يسلط هذا المقال الضوء على المقومات الأساسية لبناء المستقبل وتحقيق النهضة المجتمعية الشاملة، استناداً إلى الأطروحات الفكرية والتربوية للمرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) في كتابه الصياغة الجديدة. ويناقش كيف يمكن للمجتمعات تجاوز حالة التشرذم والصراعات الجانبية، وتحويل التباينات الفكرية إلى قوة إصلاحية لمواجهة منظومات الفساد واسترداد كرامة الأمة وعزتها...
(إن الله سبحانه وتعالى إنما يرفع العمل الصالح، أما العمل الذي يشوبه النفاق والرياء
فيبقى في الأرض) الإمام الشيرازي
لكي نحقق ما نصبوا إليه ونخطط له لابد من تجاوز النظرات والأهداف الضيقة التي تمثل الخطوة الأولى والأهم في مسيرة أي مجتمع يطمح نحو النهوض والحرية، فحينما نغرق في تفاصيل خلافاتنا الجانبية وننشغل بالمكاسب الشخصية العابرة، فإننا نمنح الأنظمة الفاسدة أكبر هبة ممكنة، وهي تشتيت طاقاتنا وإضعاف جبهتنا قدراتنا المتنوعة، لذا فإن الترفع عن الصغائر والارتقاء بوعينا الجماعي يصبح ضرورة حتمية لا خياراً ثانوياً.
التنوع في الآراء والاختلاف في وجهات النظر ليس دليلاً على التشرذم إذا ما أُحسن توجيهه، بل يمكن للذين يتطلعون إلى المستقبل الشامل أن يحولوا تلك الخلافات من نقاط ضعف إلى أدوات إثراء وفكر متجدد، ويمكن تحويل التباينات الفكرية والسياسية إلى سلاح إيجابي لبناء قوة صلبة، وهذا يتطلب رؤية شجاعة ومدروسة علميا وعمليا، ويجب أنى ترتكز على الهدف الأسمى، ألا وهو مواجهة الفساد واستئصال جذوره.، فمن أساسيات صناعة المستقبل مقارعة الفساد بلا هوادة.
وحين ندرك جميعاً أن المعركة الحقيقية ليست بيننا، بل ضد المنظومات التي تسلب إرادة الشعوب وتستنزف مقدراتها، تتلاشى الأحقاد الضيقة وتتوحد الجهود، لأن القوة الحقيقية لأي أمة تكمن في قدرتها على إدارة خلافاتها بنضج وتفاهم عبر الحوار، وجعل هذا التنوع وقوداً محركاً لموجة تغيير شاملة تستأصل الظلم، وتؤسس لواقع جديد يستند إلى العدالة والكرامة والحرية للجميع، فالوعي الجمعي يقتضي منا ألا نجعل من التباينات الفكرية حائلاً يمنع التكاتف، بل نراها مصدر غنى يتكامل فيه الجميع لأجل قضية مشتركة تهم عموم المجتمع.
الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة):
(يجب أن نترك ونتجنب النظرات والأهداف الضيقة، ونترفّع عن الخلافات، ولو كانت هناك خلافات بيننا فيجب أن تتحول إلى سلاح لأجل التغيير في مواجهة الأنظمة الفاسدة، وأن تكون قلوبنا مفتوحة للآخرين، وأن لا نفرق بين هذا وذاك وأن يكون المقياس هو (التقوى) وحسن الإدارة).
كما أن امتلاك المجتمع لسعة الصدر والانفتاح الفكري يمثل الركيزة الأساسية لبناء نهضة حقيقية واستقرار مستدام، فعندما يتجاوز المجتمع التعصب الفكري والتخندق الفئوي، يفسح المجال واسعاً أمام العقول المبدعة والخبرات الوطنية لتأخذ موقعها المستحق في مسيرة البناء والتطوير والمشاريع التنموية الحقيقية.
اعتماد المقاييس الموضوعية الصارمة
إن المعيار الحقيقي للتقدم والازدهار يكمن في البحث الجاد عن الكفاءات والاعتماد على المقاييس الموضوعية الصارمة، كالخبرة والنزاهة والإنجاز، بعيداً عن مجاملات العلاقات الشخصية أو الولاءات والحسابات الحزبية الضيقة التي تهدر الطاقات البشرية وتكرس المحسوبية والجمود، وكذلك فإن تقديم الارتباطات والمصالح الضيقة والمنفعة المادية حزبيا أو فئويا على حساب الكفاءة والجدارة يؤدي حتماً إلى تراجع المؤسسات وتفشي الفساد الإداري وتهميش الطاقات المبدعة.
لذا فإن ترسيخ ثقافة العدالة وتكافؤ الفرص يضمن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، مما يعزز ثقة الأفراد بمؤسساتهم ويدفع بعجلة التنمية الشاملة إلى الأمام. إن المجتمع الواعي والحي هو الذي يقيس أبناءه بميزان عطائهم وكفاءتهم، ويجعل من سعة الصدر والإنصاف والمهنية سياجاً يضمن المستقبل المشرق للجميع.
كما يؤكد الإمام الشيرازي في قوله:
(إن المجتمع الذي يمتلك سعة الصدر ويبحث عن الكفاءات والمقاييس الصحيحة ولا يبحث عن العلاقات والارتباطات الحزبية الضيقة، هذا المجتمع يتقدم على ذلك المجتمع الذي يفكر فقط وفقط في مصالحه الشخصية الضيقة).
ولابد لنا كأفراد ضمن المجتمع أن ندرك ونؤمن بأن تربية الإنسان لنفسه على سعة الصدر والتسامح ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل هي ضرورة ملحة لبناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة التحديات، وعندما يترفع الفرد عن الضغائن ويفتح قلبه لاستيعاب الاختلاف، فإنه يضع اللبنة الأولى لسلامه الداخلي وسلام مجتمعه.
ولا تقف هذه التربية الذاتية عند حدود الذات، بل تتعداها إلى التفكير الجدي والمسؤول في مصلحة الآخرين، والعمل الصادق لما فيه خير الأمة والعالم أجمع، بروح إنسانية تتجاوز الأنانية والتطاحن المتبادل، وقبل كل شيء، يبقى الالتزام الراسخ بتعاليم الإسلام السمحة والقيم الأخلاقية النبيلة هو البوصلة التي توجه السلوك وتضبط البناء النفسي.
فالدين والقيم هما الحصن المنيع الذي يحمي الفرد والمجتمع من الانحراف، لأن المنظومة المتكاملة من سعة الصدر، والإيثار، والتمسك بالثوابت، هي من الصفات الأصيلة التي يجب أن يتحلى بها أبناء شعبنا بجميع فئاته ومكوناته، لحياكة نسيج وطني متين يقدم النموذج الحضاري المشرق في الوحدة والتعايش، ويسهم بفعل حقيقي في خدمة الإنسانية جمعاء.
الإمام الشيرازي يقول عن ذلك:
(إن تربية الإنسان لنفسه على سعة الصدر، والتفكير الجدي في مصلحة الآخرين وفي مصلحة أمته والعالم، وقبل كل شيء في إسلامه وقيمه، من الأمور التي يجب أن يتحلى بها أبناء شعبنا بجميع فئاته ومكوناته).
تحقيق العزة المنشودة للأمة
ولعله من أساسيات صناعة المستقبل السليم، هو أن نتطلع جميعا إلى مستقبل مشرق وواعد لا يتحقق بالتمنيات وحدها، بل يستلزم صياغة واقع جديد يقوم على الوحدة والتعاون والتنسيق الوثيق بين طاقاتنا الفكرية وقدراتنا المادية، وهذا يستوجب توحيد كافة الجهود والإمكانات وتسخيرها بوعي وإخلاص لخدمة القضية الأساسية التي تضمن مستقبلا زاهرا للمجتمع.
ويتوجب أن يرتكز هذا المسار الحضاري على ولاءٍ صادق وواع للقيادة الإسلامية المرجعية التي تتصدى بشجاعة ورؤية حكيمة لقيادة الأمة ضد الأنظمة الفاسدة، فهذا التلاحم المصيري بين الأمة ومرجعيتها القيادية، والمقرون بحسن استغلال الطاقات والموارد، هو الضمان الحقيقي لدحر الظلم، وبناء مستقبل تسوده العدالة والكرامة والحرية والازدهار.
الإمام الشيرازي يقول عن هذه النقطة:
(إننا نتطلع إلى مستقبل مشرق، وهذا المستقبل يتطلب منا الوحدة والتعاون والتنسيق بين طاقاتنا الفكرية وقدراتنا المادية، وتسخيرها في خدمة القضية الأساسية، وأن يكون ولاؤنا للقيادة الإسلامية المرجعية التي تتصدى لقيادة الحركة ضد الأنظمة الفاسدة).
ومن أساسيات صناعة المستقبل أن نمتلك النفس الصبورة، والرؤية البعيدة، والأهداف السامية، وهذا ليس مجرد بناء ذاتي، بل هو شرط أساسي لصناعة شخصية قيادية قادرة على استيعاب المجموع، وتوحيد الطاقات، وتوجيه القدرات نحو الغايات الكبرى، فالتحلّي بالأفق الواسع والتسامي عن صغائر الأمور يمنح الفرد والمجتمع القدرة على احتواء الاختلافات واستثمارها لبناء مستقبل مشرق.
وليعلم المسلمون بأن العزة والانتصار لا يُنالان جزافا، بل يتوقفان بالكامل على خوض ساحات العمل الجاد، والإعداد الشامل لكافة مستويات المواجهة مع الفساد، كما أن الوعي بمتطلبات المرحلة، والمزاوجة بين الاستقامة النفسية والاستعداد العملي، هما السبيل الوحيد لفرض مكانة الأمة وحماية قيمها وتحقيق تطلعاتها المشروعة في الكرامة والسيادة.
حيث يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:
(لتكن نفوسنا صبورة ورؤانا بعيدة، ولتكن أهدافنا وتطلعاتنا سامية، حتى تكون شخصيتنا قادرة على استيعاب المجموع وتجميع طاقاته وقدراته. وليعلم المسلمون أن خوض ساحات العمل والإعداد للمواجهة من الأمور التي يتوقف عليها انتصارهم وعزتهم).
بالنتيجة من المهم أن نفهم بأن صناعة المستقبل المشرق ترتكز على وعي راسخ وعمل دؤوب، وهي تبدأ بالإعداد النفسي السليم والصبور، وتتغذى على رؤى بعيدة وأهداف سامية تتجاوز التحديات الآنية، كما تتطلب وحدة صف حقيقية بين الجميع، وتنسيقاً واعياً بين الطاقات الفكرية والمادية المتوفرة لديهم، والالتزام بالقيم والمرجعيات الأصيلة التي تضمن النهوض الشامل وتحقيق العزة المنشودة للأمة.



اضف تعليق