدة، تعمل على توفير اسباب العيش الكريم وفي مقدمتها الطعام والتعليم والصحة، وبذلك يصبح نهوضها أمرا حتميا وتغدو مهيأة للديمقراطية لاحقا، وهو ما لم يتحقق لأغلب شعوب منطقتنا...
من المعلومات الأولية التي تحصلنا عليها منذ بداية قراءاتنا، هي ان (الديمقراطية) مفهوم سياسي يعني حكم الشعب لنفسه، وقد اخذتها الاتجاهات السياسية الحديثة إلى اكثر من تفسير وتأويل، فالليبراليون اعتمدوا التمثيل النسبي المنبثق من ارادة عموم الشعب بواسطة الانتخابات الحرة المباشرة،
فيما ذهب الاشتراكيون بشكل عام إلى ان التمثيل الحقيقي للشعب ينبثق من خلال الفعاليات الوطنية المؤثرة فيه، وفي مقدمتها النقابية والجماهيرية التي تفرز قادة ميدانيين، يشكلون، عبر الانتخابات، قيادات ميدانية تغطي مساحة الشعب كله أو غالبيته، وصولا إلى القيادة العليا للدولة، كونهم يرون الانتخابات العامة المباشرة غالبا ما تخضع لمؤثرات تحرف بوصلتها وتشوه نتائجها، كالمال السياسي والميديا والنفوذ الاجتماعي المكتسب بأشكاله المختلفة، ما يجعل نتائجها من الناحية الواقعية غير معبرة عن ارادة الناس وتطلعاتهم.
لقد عكس عالم القرن العشرين محنة الديمقراطية، لا سيما في الدول المتخلفة وبشكل واضح، فالكثيرون من اليساريين المزيفين فيها اتكؤوا على هذا المبدأ الذي برمجوه داخليا بما يديم سلطاتهم، ما أفرز الكثير من الانظمة الاستبدادية الشمولية، التي اعطت صورة مشوهة عن اليسار.
وفي المقابل حكمت الكثير من الانظمة الاستبدادية اليمينية باسم الليبرالية بعد أن صنعت تعددية صورية وصادرت الجميع أو جعلتهم في سياق سلطاتها.. لكن الطرفين كانا يلقيان الدعم والاسناد كلّ من معسكره، وتفاقم هذا اثناء الحرب الباردة والاستقطاب الذي رافق تلك المرحلة المثيرة.
بعد انتهاء تلك المرحلة مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدأت مرحلة جديدة غابت فيها القوى (الاشتراكية) المنافسة للمعسكر الليبرالي، ولم يعد هناك حامٍ لتلك النظم، الجيدة منها والزائفة معا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبدأت رحلة سباق جديد عنوانها المصالح وسيطرة نزعة الغلبة والاستئثار وبطريقة اكثر بشاعة مما كانت عليه حتى وصلت إلى ابادة شعوب وتدمير مستقبل اخرى وخنق غيرها تجويعا وعزلا، وقد كان تبرير هذه الأفعال اخلاقيا بامتياز، وهو استهداف الأنظمة المستبدة لنشر الديمقراطية!
وهنا باتت محنة الديمقراطية مركّبة، فالشعب الذي يتعرض إلى سيطرة دولة اجنبية قوية، تهيمن عليه وتصادر قراره السياسي والاقتصادي، لا يمكن ان يكون حرا وديمقراطيا مهما كان نوع الحكم فيه، وفي الوقت نفسه لا يمكن لدول كبرى أن تكون ديمقراطية وتحترم حقوق الانسان بصدق وهي تمارس هذا العسف وتدمر مستقبل شعوب وتضعها في دوامة الفوضى، وهو ما حصل للكثير من شعوب منطقتنا التي دمرت وقوّضت بسبب دعم تلك القوى الكبرى لمجاميع ظلامية وفوضوية، تحت عنوان دعم الشعوب لإقامة انظمة ديمقراطية!.
الشيء الذي نريد أن نخلص اليه هو أن الشعوب المتخلفة تكون قادرة على ان تحكم نفسها بنفسها فعلا اذا ما توفرت لها أنظمة رشيدة، تعمل على توفير اسباب العيش الكريم وفي مقدمتها الطعام والتعليم والصحة، وبذلك يصبح نهوضها أمرا حتميا وتغدو مهيأة للديمقراطية لاحقا، وهو ما لم يتحقق لأغلب شعوب منطقتنا، مرة بسبب سوء الادارة ومرة بسبب ان انظمتها وضعتها في سياق استقطابات دولية أو مشاريع اقليمية متعارضة فوجدت نفسها في صراعات مستمرة أوصلتها تداعياتها إلى خراب شامل، لكن عنوان الصراعات تلك كان ومازال هو تحقيق الديمقراطية! ... أليست هذه محنة، للشعوب وللديمقراطية معا؟!



اضف تعليق