إسلاميات - الإمام الشيرازي

كيف نقفز من الانحطاط الى الارتقاء؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

على من تقع مسؤولية الأخطاء التي يرتكبها الفرد أو الأمة؟، سؤال مهم يتردد بين كثيرين، مهتمين وغير مهتمين، يكتسب هذا السؤال أهميته في معرفة الأجوبة الدقيقة لأنها ستقودنا إلى الأسباب الصحيحة التي تقف وراء الأخطاء، وبعد أن يتحقق هذا النوع من المعرفة، وهو مهم جدا، فإن المعنيين يمكنهم الشروع بوضع المعالجات المناسبة لتلك الأخطاء.

وحين تبقى الأخطاء مهملة خفية لا أحد يعبأ بها لأي سبب كان، فهذا يعني استمرار الفرد في إنتاج الأخطاء وتداعياتها وكذلك تستمر الأمة في نهجها الخاطئ لأنها لم تبذل ما ينبغي لمعالجة أخطائها التي تكفي كي تكون المسبّب الأخطر والأكثر تأثير في الإبقاء على الأمة وأفرادها في حالة انحطاط وانكسار وإحباط.

وهذا بالطبع لا يليق بأمة لها قصب السبق في تنوير البشرية، وساهمت في تطوير الوسائل والأدوات التي ارتقت بجميع الأمم إلى التقدم البشري الحاصل حاليا، أمة العرب والمسلمين لا أحد يستطيع إنكار دورها الإنساني العلمي والسياسي على المستوى العالمي، وإذا كان المسلمون والعرب يعانون اليوم من الفشل شبه الشامل، فهذا يعود إلى جملة من الأسباب تقف رداءة الأنظمة السياسية والحكومات في المقدمة منها!.

التخلّف هو نتاج الأمة التي تخلّفت، والتقدم يعود إلى سعي الأمة لمعالجة الأخطاء وإيجاد السبل والطرائق المناسبة التي تقلل من الأخطاء إلى أدني حد ممكن، في مقابل تصاعد مضطر لسلّم الارتقاء معرفيا وعلميا وأدبيا، لذلك تكون الأمم مسؤولة عن تخلّفها حتى لو شاركت في ذلك عوامل خارجية، فأصل الخطأ يبدأ من الأمة ذاتها، ويصح ذلك على التقدم أيضا، فالأمة التي تتقدم معرفيا وعلميا إنما يأتي ذلك كنتيجة طبيعية لسعيها ونجاحها.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه الثمين (لنبدأ من جديد):

(كل أمة تخلَّفت فإن الذنب لا يقع على غيرها بل على نفسها أولاً، وعلى العكس من ذلك، فمن تقدَّمَ كان خيره لنفسه).

العقل والخبرات المصقولة بالتجربة

ومثلما تقف الأمة وراء تخلّفها، فإن هذه البديهيات تشمل الفرد أيضا، ولكن ما أسباب التخلف، وما حجر الزاوية في ذلك؟، الفرد منحهُ الله عقلا وقدرات يمكنهُ صقلها وتشذيبها وتطويرها، وهي خاضعة لذكاء الإنسان ومؤهلاته وخبراته المتراكمة أيضا، وهذا كلّه محكوم بطبيعة الأفكار التي يؤمن بها، ومدى إمكانياته في تغييرها وتطويرها.

فإذا كان حيويا مبادِرا دينامكيا، وهي مواصفات من الممكن أن يتحلّى بها الفرد، فإنهُ بالإمكان تطوير فكره وتغييره بما يحقق له درجة جيدة من تغيير الحياة وتطويرها، لاسيما في مجتمعاتنا التي أدمنت المراوحة في مكانها أو التراجع إلى الوراء، وهذا يعني شيوع بيئة راكدة معرفيا وعلميا، ما يعني نشوء فرد (راكد معرفيا)، لا يجد جدوى في تغيير حياته، لأنه أصلا غير قادر على تغيير أفكاره وتطويرها!.

لذلك يحذّر الإمام الشيرازي من هذه النقطة، فيقول حول ذلك:

(كل إنسان ارتقى وكل إنسان انحط ـ إذا لم يكن هناك ضغطاً خارجياً ـ فالسبب وراء ذلك يكمن في فكره أولاً).

حتى تجديد الفكر وتغييره قد لا يكون كافيا، وهذا يعني أننا كأمة وكأفراد نقف إزاء حالة أو ظاهرة تستدعي أولا فهم ماهيتها، أي فهم التخلّف، ومن ثم المثابرة في إيجاد معالجات صحيحة وناجعة للأسباب بعد تحديدها بدقة، كل هذه الخطوات متدرجة وتدخل في صميم الهدف، ولكن مع ذلك حتى تغيير الفكر وتطويره يجب أن لا يسير في منحنى عادي، أي أن تطوير فكر الأمة والفرد يجب أن يتم في إطار توظيف التغيير الفكري لإنتاج أفضل الأعمال وأرفعها.

ما فائدة تغيير الفكر لكي نفشل في أعمالنا أو أهدافنا، فسمو الفكر يأتي من سمو النتائج والأعمال، ما يجعل منّا مسؤولين مسؤولية كاملة أمام النتائج التي لا تتوقف على تغيير التفكير فقط، وإنما يجب أن يُستخدم التغيير الفكري في مجالات وإنجازات متفرّدة ومتفوقة، حتى يتحقق النجاح والتميّز المرتكب للأمة والفرد.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي في قوله:

(على من يريد تجديد حياته، والتقدم إلى الأمام، أن يجدد في فكرهِ أيضاً، وأن يفكر في أفضل الأعمال وأرفعها),

موت الطموح ونهاية الارتقاء

هناك ظاهرة تربوية ملحوظة في مجتمعنا، نتجت بالتراكم الزمني والتربوي، وهي نتيجة حتمية للتهرّب من التغيير الفكري، وهي ظاهرة (موت الطموح)، فهناك من يكتفي بما لديه من منجزات قد تكون بسيطة لا تتجاوز العيش العادي البسيط الذي يتشابه به وبنوعيته ملايين الناس، لكن الغاية من خلق الإنسان ليس التشابه، أو الاكتفاء بالحد الأدنى من الطموح تحت ضغط البحث عن الراحة!.

هناك من لا يفكّر في رفع مكانته ومركزه العلمي أو الوظيفي أو الإنتاجي، لأنه منطفئ ومنكفئ ومكتفي بما لديه، لذلك هو بعيد عن الطموح الذي يرتقي به درجات إلى الأعلى، السبب هو تخوّفه من تقديم الجهد الفكري والمادي أو حتى العضلي الذي يحقق درجة ارتقاء أعلى في العلم أو الوظيفة أو الإنتاج الكلي للفرد.

الفرد الذي يراوح في مكانه، سوف يكون سببا في صنع أمة لا تعبأ بالتطور، ولا يخيفها التخلف، وهو واقع نعيشه اليوم كعرب ومسلمين، فهذا التأخر عن الأمم الأخرى هو في الأصل نتاج فردي، وحصيلة أفراد يفتقدون للطموح، ويبحثون عن الدِعَة والراحة، ولا يشغلهم ما وصلت إليه الأمم التي تقاسمهم الأرض من تطور وتميّز واستقرار، هؤلاء تكفيهم الدرجات الدنيا من المراكز، وهم السبب الأول في صناعة أمة متأخرة، وأمثالهم موجودون في الواقع الذي يعجّ بهم!.

الإمام الشيرازي يشير إلى هؤلاء الخاملين، ويتساءل بألم وقهر:

(لماذا البقال يبقى بقالاً وهو يرى زميله صار تاجراً محترماً، ولماذا المعلِّمُ بقي معلماً، وهو يستطيع أن يصبح أستاذاً في الجامعة؟، ولماذا السياسي بقي في درجة أدنى وهو يستطيع أن يكون وزيراً أو رئيساً للجمهورية؟).

إذاً هو غياب الاستعداد الذاتي للارتقاء والتطور، وهذا هو لبّ ما تعانيه أمة المسلمين، وهو السبب الذي جعلنا نترك موقع الصدارة إلى سوانا من الأمم التي باتت اليوم تتحكم بمصائرنا، حين نكون تحت سطوتهم الاقتصادية أو السياسية أو غيرها!، وقد يقول قائل إن الفرد هو جزء من كلّ وإن الخلل في الكل ثم يتسلل إلى الجزء أو الفرد؟، لكنّ هذا الرأي أو الاستنتاج يسعى لتبرئة الفرد من مسؤولياته، ذلك أن الطموح ونزعة التطوير ذاتية قبل أن تكون جمعية.

التنبّه إلى واقع أمتنا ومجتمعنا، بات أمرا حتميا، ووضع المعالجات لم يعد قابلا للتأجيل أو التبرير، فإذا أردنا ترك المرتبة التي نحن فيها الآن وهي متدنّية، والقفز إلى درجة ارتقاء لائقة، هذا يرتّب علينا مسؤوليات جسيمة فردية وجماعية، تتعاضد كلّها كي تجعل من الفرد فينا طموحاً حيويا مجدِّدا لفكره وحياته، مؤثِّرا في الآخرين بدءاً بالمحيط الأسري والمدرسي وصعودا إلى محيط العمل والمجتمع، على أن تسود المسؤولية الجماعية في حتمية الانتقال من (المراوحة والقبول بما نحن فيه)، إلى تسلّق سلّم الارتقاء، فكرا، سلوكا، منهجاً حياتيا عامّا، استنادا إلى التغيير الفردي، بمغادرة الانحطاط الفكري، وضعف الإرادة، وخطأ الرأي.

هذا ما أكّده الإمام الشيرازي في تساؤلاتهِ:

(أليس السبب في الإنسان، في انحطاط فكرهِ، وضعف همّتهِ، وخور في إرادته، وخطأ في رأيه؟).

بالنتيجة ما هي إلا جهود فردية، تتجمع مع بعضها في حاصل كلي، ينتج عنها طموح مضطرد ينشد التغيير، بفكر متنوّر، وإرادة جمعية متأهبة لصواب في الرأي، يقودنا إلى الصدارة التي لا يصحّ أن نتركها لمن تعلَّم منّا!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2