لم تكن السيدة خديجةُ الكبرى عليها السلام مجردَ زوجةٍ آوت ونصرت، بل كانت الشهيدةَ البيضاء التي حوّلت ثروتها من ذهبِ التجارةِ إلى درعٍ للوحي، وأثبتت للعالمِ أنَّ عظمةَ الأمةِ تبدأُ من عقلِ امرأةٍ قرأت النبوةَ بقلبِها قبلَ أن تسمعَها بلسانِها، فصارت هي الوطن قبلَ أن تُبنى الدولة...
في أعماق التاريخ، وتحديداً في اللحظة التي كان فيها العالم يغرق في حياة مادية قاسية وفجر روحي لم يتشكل بعد، برزت السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) لتكون الحضن الآمن الذي استوعب الوحي في أشد لحظات بدايته صعوبة. إن قراءة سيرة هذه المرأة العظيمة لا يجب أن تقتصر على كونها زوجة قدّمت المساعدة، بل هي في جوهرها روح الثورة؛ فهي الشخصية التي قدمت للإنسانية أول درس في كيفية وضع المال في خدمة القيم الإنسانية.
لقد امتلكت السيدة خديجة ذكاءً كبيراً جعلها تدرك أن الفكرة العظيمة، مهما كانت سماوية، تحتاج إلى قوة مادية تحميها من أعدائها. لذا، حوّلت ثروتها من مجرد أموال للتجارة والربح إلى درع اقتصادي وسياسي كسر حصار قريش. وحين نتذكر مشهد وقوفها بجانب النبي ﷺ وهو يرتجف من ثقل الوحي وهي تطمئنه قائلة: "كلا والله ما يخزيك الله أبداً"، فنحن لا نرى عاطفة زوجية عابرة، بل نرى بصيرة نافذة عرفت صدق نبوته من خلال أخلاقه قبل أن تسمع الوحي بلسانه.
إنها المسكن الروحي الذي ثبّت قلب الرسالة، وهي المضحية الكبرى التي لم تقدم فضلات أموالها، بل قدمت ثروتها بالكامل وحياتها معها، حتى جاعت في شعب أبي طالب وماتت بسبب ذلك الحصار، لتستحق لقب الشهيدة البيضاء التي رحلت دفاعاً عن كرامة الإنسان وحق الناس في الهداية.
وعلى ضفاف تلك العظمة، نكتشف أن خديجة (عليها السلام) كانت المخطط الذكي الذي أدار معركة الصمود؛ فقد استخدمت مكانتها الاجتماعية وهيبتها لكسر العزلة التي حاول الأعداء فرضها على النبي ﷺ. إن حضورها القوي يعلمنا أن القوة الهادئة حين تمتزج بالحق تكون أقوى من مئات السيوف. ومن الزوايا التي يغفل عنها الكثيرون، هي تضحيتها بالرفاهية؛ فامرأة في مكانتها كانت تستطيع العيش في قصور مكة بسلام، لكنها اختارت بوعي تام طريق التعب والجوع في الشِّعب، محطمةً بذلك عشق المادة من أجل الخلود المعنوي.
إن هذا التحول في حياة خديجة يطرح درساً في الجمال الحقيقي؛ فجمالها لم يكن في الملابس الفاخرة، بل في صمودها الأسطوري وهي ترى أموالها تنفد لتطعم الجياع من المسلمين الأوائل، وهي تبتسم للنبي ﷺ رغم ألم الجوع لكي لا تشعره بضعفها.
لقد نسفت خديجة (عليها السلام)، منذ قرون طويلة، كل فكرة تحاول تهميش المرأة؛ فقد كانت سيدة قرارها ومالها، وبدونها لم يكن النبي ﷺ ليجد الوطن الذي يأوي إليه في مكة.
لذا، يجب أن نرى في خديجة اليوم منهجاً في إدارة الأزمات؛ حيث يتقدم المبدأ على المصلحة الشخصية. لقد أسست لفكرة البيت الرسالي القائم على وحدة الهدف، وكانت المعلمة الأولى لابنتها الزهراء (عليها السلام)، لتمتد تلك السلالة الطاهرة كشاهد على أن عظمة الأمهات هي التي تصنع عظمة التاريخ.
نحن اليوم بحاجة لاستعادة روح خديجة كبوصلة أخلاقية تعيد تعريف النجاح؛ فالنجاح ليس بما نجمع، بل بما نمنحه للحق في وقت الشدة، ليبقى اسمها أول توقيع مالي وروحي على وثيقة ولادة الإسلام، الوثيقة التي كُتبت بالوفاء وعُمّدت بالتضحية التي لا تعرف الحدود.
كيف نستلهم السيدة خديجة عليها السلام اليوم؟
1. المال وسيلة لا غاية: يجب أن يتعلم المجتمع أن القوة المالية الحقيقية هي التي تساهم في بناء الإنسان ورفع الظلم، تماماً كما فعلت السيدة خديجة بأموالها.
2. المرأة شريك قيادي: السيدة خديجة أثبتت أن دور المرأة ليس ثانوياً، بل هو القاعدة الأساسية التي يقوم عليها نجاح أي مشروع إصلاحي كبير.
3. الصمود وقت الأزمات: نتعلم منها أن القوة تظهر في ساعات العسرة، وأن اليقين بالحق هو الذي يصنع النصر في النهاية مهما كان الحصار قبيحاً.



اضف تعليق