كلما ينضج المرء في الفكر والتجربة، يشعر بتفاهة بعض الأمور التي كانت تعني له الكثير ويدرك بأن هناك أموراً أخرى كانت ذات أهمية كبيرة ولكن غفل عنها، لذلك لحظات سكرات الموت هي لحظات المعرفة الحقيقية، حيث يرى المرء الأمور بصورة أوضح، ويصل إلى المحطة الأخيرة ويشعر بأن لحظات الوداع قد حانت، وسوف تبدأ رحلة الحياة الأبدية. كما ورد في القران الكريم: (ليتني قدمت لحياتي).

فهذه اللحظات التي تمر بنا ليست سوى لحظات عابرة وإننا في سفر مؤقت، والحياة لم تبدأ بعد، يعيش المرء في هذه الحياة سنوات عديدة قد يستخدمها للوصول إلى الكمال ويتقرب إلى الله تعالى من خلال إتيان الواجبات وترك المحرمات ومساعدة الآخرين، وقد يغفل كما غفل ذلك الشخص الذي كان فقيرا جدا وكان يعاني من البؤس، وفي أحد الأيام وجد لؤلؤة وذهب إلى والي القرية ليعرض عليه اللؤلؤة ويجني مبلغاً من المال يسد به جوعه وبؤسه، ولكن الوالي قال له لا استطيع ان ادفع لك ثمن اللؤلؤة، إذهب إلى المدينة ربما يستطيع والي المدينة ان يشتريها منك ولكن، والي المدينة ايضا لم يستطع ان يشتري اللؤلؤة ويقول له ثمن اللؤلؤة باهظ جدا ولا يوجد أحد في المدينة يستطيع ان يدفع لك هذا الثمن، ثم يرسله الى الحاكم فيذهب الفقير البائس الى الحاكم ليحصل على مبلغٍ يغنيه ويغير حياته، يندهش الحاكم من جمال اللؤلؤة وقيمتها ويقول للرجل لا استطيع ان ادفع لك قيمة اللؤلؤة ولكن سنفتح لك باب مخازن الذهب والمجوهرات كي تختار ما تشاء ولكن لمدة ست ساعات فقط، يفكر الفقير في نفسه ثم يقول هناك صالة تستطيع أن تأكل ما لذ وطاب من الطعام لابد إنك جائع وصالة للإستراحة تستطيع ان ترتاح فيها، ومن ثم اذهب إلى مخازن الذهب والمجوهرات واختر ما تشاء، يذهب الفقير ولكن في طريقه يشعر بالجوع ويقول أمامي ست ساعات لا بأس أن أذهب وأرى ماذا هناك، سآكل وأتقوى كي أختار افضل الأشياء، بعد الأكل يذهب إلى الصالة الثانية، ويرى أفخم الفراش وأجمله، يشعر ببعض التعب ويرغب أن يجرب النوم على سرير القصر الملكي، ويأخذ قسطاً من الراحة، لكنه يستيقظ مرعوباً من صوت الخدم وهم يصرخون حان وقت الخروج من القصر، توسل بهم كي يدخل للحظات إلى مخازن الذهب ولكن لا أحد يهتم لأمره بل قالوا له: إن الحاكم أمرنا أن نخرجك من قصره ومن ثم يشعر بالإحباط والغبن لأنه لم يعرف كيف يستفيد من وقته.

خرج من القصر وليس لديه أي شيء، كيف كان يفكر وماذا جرى، قبل دخوله الى القصر كان يتخيل كيف سيخرج غنياً، وبالتأكيد وقت الخروج سيحمل معه أكياس الذهب والمجوهرات، ولكنه خسر كل شيء بل أصبح حاله أسوء من قبل لأنه وصل إلى شاطيء الأمان، لكنه فقد كل شيء في آخر لحظة، هذه الحكاية تشرح حياة كثير منا حيث نغفل في الحياة عن الأمور المهمة وننشغل بالأمور التافهة وغير الضرورية.

يقول الامام الحسن عليه السلام: استعد لسفرك وحصّل زادك، قبل حلول أجلك.

ورد في وصيته لجنادة بن أبي أمية رحمه الله، كما أخرج المحدث الخزاز القمي رحمه الله، عن جنادة إنه قال: دخلت على الحسن بن علي عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طشت يقذف فيه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي سقاه معاوية لعنه الله، فقلت: يا مولاي مالك لا تعالج نفسك؟

فقال: ((يا عبد الله بماذا أعالج نفسي؟)).

قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم التفت إليّ وقال: ((ما منا إلا مسموم أو مقتول)).

ثم رفعت الطشت واتكئ صلوات الله عليه، فقلت: عظني يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: نعم، استعد لسفرك وحصّل زادك، قبل حلول أجلك. واعلم أنك تطلب الدنيا، والموت يطلبك. ولا تحمل همّ يومك، الذي لم يأت، على يومك الذي أنت فيه. واعلم أنّك لا تكسب ــ من مال ــ شيئاً، فوق قوتك، إلا كنت فيه خازنا لغيرك. واعلم أنّ الدنيا في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب. فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك، فإن كان حلالا، كنت قد زهدت فيه، وإن كان حراما، لم يكن فيه وزر، فأخذت منه، كما أخذت من الميتة. وإن كان العتاب، فالعتاب يسير، وأعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. وإذا أردت عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله، على عز طاعة الله عزّ وجل. وإن نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا أخذت منه صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت، صدق قولك، وإن صُلت، شد صولتك، وإن مددت يدك بفضل، مدها، وإن بدت منك ثلمة، سدها، وإن رأى منك حسنة، عدها، وإن سألته، أعطاك، وإن سكت عنه، ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات، واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسما آثرك.

هكذا هي الدنيا خُلقت لتكون محطة تنقلنا إلى عالمٍ ثان، وكل منا يحمل معه لؤلؤة ثمينة وهي النفس يا ترى بم نبدلها؟ الجواب: بالحسرات والندم او برضا الله والجنة؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3