يكشف تراجع ثقة شريحة من جيل زد بالرأسمالية عن أزمة أعمق من مجرد ميل سياسي؛ فالضغوط المالية، وصعوبة السكن، واتساع الشعور بعدم تكافؤ الفرص، وتراجع الثقة بجدوى العمل التقليدي، دفعت كثيراً من الشباب إلى إعادة النظر في النظام الاقتصادي. ومع ذلك، لا يعني صعود التعاطف مع الاشتراكية رفض السوق...

لم يبدأ غضب جيل زد من كتب الاقتصاد ولا من نقاش قديم بين الرأسمالية والاشتراكية، بل تشكل لدى كثير من شبابه في تفاصيل الحياة اليومية؛ في راتب لا يواكب تكاليف المعيشة، ومنزل يبتعد كلما ارتفعت الأسعار، ووظيفة لم تعد توفر بالضرورة طريقاً مستقراً نحو الطبقة الوسطى، وشعور متزايد بأن الجهد الفردي وحده لا يكفي دائماً للصعود الاجتماعي. وبينما كانت الأجيال السابقة تنظر إلى العمل والادخار بوصفهما طريقاً يمكن الاعتماد عليه لبناء الثروة والاستقرار، دخل جزء كبير من الجيل الجديد مرحلة البلوغ الاقتصادي وسط أزمات مالية ووباء عالمي وتضخم وارتفاع تكاليف السكن، ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع علامات استفهام إضافية أمام مستقبل بعض الوظائف.

لذلك، فإن الحديث عن علاقة جيل زد بالرأسمالية يتجاوز النقاش النظري بشأن النظام الاقتصادي الأفضل، لأن القضية بالنسبة إلى شريحة من الشباب أصبحت مرتبطة بتجربة شخصية مع النظام القائم، وبمدى قدرته على الوفاء بوعد أساسي ظل ملازماً للاقتصادات الرأسمالية لعقود: من يعمل ويتعلم ويطور نفسه يستطيع أن يحقق مستوى معيشة أفضل مما بدأ منه.

غضب بدأ من الحياة اليومية

في كينيا ظهرت إحدى الصور الواضحة لقدرة هذا الجيل على تحويل الضيق الاقتصادي إلى فعل عام، عندما لعب الشباب دوراً رئيسياً في احتجاجات عام 2024 التي أجبرت الرئيس وليام روتو على سحب مشروع قانون مالي مثير للجدل. لم تكن تلك الاحتجاجات حركة ضد الرأسمالية بالمعنى الأيديولوجي، كما أن وصفها بأنها حركة تخص جيلاً واحداً يبقى اختزالاً لتكوين اجتماعي وسياسي أكثر تعقيداً، لكنها أظهرت مدى استعداد شريحة شابة واسعة للتحرك عندما تشعر بأن الضرائب والديون وسياسات الدولة تضيف أعباء جديدة إلى حياة أصبحت مكلفة أصلاً.

الصورة الكينية ليست قابلة للتعميم على شباب العالم، لكنها تضع مدخلاً لفهم مزاج أوسع أصبح واضحاً في استطلاعات الرأي الدولية والأميركية؛ فالموقف من النظام الاقتصادي لم يعد منفصلاً عن مستوى المعيشة، ومن الصعب مطالبة جيل بالدفاع عن قواعد اقتصادية إذا كان يعتقد أن تلك القواعد أصبحت أقل قدرة على منحه المسار نفسه الذي حصلت عليه الأجيال السابقة.

الوعد القديم يفقد بريقه

لعقود طويلة استندت الصورة التقليدية للنجاح الاقتصادي إلى مسار شبه معروف: التعليم أولاً، ثم العمل، ثم الادخار، ثم امتلاك منزل وتكوين أسرة وبناء ثروة بمرور الوقت. لم يكن هذا المسار متاحاً للجميع بالتساوي، لكنه ظل نموذجاً واسع الحضور في المجتمعات الرأسمالية، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

جيل زد وصل إلى هذا المسار في وقت أصبحت بعض محطاته أكثر كلفة وتعقيداً. ويكشف مسح ديلويت العالمي لعام 2026، الذي شمل أكثر من 22,500 شخص من جيل زد والألفية في 44 دولة، أن الضغوط المالية أصبحت تؤثر مباشرة في القرارات الكبرى، إذ قال 55% من أفراد جيل زد إن أوضاعهم المالية دفعتهم إلى تأجيل قرارات حياتية رئيسية مثل الزواج وتكوين أسرة أو بدء مشروع أو مواصلة التعليم، كما أصبحت إمكانية الحصول على السكن وتحمّل تكلفته عاملاً يؤثر في خياراتهم المهنية ومكان عملهم.

بهذا المعنى، لم يعد الحديث عن الراتب مقتصراً على مقدار ما يستطيع الشاب شراءه هذا الشهر، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على بناء حياته خلال السنوات المقبلة، وهو تحول يجعل النقاش الاقتصادي أكثر حساسية لدى جيل يرى أن بعض الأهداف التقليدية لا تزال موجودة، لكن الوصول إليها أصبح يحتاج إلى وقت أطول ورأس مال أكبر ودرجة أعلى من الاستقرار.

المنزل يتحول من هدف إلى أزمة

يحتل السكن مكاناً خاصاً في هذه العلاقة المضطربة مع النظام الاقتصادي، لأنه كان تاريخياً واحداً من أهم أدوات تكوين الثروة لدى الطبقة الوسطى. وعندما تصبح ملكية المنزل بعيدة عن شريحة من الشباب، فإن الأمر لا يقتصر على تأجيل شراء عقار، بل يمتد إلى تأخير تكوين الأسرة والاستقرار الجغرافي وتراكم الأصول.

وذهبت صحيفة فايننشال تايمز إلى ربط أزمة السكن لدى جيل زد بظاهرة سمتها «العدمية الاقتصادية»، مشيرة إلى اتجاه بعض الشباب نحو العملات المشفرة والمخاطر المالية عندما يشعرون بأن الطرق التقليدية لتكوين الثروة أصبحت بعيدة المنال. ولا يعني ذلك أن جيلاً كاملاً استبدل الادخار بالمضاربة، لكنه يعكس تحولاً نفسياً واقتصادياً مهماً: عندما يبدو الهدف التقليدي صعباً للغاية، تصبح الخيارات التي كان يُنظر إليها سابقاً باعتبارها شديدة المخاطرة أكثر جاذبية لدى بعض الأفراد.

وتظهر هنا مفارقة لافتة، فجيل يُتهم أحياناً بمعاداة الرأسمالية هو في الوقت نفسه من أكثر الأجيال انخراطاً في أدوات مالية جديدة، ومن العملات الرقمية إلى الاستثمار عبر تطبيقات الهاتف والعمل الحر وإنشاء المشروعات على الإنترنت، وهو ما يشير إلى أن الاعتراض قد لا يكون موجهاً دائماً إلى السوق نفسه بقدر ما يتعلق بالقواعد التي تحدد من يستطيع تكوين الثروة وبأي سرعة.

الشك يصل إلى فكرة الاستحقاق

المشكلة تصبح أعمق عندما ينتقل الشعور من صعوبة الحياة إلى الشك في عدالة نقطة البداية نفسها. ففي مؤشر المساواة الصادر عن إبسوس عام 2024، قال 38% فقط من أفراد جيل زد في 29 دولة إن فرص النجاح في بلدانهم تعتمد بصورة رئيسية على الجدارة والجهد الشخصي، مقابل 49% من جيل طفرة المواليد. كما أظهر الاستطلاع أن الأجيال الشابة أكثر ميلاً إلى اعتبار عدم المساواة قضية مهمة في مجتمعاتها.

هذه الأرقام لا تعني أن غالبية شباب العالم ترفض مبدأ العمل الفردي أو النجاح الشخصي، لكنها تكشف ضعفاً في الثقة بفكرة طالما شكلت جزءاً أساسياً من شرعية النظام الرأسمالي؛ فقبول تفاوت النتائج يصبح أسهل عندما يعتقد الناس أن نقطة البداية عادلة وأن الاجتهاد يسمح بالتقدم، لكنه يصبح أكثر إثارة للاعتراض عندما يزداد الاعتقاد بأن الثروة الموروثة والسكن والطبقة الاجتماعية والظروف الاقتصادية تلعب دوراً أكبر مما يستطيع الفرد التحكم به.

ومن هنا يتحول النقاش من مقدار الثروة التي ينتجها الاقتصاد إلى الطريقة التي توزع بها الفرص داخل المجتمع، وهي مسألة تساعد على تفسير سبب ارتفاع تقبل الأفكار الاقتصادية التي تركز على إعادة التوزيع والخدمات العامة وشبكات الحماية الاجتماعية بين قطاعات من الشباب.

الاشتراكية لم تعد الكلمة المخيفة نفسها

تظهر هذه التحولات بصورة أوضح في الولايات المتحدة، مع ضرورة التمييز بين المزاج الأميركي وبين جيل زد عالمياً. ففي استطلاع غالوب المنشور في 23 سبتمبر/أيلول 2026، بلغت النظرة الإيجابية إلى الاشتراكية بين الأميركيين 43%، وهي المرة الأولى التي تتجاوز فيها النسبة 40% منذ بدء سلسلة غالوب عام 2010، مقابل 55% للرأسمالية.

ويزداد الفارق وضوحاً بين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، وهي فئة تشمل معظم البالغين من جيل زد إلى جانب جزء من جيل الألفية، إذ نظر 57% منهم بإيجابية إلى الاشتراكية مقابل 43% للرأسمالية، بينما انقلبت الصورة لدى من تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر، حيث حصلت الرأسمالية على تقييم إيجابي لدى 65% مقابل 34% للاشتراكية.

هذه الاتجاهات لم تظهر فجأة. ففي استطلاع مركز بيو للأبحاث عام 2022، كان 40% فقط من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً ينظرون بإيجابية إلى الرأسمالية، وهي أدنى نسبة بين الفئات العمرية التي شملها الاستطلاع، كما كان الشباب أكثر تقبلاً للاشتراكية من الأكبر سناً.

لكن كلمة «الاشتراكية» نفسها لا تحمل بالضرورة المعنى ذاته لكل شخص يستخدمها. فقد أظهرت أبحاث بيو أن الأميركيين كانوا أكثر ميلاً إلى ربط الرأسمالية بالحرية والفرص، بينما ربطوا الاشتراكية بدرجة أكبر بتلبية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية والسكن. وبذلك قد يكون جزء من التحول الذي يظهر في الاستطلاعات تعبيراً عن المطالبة بشبكة حماية أوسع وعدالة اقتصادية أكبر، وليس بالضرورة قبولاً بنموذج اشتراكي شامل لإدارة الاقتصاد.

جيل واحد ومواقف مختلفة

لا يمثل جيل زد كتلة سياسية أو اقتصادية موحدة، بل تظهر داخله اختلافات واسعة تتعلق بالجنس والدخل والبلد والتوجه السياسي. ويقدم استطلاع إبسوس مثالاً على ذلك، إذ وجد أن 27% من رجال جيل زد عبر 29 دولة يعتقدون أن جهود تعزيز المساواة بين مختلف المجموعات ذهبت بعيداً أكثر مما ينبغي، وكانت نسبتهم أعلى بنحو 11 نقطة مئوية من نساء الجيل نفسه.

وتظهر الانقسامات نفسها في الولايات المتحدة على أساس التوجه الحزبي؛ فبيانات بيو تشير إلى أن غالبية الجمهوريين الشباب ظلت تنظر إيجابياً إلى الرأسمالية، وإن كانت مستويات التأييد أقل من الجمهوريين الأكبر سناً، بينما كان الديمقراطيون الشباب أكثر ميلاً إلى النظرة الإيجابية للاشتراكية والسلبية تجاه الرأسمالية.

لذلك فإن وصف جيل زد بأنه «جيل اشتراكي» لا يقدم سوى جزء من الصورة، تماماً كما أن وصفه بأنه رافض للرأسمالية يتجاهل اختلاف تجاربه وظروفه. الأدق أن هناك تراجعاً في الحصانة الفكرية التي كانت تتمتع بها الرأسمالية لدى الأجيال السابقة، بحيث أصبح نقدها أكثر قبولاً ولم تعد البدائل الاقتصادية تحمل الدرجة نفسها من النفور لدى قطاعات واسعة من الشباب.

المفارقة.. السوق يبقى محبوباً

أبرز ما يمنع تفسير هذه الاتجاهات بوصفها انقلاباً شاملاً على اقتصاد السوق هو أن النظرة إلى المشروعات الصغيرة والمبادرة الفردية تبقى إيجابية بدرجة كبيرة. ففي أحدث بيانات غالوب، حصلت المشروعات الصغيرة على تقييم إيجابي لدى 95% من الأميركيين، وبقي مفهوم المشروع الحر أكثر شعبية من الرأسمالية والاشتراكية، رغم تراجع النظرة الإيجابية لبعض المؤسسات الاقتصادية الكبرى.

ويشير ذلك إلى فرق مهم بين «الرأسمالية» بوصفها صورة ذهنية مرتبطة أحياناً بالشركات الكبرى وتراكم الثروة وعدم المساواة، وبين «السوق» بوصفه فضاءً للمنافسة والمبادرة الفردية وتأسيس الأعمال. حتى غالوب خلصت إلى أن التحولات الأخيرة لا تعني انتقالاً جماعياً بعيداً عن الأسواق، إذ يستمر الدعم الواسع للمنافسة والاختيار الاقتصادي، بالتزامن مع القلق من عدم المساواة والقوة المفرطة للشركات الكبرى.

وهنا تتضح طبيعة العلاقة الجديدة؛ فجيل زد قد يرفض شركة عملاقة ويدعم مشروعاً ناشئاً، ينتقد تراكم الثروة وفي الوقت نفسه يسعى إلى تكوين ثروته الخاصة، يطالب بالدولة في الصحة والسكن والتعليم لكنه يريد حرية إنشاء مشروع والعمل بصورة مستقلة. هذه التناقضات ليست بالضرورة دليلاً على اضطراب فكري، بل قد تعكس تصوراً اقتصادياً لا يجد نفسه كاملاً داخل التقسيم التقليدي بين رأسمالية مطلقة واشتراكية شاملة.

إعادة التفاوض مع الرأسمالية

ربما تكون القضية الأساسية لدى جيل زد أقل ارتباطاً بالرغبة في إسقاط الرأسمالية وأكثر ارتباطاً بإعادة التفاوض على شروطها. فهذا الجيل لم يرث النظام الاقتصادي في المرحلة نفسها التي عاشتها أجيال سابقة، وإنما دخل سوق العمل في زمن أصبحت فيه أسعار الأصول مرتفعة، والاستقرار الوظيفي أقل وضوحاً، وتكاليف الحياة تضغط على القرارات الشخصية، فيما أصبحت التكنولوجيا قادرة على إعادة تشكيل وظائف كاملة خلال سنوات قليلة.

لذلك، فإن صعود النقد الموجه إلى الرأسمالية لا يقدم وحده دليلاً على اقتراب نظام اقتصادي بديل، لكنه يضع أمام الاقتصادات المعاصرة مشكلة تتعلق بالثقة. فإذا استمر الشباب في الاعتقاد بأن العمل لا يكفي لبناء حياة مستقرة، وأن السكن يتراجع بعيداً عن قدرتهم، وأن نقطة البداية الاقتصادية أكثر أهمية من الجهد المبذول، فستستمر جاذبية الأفكار المطالبة بتدخل أكبر للدولة وإعادة توزيع الثروة وتوفير الخدمات الأساسية.

جيل زد، في هذه الصورة، لا يعلن نهاية السوق ولا يقدم اتفاقاً جماعياً على الاشتراكية، لكنه يضع الرأسمالية أمام اختبار مختلف عن الاختبارات التي واجهتها في العقود السابقة؛ اختبار قدرتها على إنتاج ليس الثروة فقط، وإنما الشعور بإمكانية الوصول إليها. فالجيل الذي لا يرى طريقاً واقعياً نحو الاستقرار قد لا يهتم كثيراً بالدفاع عن اسم النظام الذي يعيش داخله، وسيقيسه بصورة أكثر مباشرة بما يتيحه له من فرص للسكن والعمل وتكوين الأسرة وتحسين حياته.

اضف تعليق