مفهوم العِبرة من القضية الحسينية تمثل بحد ذاتها فصلاً كبيراً في مدرسة النهضة الحسينية تعلو في قوة منهجها، على أية محاولة تعليمية او تثقيفية اخرى تسعى اليها الانظمة السياسية الرامية الى صياغة ثقافة خاصة لجمهورها أملاً في صناعة قاعدة شعبية توفر الشرعية لوجودها...
"لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ إقرار العبيد".
الإمام الحسين، عليه السلام
من مفارقات التعامل مع الشعائر الحسينية، وكل ما يتعلق بإحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، في جميع البلاد الاسلامية، أنها من أكثر الفعاليات مبعثاً للحماس والتفاعل السلمي على صعيد الفرد والجماعة، وأكثرها على الساحة الاجتماعية والسياسية ايجابية، وفي نفس الوقت أكثرها تعرضاً للقمع والتحجيم والمضايقة بشكل أو بآخر، وعلى مر العصور.
الطقوس الظاهرية أم الافكار الجوهرية
أدرك الحكام منذ قرون مضت حقيقة النهضة الحسينية، وتفهموا –الى حد ما- قضية الإمام الحسين وحادثة استشهاده مع اهل بيته يوم عاشوراء، حتى من الناحية العقدية والمذهبية فان معظم الطوائف الاسلامية لا ينكرون عليه، عليه السلام، خروجه على حاكم زمانه والوقوف بوجهه، ويتفهمون رفضه البيعة له، فاكتفوا بتأطير القضية كحدث تاريخي، بينما الموالون لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله (الشيعة)، فانهم يرون فيها ما هو أكبر وأوسع من التاريخ الصامت، فهي موضوع حيوي يعيش مع الانسان مثل نهرٍ جارٍ مصدر ينبوعه الدموي، معركة الطف، وبموازاة هذا النهر الدموي الجاري تُسكب العبرات، وتُلطم الصدور، و تظهر مختلف مظاهر الحزن على هذه الذكرى الأليمة على مدار السنة، ثم تبلغ الذروة في تصاعد مشاعر الحزن أيام محرم الحرام ثم أيام شهر صفر الخير.
ومن أجل التعامل السلمي مع هذه القضية السلمية، ارتأى الحكام والانظمة السياسية طوال قرون مضت على التعامل بطريقة المجاراة، لاسيما في بلدان يشكل فيها الموالون لأهل البيت نسبة كبيرة من السكان، بما يفترض الحذر في اختيار نوع التعامل بما لا يخلّ بإطار العلاقة بين الجماهير والسلطة الحاكمة، فكانت تتعامل مع المشهد طقسياً بحصر يوم العزاء المركزي والرئيس في يوم العاشر من محرم الحرام، ففي الدولة العراقية ثم يومٌ ثابتٌ في التقويم كعطلة رسمية، هو يوم العاشر من المحرم، ولم تكن الحكومات السابقة في الدولة العراقية الحديثة بعد الاستقلال، وحتى في العهد العثماني، تمانع من إقامة المآتم، وتسيير المواكب في الشوارع، إلا في حالات انفرد بها بعض الساسة بدوافع طائفية معروفة.
بيد أن التطور الثقافي والنضوج الفكري "للاجتماع الشيعي" بشكل عام، خرج على الإطار الطقسي لينطلق في رحاب الحياة ويجري تطبيقات عملية على الواقع الاجتماعي والسياسي من وحي التجربة الحسينية، الامر الذي أسفر عن بلورة الصراع الأبدي القديم بين الحق والباطل في الذهنية الشيعية، لتنتقل فيما بعد الى الذهنية الاسلامية بشكل عام، وأن الامام الحسين كان يشكل جبهة الحق، فيما كان يزيد بن معاوية يشكل جبهة الباطل، ومن هذه النقطة تحديداً انقدحت شرارة الخوف في القصور الرئاسية والملكية من آثار إحياء ذكرى عاشوراء، والخوف هنا ليس من أن يهدد المعزون بانقلاب عسكري –مثلاً- أو حتى تكون مظلة لحراك معارض في الشوارع كما يحصل في تجارب ثورية في بعض الدول، إنما ينظر الحكام الى ما هو أبعد من هذا الاحتمال، ويمكن الاشارة الى ثلاثة أمور طالما أرّقتهم طيلة السنوات الماضية، وما تزال:
الأمر الاول: القيادة
إن من آثار عاشوراء تحديدها لمعيار القيادة الصالحة وتمييزها عن القيادة الفاسدة، فالقضية تتجاوز التعاطف مع شخص الامام الحسين، عليه السلام، وانه ابن بنت رسول الله، وقتل مظلوماً، لتطال المسؤول عن هذه الجريمة، ودوافعها ايضاً، وفي أي تطرق لمجريات الاحداث من على المنبر يتضح للسامع أن الطغيان والانحراف والفساد في كل زمان ومكان هو الذي يدفع لارتكاب جريمة تصفية المعارضين والمصلحين، كما فعل يزيد مع الامام الحسين.
وبعد إدانة الظلم والظالم، تأتي مرحلة ايجاد البديل الأفضل، وهذا يعني التفكير بالإطاحة بهذا الحاكم الظالم، او الوقوف بوجهه بالمعارضة السلمية والمطالبة بالإصلاحات في أقل التقادير.
ومن مصاديق هذا التطابق؛ وجود جذوة النهضة الحسينية في قلب معظم –إن لم نقل جميع- افراد الحركة الاسلامية المعارضة لنظام البعث العراقي منذ سني الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وكانت مفاهيم الشهادة، والتضحية من اجل القيم والمبادئ، هي التي تجرأ الشباب الجامعي وعامة الناس على الوقوف بوجه سلطة حزب دموي متمرس على العنف والإبادة الجماعية من اجل السلطة، وحصل ما حصل من حظر لشعائر عدّة مثل؛ المسير نحو مدينة كربلاء المقدسة لإحياء أربعين الامام الحسين (المشاية)، الى جانب شعائر حسينية عديدة، وحتى بعض القصائد الحسينية الملهمة مثل؛ "ياحسين بضمايرنه صحنا بيك آمنّه".
الأمر الثاني: العِبرة
اذا كان الامر الأول يتعلق بالقيادة السياسية، فان الامر الثاني يمثل القيادة لأفراد المجتمع والأمة بصياغة نمط التفكير والسلوك ومنظومة الأخلاق بشكل عام من خلال مراجعة جزئيات الاحداث التي كان أبطالها أشخاص مثل؛ طوعة، تلك المرأة الكوفية التي آوت مسلم بن عقيل، في الجانب الايجابي، وشخص مثل عمر بن سعد الذي جعل الحصول على المال والامتيازات السياسية مبرراً لقتل الامام الحسين، عليه السلام.
وأي عبرة نتحدث عنها من واقعة الطف نجد لها انعكاساً في حياتنا اليومية، مثل الوفاء، والصدق، والشجاعة، والإيمان، والتوبة والتغيير الذاتي، في مقابل الخذلان، والجُبن، والازدواجية في الشخصية، وعبادة الذات والمال.
وبالمجمل؛ فان مفهوم العِبرة من هذه القضية تمثل بحد ذاتها فصلاً كبيراً في مدرسة النهضة الحسينية تعلو في قوة منهجها، على أية محاولة تعليمية او تثقيفية اخرى تسعى اليها الانظمة السياسية الرامية الى صياغة ثقافة خاصة لجمهورها أملاً في صناعة قاعدة شعبية توفر الشرعية لوجودها.
الأمر الثالث:
ويتعلق بذات الانسان وما يحمل من مشاعر وحالات نفسية خاصة، فقد لفت الحكام، ومن يدور حولهم من أشباه المثقفين، ظاهرة التفاعل الغريب لأفراد المجتمع على اعتاب اليوم الأول من شهر محرم الحرام، وتحديداً شريحة الشباب، وهذا ما يثير المخاوف والقلق أكثر من تحول الشباب بما يحملون من قدرات ذهنية وعضلية، الى قوة فاعلة للتغيير والإصلاح، في حين يرجون أن تكون هذه الشريحة رصيداً لهم لتنفيذ سياساتهم داخل المجتمع من خلال تعبئتهم بالمغريات والمثيرات طوال أيام السنة، ولكن الملفت جداً ملاحظة عدد كبير من الشباب، حتى غير الملتزم بالاحكام الدينية، وقد تملكه الحماس والتفاعل في المواكب الخدمية، أو في المجالس الحسينية، وفي مسيرات العزاء باللطم والضرب بالسلاسل على الظهور وغيرها من مظاهر الشعائر الحسينية.
القوة والمصداقية للتجربة الديمقراطية
لنعود الى المقطع من خطبة الامام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء أمام الجيش الأموي، والذي صدّرنا به المقال، فالمواجهة قبل أن تتضمخ بالدماء كانت عبارة عن دعوة للصلاح والأمن والحرية؛ لجمهور المسلمين، وللحاكم في الوقت نفسه، بما يؤكد سلمية الحراك بامتياز، إنما المشكلة في الطريقة السيئة والغبية في التعامل معها بتغييب العقل والحكمة، وتحكيم هوى النفس ونزعة التسلّط وعبادة الذات، وإن كان بثمن إراقة دماء آخر ابن بنت نبي بين المشرق والمغرب، والتسبب بكارثة انسانية مدوية عبر التاريخ والاجيال.
وفي خطوة جديدة على طريق تحسين صورة تجارب الحكم في العصر الحاضر، راح البعض يتعكّز على "المشاركة السياسية" من خلال الانتخابات وإدلاء الناس بآرائهم في صناديق الاقتراع لهذا النائب وذاك الرئيس في ظل حملات وتضليل للوعي، وتغييب للحقيقة، بينما الامام الحسين يتحدث يوم عاشوراء عن قواعد انسانية كبرى راسخة في الضمير والوجدان، وهي؛ الكرامة والحرية في مقابل الذل والعبودية، فربما يربح السياسي الانتخابات ويتسنّم المناصب العالية وينطلق في فساده المالي والإداري، بينما يخسر المواطن كرامته وحريته مقابل فتات من الرواتب والتعيينات في وظائف حكومية وبعض "المِنح" المُهينة التي يحصل عليها ثمناً لسكوته وقبوله بالأمر الواقع، لا لكونه حقاً مشروعاً يفترض على الحاكم الوفاء به.
ولا أشكّ ابداً في تحسس الحكام والانظمة السياسية الخطر من عاشوراء، كلما زاد الوعي بتلكم المفاهيم الحسينية، واستحضرت النفوس تلكم العِبر والدروس من واقعة الطف، فتكون الخشية حتى من استذكار اسماء مثل عمر بن سعد! أو الشمر! في جبهة الباطل، وربما حتى اسماء مثل؛ الحر الرياحي و زهير بن القين في جبهة الحق.
ومن نافلة القول في الختام، استذكار الاجراءات القمعية لنظام حزب البعث البائد في العراق ضد الشعائر الحسينية، عندما كانوا يوصون خطباء المنبر بعدم التطرق الى كيفية استشهاد الامام الحسين، ومن الذي قتله وشارك في قتله! فكان الناس يتبادلون الطُرفة للتندّر بأن على الخطيب الحسيني ان يجد مخرجاً للقضية بالقول: "إن الامام الحسين مات بصعقة كهربائية"!



اضف تعليق