يطرح المقال قراءة نقدية في البنية الثقافية العراقية المعاصرة، متناولًا التعامل السطحي مع المفاهيم الفكرية الوافدة والمحلية، وغياب المعمل الثقافي القادر على تفكيك النظريات وإعادة تركيبها لتفسير الواقع العراقي. ويدعو إلى الانتقال من استهلاك المفاهيم إلى إنتاج المعرفة الوطنية، وتحويل العراق من ساحة لتطبيق النظريات إلى موقع لإنتاجها...

نشرت مقالًا بعنوان «لماذا نبحث عن أفكارنا في الخارج؟»، ناقشت فيه ظاهرة أراها جديرة بالتأمل في حياتنا الثقافية، تتمثل في استعداد المثقف العراقي لاستدعاء المفاهيم التي أنتجها مفكرون عالميون مثل غرامشي وهابرماس وروالز وفوكو، في الوقت الذي لا يحظى فيه الإنتاج الفكري العراقي المعاصر بالقدر نفسه من القراءة والنقد والاختبار. ولم تكن دعوتي إلى الانغلاق على الفكر المحلي أو تفضيله لمجرد أنه محلي، وإنما إلى إخضاع الأفكار كلها، الوافدة والمحلية، لمعيار واحد يقوم على قدرتها على تفسير الواقع والإسهام في تغييره.

وقد تلقيت ملاحظة مهمة من الصديق محمد سلطان، رأى فيها أن المقال، على الرغم مما يتضمنه من أثر نقدي، أعطى مساحة واسعة للدعوة إلى الالتفات إلى الإنتاج الفكري المحلي، بينما تحتاج المشكلة إلى الانتقال من المناشدة إلى نقد أكثر مباشرة للبنية الثقافية التي تستقبل المفاهيم الوافدة وتتعامل معها. ولفت نظري بصورة خاصة إلى ما يمكن تسميته «المعمل الثقافي»، أي ذلك الإطار الذي يفترض أن تدخل إليه المادة الفكرية، سواء جاءت من الخارج أم نشأت في الداخل، لكي تخضع للاختبار وإعادة التركيب في ضوء الواقع المحلي.

وجدت في هذه الملاحظة إضافة حقيقية إلى الفكرة، بل وجدتها مثالًا عمليًا لما كان المقال نفسه يدعو إليه. فالفكرة لا تنمو بالتصفيق لها، وإنما عندما يدخل قارئ جاد في حوار معها، فيقبل بعض مقدماتها ويعترض على بعضها الآخر، ثم يدفع السؤال إلى مستوى أعمق. وإذا كان المقال الأول قد سأل عن سبب ضعف الاعتراف بالإنتاج الفكري العراقي، فإن ملاحظة محمد سلطان تفتح سؤالًا أسبق: هل تمتلك الثقافة العراقية أصلًا المعمل القادر على استقبال الأفكار، المحلية والوافدة، وتحويلها إلى معرفة عراقية منتجة؟

المشكلة، بهذا المعنى، ليست أننا نستورد المفاهيم. الحضارات كلها فعلت ذلك، ولا توجد حضارة نشأت من عقلها وحده. الحضارة الإسلامية نفسها استوعبت معارف اليونان والفرس والهنود وغيرهم، كما أن النهضة الأوروبية لم تبدأ من فراغ، وإنما أعادت اكتشاف تراث قديم واستفادت من منجزات الحضارة الإسلامية ومن تراكمات إنسانية متعددة. انتقال الأفكار بين المجتمعات ليس علامة ضعف، بل أحد قوانين التطور الحضاري، لأن المعرفة بطبيعتها عابرة للحدود والأزمنة.

لكن هناك فرقًا جوهريًا بين استيراد المفهوم واستهلاكه، وبين استقباله وإعادة إنتاجه.

حين انتقلت الفلسفة اليونانية إلى المجال الحضاري الإسلامي لم يبقَ المسلمون مجرد شراح لأرسطو وأفلاطون، على الرغم من الدور الكبير الذي أداه الشرح والترجمة في البداية، وإنما دخلت تلك الأفكار في بيئة فكرية جديدة، وواجهت أسئلة العقيدة والفقه والكلام والسياسة والأخلاق، وولدت من احتكاكها بهذه البيئة أسئلة ومفاهيم ومدارس جديدة. وبالمثل، لم تستورد أوروبا في عصر نهضتها التراث القديم لكي تعيش داخله، وإنما أعادت قراءته في ضوء تحولات اجتماعية واقتصادية وعلمية وسياسية جديدة، فخرج من عملية التفاعل شيء مختلف عما دخل إليها.

هنا تظهر وظيفة «المعمل الثقافي». فالمعمل لا يستقبل المادة الخام لكي يحتفظ بها كما هي، وإنما لكي يفككها ويختبرها ويعيد تركيبها ويضيف إليها، ثم ينتج منها شيئًا جديدًا. وإذا استعرنا هذه الصورة إلى المجال الفكري، فإن السؤال لا يعود: هل نقرأ غرامشي أم لا؟ وإنما يصبح: ماذا يفعل العقل العراقي بغرامشي بعد أن يقرأه؟

مفهوم «الكتلة التاريخية»، على سبيل المثال، ولد في سياق اجتماعي وسياسي وتاريخي معين. وحين ننقله إلى العراق لا يكفي أن نترجم المصطلح ونشرح معناه ثم نبحث عن جماعات عراقية يمكن أن نضعها داخله. المطلوب أولًا أن نسأل عن الشروط التي أنتجت المفهوم، وعن تصور غرامشي للمجتمع والطبقات والهيمنة والثقافة والدولة، ثم نسأل عن مقدار وجود هذه الشروط في المجتمع العراقي، وعن الفروق التي تصنعها الطوائف والقوميات والعشائر والاقتصاد الريعي والدولة الضعيفة والسلاح خارج المؤسسات والنفوذ الخارجي. وعندئذ قد نكتشف أن المفهوم صالح جزئيًا، أو أنه يحتاج إلى تعديل، أو أن التجربة العراقية تدفعنا إلى إنتاج مفهوم آخر أكثر قدرة على تفسيرها.

بهذه الطريقة يتحول الفكر الوافد من مرجعية نرددها إلى مادة نفكر بها.

وهذا هو الفارق الذي نفتقده في حالات كثيرة. فجزء من خطابنا الثقافي يتعامل مع المفهوم العالمي وكأنه منتج نهائي. نستورد «المجتمع المدني» و«الحوكمة» و«الدولة المدنية» و«النيوليبرالية» و«الكتلة التاريخية» و«المجال العام» وغيرها من المفاهيم، ثم نستخدمها في وصف واقعنا من دون أن تمر دائمًا بعملية كافية من التفكيك وإعادة البناء. وفي هذه الحالة يصبح المثقف أقرب إلى مستخدم للأداة منه إلى شريك في إنتاجها، ويصبح المجتمع ساحة لتطبيق المفهوم بدل أن يكون الواقع نفسه مصدرًا لإعادة تشكيل المفهوم

وهنا تتضح أيضًا مشكلة الإنتاج الفكري المحلي من زاوية جديدة. فقد كنت في المقال السابق أتحدث عن «هدر القيمة المعرفية» عندما ينتج العقل العراقي فكرة ثم لا تدخل في دورة القراءة والنقد والتطوير، لكن الملاحظة التي أثارها محمد سلطان تجعل مفهوم الهدر أوسع من ذلك. فنحن نستطيع أن نهدر القيمة المعرفية بطريقتين متعاكستين ظاهريًا: أن ننتج فكرة محلية ثم نهملها من دون اختبار، أو أن نستورد فكرة عالمية عظيمة ثم نحولها إلى شعار نكرره من دون إعادة إنتاج.

في الحالة الأولى نهدر قيمة أنتجناها، وفي الثانية نهدر قيمة استوردناها، لكن السبب في الحالتين واحد: ضعف المعمل الثقافي القادر على تحويل الأفكار إلى معرفة متراكمة وفاعلة.

وهذا يقود إلى نتيجة ربما تكون أكثر أهمية من السؤال الذي بدأ منه المقال السابق. فالمشكلة ليست أن المثقف العراقي يفضل غرامشي على مفكر عراقي، ولا أن الأسماء الأجنبية تتمتع بهيبة أكبر من الأسماء المحلية، مع أن شيئًا من ذلك موجود بلا شك. المشكلة الأعمق أن علاقتنا بالمفهوم نفسه تحتاج إلى مراجعة. نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة «استعمال المفاهيم» إلى ثقافة إنتاج المفاهيم واختبارها وإعادة إنتاجها.

وهذا المعيار ينبغي أن يطبق على الفكر المحلي بالصرامة نفسها. فليس المطلوب أن نستبدل التبعية لغرامشي بالتبعية لمفكر عراقي، ولا أن نمنح «الدولة الحضارية الحديثة»، مثلًا، امتيازًا معرفيًا لأنها نشأت في العراق أو لأنها تحاول الإجابة عن مشكلة عراقية. بل ينبغي أن تدخل هي الأخرى المعمل نفسه: تُفكك مفاهيمها، وتختبر فرضياتها، وتقارن بالواقع، وتكشف نقاط قوتها وضعفها، ويؤخذ منها ما يصمد أمام الاختبار ويعدل ما يحتاج إلى تعديل ويرفض ما لا يثبت قدرته على تفسير الواقع أو الإسهام في تغييره.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة أراها ضرورية لأي نهضة فكرية عراقية: لا امتياز للوافد لأنه عالمي، ولا حصانة للمحلي لأنه محلي. فالمرجعية النهائية ليست شهرة صاحب المفهوم ولا جنسيته، وإنما قدرة المفهوم على إنتاج معرفة تساعدنا على فهم الإنسان والمجتمع والدولة والعالم.

غير أن وجود هذا المعمل الثقافي لا يتحقق بمجرد رغبة بعض المثقفين. فالمعرفة ليست نشاطًا فرديًا خالصًا، وإنما تحتاج إلى بيئة اجتماعية ومؤسساتية تسمح بتراكمها. تحتاج إلى جامعات لا تكتفي بتدريس النظريات المستقرة، بل تدخل الإنتاج الفكري العراقي المعاصر إلى مجال البحث والمناقشة؛ وإلى مراكز دراسات لا تكون وظيفتها إصدار التقارير فقط، بل بناء المدارس البحثية؛ وإلى صحافة ثقافية تعيد الاعتبار للنقاش الفكري العميق؛ وإلى مجلات محكمة ومنتديات فكرية وحلقات نقاش يستطيع فيها الباحث أن يختبر فكرته أمام الآخرين، ثم يعود إليها ليعيد بناءها في ضوء ما تعرضت له من نقد.

كما أن المعمل الثقافي لا يستطيع أن يعمل بمعزل عن المجتمع الذي يوجد فيه. وهذه من النقاط المهمة في ملاحظة محمد سلطان. فالمفاهيم التي تنتجها المجتمعات المتقدمة لا تنشأ في فضاء فكري منفصل عن الاقتصاد والسياسة والعلم والتعليم والتحولات الاجتماعية، وإنما تكون جزءًا من حركة تاريخية أوسع. ولذلك فإن استعارة مفهوم ولد داخل بنية اقتصادية وسياسية واجتماعية معينة ونقله بصورة آلية إلى مجتمع مختلف قد تجعلنا نمتلك لغة حديثة لوصف واقع لم تتغير بنيته بعد.

وهذه إحدى مفارقات التحديث في مجتمعاتنا. قد نتحدث بلغة الدولة الحديثة بينما تعمل مؤسساتنا بمنطق ما قبل الدولة، ونتحدث عن المواطنة بينما تظل الطائفة والعشيرة والقومية مصادر فعلية للحماية والانتماء، ونتحدث عن اقتصاد السوق بينما يقوم جانب كبير من الاقتصاد على الريع والتوزيع السياسي للثروة، ونتحدث عن المجتمع المدني بينما تعتمد منظمات كثيرة على الدولة أو القوى السياسية أو التمويل الخارجي. وهنا تصبح الحداثة أحيانًا لغة تكسو بنية لم تدخل بعد بصورة كاملة في عملية التحديث.

لذلك فإن المطلوب ليس «تبيئة» المفهوم بالمعنى البسيط للكلمة، لأن التبيئة قد تعني أخذ منتج جاهز وإجراء بعض التعديلات عليه حتى يلائم البيئة الجديدة. ما نحتاج إليه أعمق من ذلك: إعادة إنتاج المفهوم داخل أسئلتنا وتجربتنا التاريخية. فنحن لا نسأل فقط كيف نطبق «الكتلة التاريخية» على العراق، بل نسأل ما الذي يحدث للمفهوم نفسه عندما يدخل العراق، وما الذي يضيفه الواقع العراقي إليه، وما الذي يسقط منه، وما المفهوم الجديد الذي يمكن أن يولد من هذا اللقاء.

عند هذه النقطة يتحول العراق من «موضوع» تطبق عليه النظريات إلى موقع لإنتاج النظرية.

وهذا التحول هو أحد الشروط الحقيقية للاستقلال الفكري. فالاستقلال لا يعني أن نتوقف عن قراءة العالم، وإنما أن نمتلك القدرة على الدخول معه في علاقة متكافئة نسبيًا: نأخذ منه ونضيف إليه، نقرأ مفاهيمه وننتج مفاهيمنا، ونسمح للواقع العراقي بأن يكون مصدرًا للأسئلة والأجوبة معًا، لا مجرد حقل اختبار لنظريات صيغت في أماكن أخرى.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن هذه العملية تدخل مباشرة في قانون «تعظيم القيمة وتقليل الهدر». فالفكرة، سواء كانت محلية أو وافدة، قيمة محتملة، لكن هذه القيمة لا تتحقق بمجرد وجودها في كتاب أو مقال. تتحقق عندما تدخل في شبكة من القراءة والنقد والاختبار والتطوير، ثم تصبح قادرة على الإسهام في زيادة قدرة الإنسان والمجتمع على فهم الواقع والتعامل معه. أما الفكرة التي نرددها من دون اختبار، مثل الفكرة التي نهملها من دون اختبار، فهي قيمة لم نستطع تحويل إمكانها إلى فعل.

ومن هنا أعود إلى الملاحظة التي أثارها الصديق محمد سلطان، لا لأعتبرها اعتراضًا على المقال السابق، وإنما لأراها استمرارًا طبيعيًا له. فقد كان ذلك المقال يدعو إلى أن تدخل أفكارنا في الحوار والنقد، وجاءت ملاحظته لتفعل ذلك بالفعل: أخذت الفكرة، واختبرتها، وكشفت مساحة لم تكن قد أخذت حقها من التحليل، ثم دفعتها نحو سؤال جديد. وإذا استطعنا أن نجعل هذه الطريقة في التعامل مع الأفكار جزءًا من حياتنا الثقافية، فإننا نكون قد بدأنا عمليًا في بناء ذلك «المعمل» الذي نتحدث عنه.

فالعراق لا يعاني فقرًا في العقول، ولا نقصًا في الكتب والمقالات والشهادات الجامعية، بقدر ما يعاني ضعف الآليات التي تحول هذا كله إلى تراكم معرفي منتج. والمشكلة لذلك ليست في كمية ما نقرأ ولا في عدد المفاهيم التي نستوردها، وإنما في السؤال الذي يأتي بعد القراءة والاستيراد: ماذا فعلنا بما قرأنا؟

حين نستطيع أن نأخذ مفهومًا من غرامشي فنفككه ونختبره ونغيره، وأن نأخذ مفهومًا من مفكر عراقي فنفعل به الشيء نفسه، ثم ننتج من الحوار بين الاثنين مفهومًا ثالثًا أكثر التصاقًا بتجربتنا وأكثر قدرة على تفسيرها، نكون قد انتقلنا من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها. وعندها فقط لن يكون السؤال: من أين جاءت الفكرة؟ بل سيكون: ماذا أضاف عقلنا إليها، وماذا أضافت هي إلى قدرتنا على بناء الإنسان والدولة والحضارة؟

اضف تعليق