في أحد الأيام انبهر الغراب بمشية الطاووس المختالة، وقف مندهشاً لساعات طويلة وظلّ يراقب كل حركة يقوم بها الطاووس إلى أن شعر أنه باستطاعته تقليد الطاووس، فكر مع نفسه كيف سيحبه الجميع عندما يمشي كالطاووس وبدأ يشعر بأن جمال العالم قد تجسّد في كيانه فجأة.

حاول مرة وأخرى لكنه في النهاية وجد آماله قد خابت ولم ينبهر أي أحد بمشيته التي كان يظن أنها ستكون سبب شهرته، وبعد أن خاب ظنه قرر العودة الى مشيته الطبيعية التي خلقه الله عليها، وأدرك أن جسده لم يكن مؤهلا للقيام بتلك المهمة جيدا، لكنه نسي مشيته الأصلية أيضا، المثل الشعبي المذكور هنا يُطلق على من يحاول تقليد غيره.

ربما لا يعرف كثيرون أن التميز لا يأتي بتقليد الآخرين، ولا في حالة أن ينبهر الإنسان مما يحدث حوله أو يندهش ممن يمشي أمام أبصاره بطريقة جذابة، بل في بعض الأحيان يجب أن يفتح الإنسان عينيه كي يرى الأمور بوضوح أكثر وأدق، ويبحث عن الحقيقة بصدر رحب وينظر الى الجمال من زاوية أخرى ليعثر على الجمال وينبهر من قدرة ربه سبحانه وتعالى في ذاته لذلك يقول الكاتب المعروف أوسكار وايلد: إن معظم الناس هم أناس آخرون، أفكارهم آراء شخص آخر وحياتهم تقليد وعواطفهم.

وفِي أحيان أخرى هناك أناس يقلدون عقائد وآراء آبائهم حتى وان كانت باطلة كما ورد في القران الكريم حيث يتم نبذ التقليد الأعمى وتتم معالجة قضية خطيرة في المجتمع عندما يقول تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ.

‎التعصب هو عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جانب محدد مختلف، التعصب ظاهرة قديمة حديثة ترتبط بها العديد من المفاهيم كالتمييز العنصري والديني والطائفي والجنسي والطبقي، ولعلك استنتجت من دراستك للحروب والصراعات التاريخية أن كثيرا منها كان سببه هو التعصب للدين أو العرق أو اللون وما زالت هذه الظاهرة تتجدد باستمرار في عصرنا الحالي وتشكل آفة تدمر الشعوب.

‎وقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني عام 1981 م إعلان خاص بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقدات، وتعني أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو إنقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة.

‎هناك تجربة لمجموعة من العلماء تقرب المعنى الى الأذهان حيث وضعوا 5 قرود في قفص واحد وفي وسط القفص يوجد سلم وفي أعلى السلم هناك بعض الموز. في كل مرة يصعد أحد القرود لأخذ الموز يرش العلماء باقي القرود بالماء البارد بعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يصعد لأخذ الموز، تقوم القرود الأخرى بمنعه وضربه حتى لا يرشونهم بالماء البارد.

بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الإغراءات خوفا من الضرب، ثم قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قردا جديدا. وأول شيء قام به القرد الجديد أنه صعد السلم ليأخذ الموز ولكن القرود الأربعة الباقية تتصدى له بصورة فورية ويضربونه بقوة ويجبرونه على النزول.

وبعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب. ثم قام العلماء أيضا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملائه بالضرب وهو لا يدري لماذا يقوم بضرب القرد الجديد؟.

وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم الماء البارد أبدا، ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم من دون أن يعرفوا ما هو السبب الذي يقف وراء ذلك!؟.

وهكذا تتم صناعة التقليد الأعمى في الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية! ولو سألنا القرود لماذا يبادرون بضرب القرد الذي يصعد السلم؟ سيكون الجواب: لا ندري ولكن وجدنا من هم قبلنا يفعلون ذلك!.

كتاب الجاهلية لا زال مفتوحاً ولم يكتمل، إذ لا يزال الجهلاء يكتبون سطوره بتمعن ولكن بصورة حديثة وكلمات لبقة .إذاً لا يغرك حداثة الأشياء وجمال ظاهرها لأن الكلمات الجميلة والبراقة التي تلمع من بعيد ليست ذهباً، فـ (ليس كل ما يلمع ذهباً)، وربما تجرحك شظايا المرآة بعد الاقتراب منها.

لهذا عليك أن تفتح عين عقلك لترى بواطن الأمور ولتدع التقليد جانباً كي تخرج من ظلمات الشبهات الى النور، وعليك أن تتذكر دائما بأن التقليد الأعمى والتعصب يفقدك هويتك وجمالك، عليك أن تزيل الدوافع من نفسك، وتتنبّه إلى آثار السلبية للتعصب والتقليد الأعمى، ومن الأفضل دائما أن تبحث عن الحق وجمال الروح الذاتي، إذ ينبغي أن تكون أنت ولا أحد غيرك!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0