هذه البركة العميمة التي شعَّت وانتشرت على الشيعة الكرام من ولادة هذا الإمام العظيم الهمام، الذي جعله الله لهم معاذاً وملاذاً ليتمسَّكوا بحبل ولايته ويعتصموا بإمامته ويحتجوا على الناس به وبصغر سنه بداية ونهاية لأنه استشهد ولم يتجاوز عمره الشريف ربع قرن أي 25 سنة، فكيف قاد هذه الأمة...
ولد الإمام الجواد (عليه السلام) في العاشر من رجب الأصب سنة 195 هـ في المدينة المنورة
مقدمة ولائية
الولاية هي أصل أصيل من أصول العقيدة والدِّين الإسلامي الحق، وهي الركيزة التي يرتكز عليها الفروع كلها لأنها الباب الذي تُقبل منه الطاعات والعبادات، كما في حديث الإمام الباقر (عليه السلام): (بُنِيَ اَلْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ عَلَى اَلصَّلاَةِ، وَاَلزَّكَاةِ، وَاَلْحَجِّ، وَاَلصَّوْمِ، وَاَلْوَلاَيَةِ، قَالَ زُرَارَةُ فَقُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟
فَقَالَ: اَلْوَلاَيَةُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ وَاَلْوَالِي هُوَ اَلدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ..)، إلى أن يقول: (ذِرْوَةُ اَلْأَمْرِ وَسَنَامُهُ وَمِفْتَاحُهُ وَبَابُ اَلْأَشْيَاءِ وَرِضَا اَلرَّحْمَنِ اَلطَّاعَةُ لِلْإِمَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: (مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّٰهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)، أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَامَ لَيْلَهُ، وَصَامَ نَهَارَهُ، وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَحَجَّ جَمِيعَ دَهْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ وَلاَيَةَ وَلِيِّ اَللَّهِ فَيُوَالِيَهُ، وَيَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلاَلَتِهِ إِلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ عَلَى اَللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ حَقٌّ فِي ثَوَابِهِ، وَلاَ كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْإِيمَانِ). (الکافي: ج۲ ص۱۸)
فالولاية بهذا المقام السَّامي من الدِّين الحق، ولذا ربنا سبحانه وتعالى بلطفه وكرمه لم يُخلِ الأرض من لي له وحجة يحتجُّ به على خلقه وعباده، وليكون لهم دليلاً ومرشداً يدلُّهم على خالقهم،ويرشدهم لهدايتهم حتى لا يضلُّوا عن طريق الحق، ويتيهوا في متاهات الظلام والضَّلال، ويجتالهم الشيطان الرجيم عن ربهم وجنَّتهم، وهي مكملَّة لمقام النبوة والرسالة ومتمِّمة لنعم الرَّب على عباده، وهذا ما بيَّنه أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي (ع) في خطبة له حيث يقول: (وَاِصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ -آدم- أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى اَلْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْلِيغِ اَلرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اَللَّهِ إِلَيْهِمْ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، وَاِتَّخَذُوا اَلْأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاِجْتَالَتْهُمُ اَلشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَاِقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ اَلْمَقْدِرَةِ..). (نهج البلاغة: ج۱ ص۳۹)
فالولاية هي حبل الله المتين الذي أمرنا بالتمسُّك به، وهي صراطه المستقيم الذي نسأله أن يهدينا إليه في كل صلاة نصليها، وهي العروة الوثقى التي يجب أن نتمسَّك بها، وهي نظام الملَّة والدِّين كله، ولولا الولاية لما عرف ولا عبد الله تعالى.
الإمام محمد الجواد (عليه السلام)
الإمام محمد الجواد (ع) هو الإمام التاسع من أئمة الحق والهدى من آل محمد (صلوات الله عليهم جميعاً) وهو بالحقيقة معجزة الإمامة والولاية في هذه الأمة التي ضيَّعت طريقها وضلَّت عن صراطها التي أمرها الله ورسوله بأن تسلكه لتنجو من الهلاك في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، وذلك بتعمُّدها واختيارها المسير في الطُّرق المختلفة التي شقَّها لها الأولون منها لا سيما السُّلطة القرشية التي أوصلوها إلى الشجرة الملعونة في القرآن الأموية فحولوها إلى ملوكية وسلطة عضوضة عضَّّتهم في مقتل فتفرَّقوا طرائق قددا ولم ولن يجتمعوا أبداً إلى أن يأذن الله لجامع الكلمة على التقوى في آخر الزمان وهو الإمام والولي الخاتم من آل محمد.
وذلك لأن الإمام محمد الجواد الذي طال انتظاره من أبيه، وأهله وشيعته ومحبيه حتى ضلَّ بعضهم وملَّ أكثرهم فجاؤوا إلى سيدهم ومولاهم الإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) الذي لم يرزق بأولاد حتى كبر سنَّه نسبياً فشكُّوا به وبالإمام من بعده حتى كَتَبَ اِبْنُ قِيَامَا -الواقفي- إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ -الرِّضا- (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ: كَيْفَ تَكُونُ إِمَاماً وَلَيْسَ لَكَ وَلَدٌ؟ فَأَجَابَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) شِبْهَ اَلْمُغْضَبِ: (وَمَا عَلَّمَكَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ؟ وَاَللَّهِ لاَ تَمْضِي اَلْأَيَّامُ وَاَللَّيَالِي حَتَّى يَرْزُقَنِيَ اَللَّهُ وَلَداً ذَكَراً يَفْرُقُ بِهِ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَاَلْبَاطِلِ). (الکافي: ج۱ ص۳۲۰)
وعن ابن أبي نَصْر البَزَنْطِيِّ قال: قَالَ لِيَ اِبْنُ اَلنَّجَاشِيِّ: مَنِ اَلْإِمَامُ بَعْدَ صَاحِبِكَ فَأُحِبُّ أَنْ تَسْأَلَهُ حَتَّى أَعْلَمَ؟ فَدَخَلْتُ عَلَى اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ فَقَالَ لِي: (اَلْإِمَامُ اِبْنِي) وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ثُمَّ قَالَ: (هَلْ يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ اِبْنِي وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ؟) وَلَمْ يَكُنْ وُلِدَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَلَمْ تَمْضِ اَلْأَيَّامُ حَتَّى وُلِدَ (صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ). (كشف الغمة: ج۲ ص۳۵۲)
والعجيب أن أهل الشَّك والضَّلال اتَّخذوا من هذه الحادثة -تأخير ولادة الإمام الجواد- مجالاً للشك والطعن بإمامة والده العظيم عالم آل محمد، ثم التشكيك بإمامته هو بعد ولادته، والحقيقة بأنه كان معجزة كبيرة وحجة دامغة للإمام الرِّضا (ع) لأنه كان يُخبرهم ويتكلم عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -كما يرون ويعتقدون- فكيف يُخبر عن ولده وليس له ولد؟، وعن الإمام الجواد (ع) نفسه وإمامته إذ كيف يتسلَّم منصب الإمامة طفل يبلغ من العمر ست سنوات وفارقه والده إلى خراسان وبقي هو في المدينة المنورة وهو ابن أربع سنوات فمَنْ ربَّاه وعلَّمه وأفاض عليه ذلك النور والبهاء بحيث أنه خضعت له الرِّقاب من عبد الله المأمون الحاكم للإمبراطورية العباسية وما دونه من أهل البلاط وخارجه وهذا ما يشهد به التاريخ حيث بيَّض صفحاته الإمام الجواد بسيرته العطرة وأثبت حضوره وجدارته بقيادة الأمة وريادتها رغم كل ما أحاط به من ظروف؟
فكيف لابن أربع سنوات أن يسدَّ مكان والده الإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) في المدينة المنورة حيث كان له حلقة درس منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره الشَّريف ولما استقدمه المأمون إلى مرو سافر وترك ولده الجواد (ع) مكانه ليدير الأمور وهو في تلك السن المبكرة جداً، وهذا ما احتجوا على الإمام الرضا نفسه به حيث روي عن صَفْوَان بن يحْيَى قال: قُلْتُ لِلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): قَدْ كُنَّا نَسْأَلُكَ قَبْلَ أَنْ يَهَبَ اَللَّهُ لَكَ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَكُنْتَ تَقُولُ: (يَهَبُ اَللَّهُ لِي غُلاَماً) فَقَدْ وَهَبَ اَللَّهُ لَكَ فَقَرَّ عُيُونُنَا فَلاَ أَرَانَا اَللَّهُ يَوْمَكَ فَإِنْ كَانَ كَوْنٌ فَإِلَى مَنْ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا اِبْنُ ثَلاَثِ سِنِينَ! قَالَ: (وَمَا يَضُرُّهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَدْ قَامَ عِيسَى (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) بِالْحُجَّةِ وَهُوَ اِبْنُ ثَلاَثِ سِنِينَ). (الکافي: ج۱ ص۳۲۱)
وعن الخَيْرَانِيِّ عن أبيه قال: كُنْتُ وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْ أَبِي اَلْحَسَنِ -الرِّضا- (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) بِخُرَاسَانَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا سَيِّدِي إِنْ كَانَ كَوْنٌ فَإِلَى مَنْ؟ قَالَ: (إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ اِبْنِي)، فَكَأَنَّ اَلْقَائِلَ اِسْتَصْغَرَ سِنَّ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ)، فَقَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): (إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولاً نَبِيّاً صَاحِبَ شَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فِي أَصْغَرَ مِنَ اَلسِّنِّ اَلَّذِي فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ). (الکافي: ج۱ ص۳۲۲)
وكم واجه الإمام الرِّضا (ع) من أمثال هؤلاء الذين يقرؤون القرآن ويتلونه في آناء ليلهم وأطراف نهارهم ويعتبرون أنفسهم من الشيعة والموالين إلا أنهم لا يفهمون، ولا يدركون، ولا يتعقلون كيف يكون الإمام صغيراً في السِّن وكأن السِّن -المقياس القرشي الأول لأهل السقيفة- مازال معمولاً به إلى عصر الإمام (ع) ولم يخطر ببالهم أن السيد المسيح وابن خالته يحيى بن زكريا بُعثا أطفالاً وأحدهما كان في المهد صبياً، لا سيما السيد المسيح بن مريم (عليهما السلام) الذي كان نبياً مرسلاً ونزل عليه كتاباً هو الإنجيل وهو طفل صغير، وصرَّح بنبوته ورسالته وهو في المهد ابن ساعات، وانتهت رسالته كلها وهو في 33 سنة من عمره فقط وتأتيك السلطة القرشية لتقول لأمير المؤمنين الإمام علي (ع) ابن 33 سنة: أنت صغير في السِّن، ويجب أن نضع مَنْ هو أكبر منك سناً، وكذلك ما زالت هذه الأمة تقيس بنفس المقياس إلى اليوم للأسف الشديد وكأن القرآن الحكيم نزل لغيرها، أو أنها تؤمن بكل فضيلة حتى إذا وصلت إلى آل محمد أنكرت وجحدت وقالت: أنَّى لهم ذلك؟
والإمام علي بن موسى الرِّضا (ع) قد أجابهم بجواب قاطع لكل شخص قارئ أو سامع إذا كان من أهل العقل السليم والمنطق القويم بقوله: (إِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ يَتَوَارَثُ أَصَاغِرُنَا عَنْ أَكَابِرِنَا اَلْقُذَّةَ بِالْقُذَّةِ)، (بصائر الدرجات: ج۱ ص۲۹6)، وأهل البيت جميعاً لا يقاس بهم أحد من هذه الأمة ولا من غيرها، كما في الروايات التي يشهد بها العلماء لا سيما أحمد بن حنبل صاحب المذهب وغيره.
والحقيقة والواقع والمنطق والدِّين يقول: بأن الإمام محمد الجواد (ع) هو الإمام الحق والمعجزة التي أثبت فيها الله تعالى إمامة والده الرِّضا (ع)، وإمامته هو على الأمة لأنه كان إماماً وهو بتلك السِّن الصغيرة، ولذا عبَّر عنه والده الإمام الرضا (ع) تعبيراً عجيباً لم يتوقف العلماء والفضلاء عنده وهو ما رواه يَحْيَى اَلصَّنْعَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُقَشِّرُ مَوْزاً وَيُطْعِمُهُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَقُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ؟ قَالَ: (نَعَمْ؛ يَا يَحْيَى هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ). (الکافي: ج6 ص۳6۰)
هذه البركة العميمة التي شعَّت وانتشرت على الشيعة الكرام من ولادة هذا الإمام العظيم الهمام، الذي جعله الله لهم معاذاً وملاذاً ليتمسَّكوا بحبل ولايته ويعتصموا بإمامته ويحتجوا على الناس به وبصغر سنه بداية ونهاية لأنه استشهد ولم يتجاوز عمره الشريف ربع قرن أي 25 سنة، فكيف قاد هذه الأمة المترامية الأطراف وفي تلك الظروف الاستثنائية بكل ما فيها وهو بذلك السن من الفتوة والشباب الذي لم يتجاوزه؟
الإمام الجواد (ع) حجة الله
التأمل فيما تقدَّم من أحاديث وأحداث تؤكد أن الإمام محمد الجواد (ع) هو الإمام الحق المعجزة التي جعلها الله مؤيِّدة للإمامة وإثباتها، وثباتها في آل محمد (صلوات الله عليهم)، لأن الوقائع والأحداث كلها تُثبت عظمة وسمو مكانة الإمام الجواد (ع) في عصره الذي يصفونه بالعصر الذهبي للدولة العباسية، والإمام عاصر معظم حياته وإمامته المباركة في عصر عبد الله المأمون الذي تحدَّى قومه وكل بني العباس والعلماء والفقهاء والقضاة جميعاً بالإمام الجواد (ع) على صغر سنِّه -9 سنوات فقط- ففاز به وفلج بحجته وزوَّجه من ابنته المجرمة أم الفضل في عام 215ه.
فعن الرَّيَّانِ بن شَبِيب قال: لَمَّا أَرَادَ اَلْمَأْمُونُ أَنْ يُزَوِّجَ اِبْنَتَهُ أُمَّ اَلْفَضْلِ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) بَلَغَ ذَلِكَ اَلْعَبَّاسِيِّينَ فَغَلُظَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَاِسْتَنْكَرُوهُ وَخَافُوا أَنْ يَنْتَهِيَ اَلْأَمْرُ مَعَهُ إِلَى مَا اِنْتَهَى مَعَ اَلرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) فَخَاضُوا فِي ذَلِكَ وَاِجْتَمَعَ مِنْهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ اَلْأَدْنَوْنَ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُ: نَنْشُدُكَ اَللَّهَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُقِيمَ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ اَلَّذِي قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَزْوِيجِ اِبْنِ اَلرِّضَا فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ تُخْرِجَ بِهِ عَنَّا أَمْراً قَدْ مَلَّكَنَاهُ اَللَّهُ، وَتَنْزِعُ عَنَّا عِزّاً قَدْ أَلْبَسَنَاهُ اَللَّهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ قَدِيماً وَحَدِيثاً وَمَا كَانَ عَلَيْهِ اَلْخُلَفَاءُ اَلرَّاشِدُونَ قَبْلَكَ مِنْ تَبْعِيدِهِمْ وَاَلتَّصْغِيرِ بِهِمْ، وَقَدْ كُنَّا فِي وَهْلَةٍ مِنْ عَمَلِكَ مَعَ اَلرِّضَا مَا عَمِلْتَ حَتَّى كَفَانَا اَللَّهُ اَلْمُهِمَّ مِنْ ذَلِكَ فَاللَّهَ اَللَّهَ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى غَمٍّ قَدِ اِنْحَسَر عَنَّا وَاِصْرِفْ رَأْيَكَ عَنِ اِبْنِ اَلرِّضَا وَاِعْدِلْ إِلَى مَنْ تَرَاهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
فَقَالَ لَهُمْ اَلْمَأْمُونُ: أَمَّا مَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ آلِ أَبِي طَالِبٍ فَأَنْتُمْ اَلسَّبَبُ فِيهِ وَلَوْ أَنْصَفْتُمْ اَلْقَوْمَ لَكَانُوا أَوْلَى بِكُمْ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ مَنْ قَبْلِي بِهِمْ فَقَدْ كَانَ قَاطِعاً لِلرَّحِمِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَ وَاَللَّهِ مَا نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي مِنِ اِسْتِخْلاَفِ اَلرِّضَا وَلَقَدْ سَأَلْتُهُ أَنْ يَقُومَ بِالْأَمْرِ وَأَنْزِعَهُ مِنْ نَفْسِي فَأَبَى وَكانَ أَمْرُ اَللّٰهِ قَدَراً مَقْدُوراً، وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَدِ اِخْتَرْتُهُ لِتَبْرِيزِهِ عَلَى كَافَّةِ أَهْلِ اَلْفَضْلِ فِي اَلْعِلْمِ، وَاَلْفَضْلِ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ، وَاَلْأُعْجُوبَةِ فِيهِ بِذَلِكَ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَا قَدْ عَرَفْتُهُ مِنْهُ فَيَعْلَمُوا أَنَّ اَلرَّأْيَ مَا رَأَيْتُ فِيهِ.
فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا اَلصَّبِيَّ وَإِنْ رَاقَكَ مِنْهُ هَدْيُهُ فَإِنَّهُ صَبِيٌّ لاَ مَعْرِفَةَ لَهُ وَلاَ فِقْهَ فَأَمْهِلْهُ لِيَتَأَدَّبَ وَيَتَفَقَّهَ فِي اَلدِّينِ ثُمَّ اِصْنَعْ مَا تَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَيْحَكُمْ إِنِّي أَعْرَفُ بِهَذَا اَلْفَتَى مِنْكُمْ وَإِنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ عِلْمُهُمْ مِنَ اَللَّهِ، وَمَوَادِّهِ، وَإِلْهَامِهِ، وَلَمْ يَزَلْ آبَاؤُهُ أَغْنِيَاءَ فِي عِلْمِ اَلدِّينِ، وَاَلْأَدَبِ عَنِ اَلرَّعَايَا اَلنَّاقِصَةِ عَنْ حَدِّ اَلْكَمَالِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَامْتَحِنُوا أَبَا جَعْفَرٍ بِمَا يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا وَصَفْتُ مِنْ حَالِهِ.. إلى أن يقول:
فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ لِلْمَأْمُونِ: أَ تَأْذَنُ لِي يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ اَلْمَأْمُونُ: اِسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ فَقَالَ: تَأْذَنُ لِي -جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مَسْأَلَةٍ؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): سَلْ إِنْ شِئْتَ.. قَالَ يَحْيَى: مَا تَقُولُ -جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْداً؟
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): قَتَلَهُ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، عَالِماً كَانَ اَلْمُحْرِمُ أَمْ جَاهِلاً، قَتَلَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً، حُرّاً كَانَ اَلْمُحْرِمُ أَمْ عَبْداً، صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً، مُبْتَدِئاً كَانَ بِالْقَتْلِ أَوْ مُعِيداً، مِنْ ذَوَاتِ اَلطَّيْرِ كَانَ اَلصَّيْدُ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، مِنْ صِغَارِ اَلصَّيْدِ كَانَ أَوْ مِنْ كِبَارِهِ، مُصِرّاً عَلَى مَا فَعَلَ أَوْ نَادِماً، لَيْلاً كَانَ قَتْلُهُ اَلصَّيْدَ أَوْ نَهَاراً، مُحْرِماً كَانَ بِالْعُمْرَةِ إِذْ قَتَلَهُ، أَوْ بِالْحَجِّ كَانَ مُحْرِماً.. فَتَحَيَّرَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَبَانَ فِي وَجْهِهِ اَلْعَجْزُ وَاَلاِنْقِطَاعُ وَلَجْلَجَ حَتَّى عَرَفَ جَمَاعَةُ أَهْلِ اَلْمَجْلِسِ أَمْرَهُ). (كشف الغمة: ج۲ ص۳۵۳)
وفعلا امتحنوا الإمام الجواد (ع) بيحيى بن أكثم قاضي القضاة فبهره وكل مَنْ حضر في مجلسه وأقعاه على مؤخرته وكأنه تلميذ وطفل صغير بين يدي مؤدِّبه ومعلِّمه، ومازالت تلك المجالس وأخبارها يتناقلها الرُّواة ويرويها العلماء والفقهاء وأرباب الأدب ليتعلمَّوا ويُعلِّموا منها، وهي تثبت حجيَّة الإمام الجواد (ع) الذي جعله الله من فوق سمائه إماماً للأمة وحجة على العباد جميعاً، فالسلام عليه يوم ولد يوم استشهد ويوم يبعث حياً.



اضف تعليق