أحيانا نصبح جميعنا كمارد الفانوس السحري حين نلبي طلبات الآخرين على الدوام، وننسى ذواتنا، أي ننسى حق أنفسنا علينا، وما يجب علينا مراعاته، نحضر عند صناديق الرأي عندما يريد منا أسياد الفانوس ذلك، أو يطلبون منا الإتيان بأمور أخرى، ومن ثم نرجع الى القفص (الفانوس السحري) وننتظر من يحررنا، ولكن ينتقل هذا الفانوس من يد إلى أخرى ونحن غارقين في الوهم، بأن هناك من يحررنا من ذلك، ولكن نحن من يجب أن نعرف أين الخطأ و نتحرر، مفتاح النجاة بأيدينا فلن يعرف الإنسان أين تقع المشكلة في المجتمع إلا بعد الرجوع إلى نفسه، وأفعال أشخاص ذلك المجتمع كما ورد في القرآن الكريم:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ.

بعدما ادرك نبي الله أنه ظلم نفسه وانه ظلم ونجاه الله من الغمّ، نحن أيضا علينا ان ندقق في كلما يحدث حولنا، كي نعرف الطريق الصحيح، فهناك نوع اخر من العبودية والعمل بما يطلبه الآخرون منا، وهي الرقة والطيبة الزائدة عن الحد، وهناك من يدخل دون إذن إلى قلوبنا ويصبح من السكان الأصليين وهناك من يسعى أن يتمسك بنا رغم التعب والألم، وهناك من يفرض نفسه ويتدخل في شؤوننا شئنا أم أبينا.

هناك من يتوقع منا أن نخضع لطلباته على الدوام وهناك من يهتم بنا ويفعل ما بوسعه لأجل إسعادنا، وفي الأخير نحن من نختار كيف نتعامل مع الآخرين، أحياناً نرفع البعض ونعطي لهم مكانة عالية لا يستحقونها، والسبب لأنهم في عين القلب ولهم اهمية كبيرة في حياتنا، أو لأننا نخاف من سوء العواقب، اذا لم نلبِّ طلباتهم وأحيانا نضع البعض دون مكانتهم اللائقة بهم.

أزمة الحب من أشد الأزمات وأقساها في الزمن الراهن، لأننا نعطي فوق قدراتنا ومن ثم نفنى بكل معنى الكلمة، ولهذا فنحن من نصنع الفراعنة!.

يتبدل الخُلق الحسن وحسن المعاملة إلى فرضٍ على الإنسان، ويبدأ بعض سكان القلب بالتمرّد، لأننا نحن من نصنع الفراعنة بأفعالنا وسكوتنا والخضوع لأوامرهم، وأغلب المشاكل سوف تحدث بسبب التوقعات التي في غير محلها.

إن فرعون لم يولد فرعوناً بل كان انساناً عادياً كبقية الناس، ولكن بمرور الزمن طغى وتغير وقال أنا ربكم الأعلى، هناك صغار العقول وضعيفو النفوس الذين يساعدون الطغاة على اعلاء اسمهم، والتمسك بأماكنهم ويصفقون للظلمة ويشجعونهم على التمسك بأماكنهم، وتحقير الآخرين، لذلك لو ينتبه الانسان جيداً على تصرفاته ويدقق في افعاله، سوف يدرك إنه السبب في تمرد الظالم، وسينتهي الظلم ويذهب الفرعون أو الفراعنة بعيداً ويختفي الظلم من وجه الأرض.

هناك اختلاف كبير بين حسن الخلق ومداراة الآخرين وبين الطيبة الزائدة والسكوت عن الحق، فقد شاع هذا الأمر كثيراً في المجتمع، حيث إن البعض أصبحوا يلبون طلبات البعض الآخر على الدوام، ويقع اللوم عليهم في النهاية إن تركوا هذه المهام حيث يصبح فضلهم على الآخرين ومساعدتهم لزملائهم فرضا لا يمكن الرجوع عنه، فمفتاح الأمان هو الإعتدال لا التفاني في العمل ولا حب الذات الذي يبعد الإنسان عن الآخرين، ويحبسه في دائرة الأنا كي لا يفكر ببني جلدته، فكلاهما مذموم ولكن يجب ان نتذكر إن كل شخص، هو الباعث الأول لشيوع الظلم من خلال أفعاله واتباع نفسه ورغباته أولاً، وسكوته عما يفعله الظالمون ومساندته لهم ثانياً وعدم طلب الحق والنيل من الظلمة ثالثاً.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلاَثُ عَلاَمَاتٍ: يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، َ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَ يُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ *1ويشير سيد الساجدين الإمام زين العابدين (عليه السلام) في رسالته المعروفة إلى محمد بن مسلم الزهري عندما حذّره من التقرّب إلى الحكام الظلمة والسّاسة المستبدين حتى لا يجعلوه جسراً لتحقيق مآربهم وسلماً نحو تحقيق أهدافهم الشريره حيث يقول «.. واعلم أن أدنى ما كتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت.. أوَ ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا به رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم.. فما اقلّ ما أعطوك في قدر ما اخذوا منك..»*2

يقال: المصبية ليست في ظلم الأشرار بل في صمت الأخيار ومن يصبر على الضيم ولا يتمرد على الظلم يكون حليف البطل على الحق وشريك السفاحين بقتل الأبرياء.

نحن من نصنع الفراعنة ونركع أمامهم ونرفع من شأنهم غلواً، ومن ثم يتمردون علينا ويسحقوننا بلا رحمة، مقاطعة الظالمين لا يعني الذهاب الى البيت وحبس النفس داخل الفانوس السحري، بل يعني الوقوف في وجه الظالمين عن طريق نصحهم وفضح أعمالهم السيئة ومؤامراتهم وفي النهاية إسقاطهم من العرش.

فلنكسر حواجز العجز والفانوس السحري ونقضي على الظلمة لنبث السعادة في الأرجاء، فسواد العالم أصبح حالكاً ومخيفا بعض الشيء، لننهض بواقعنا كي ننشر الجمال في كل زاوية ....

شبيك لبيك الجمال بين يديك...

المصادر
1-نهج البلاغه الحكمة347
2-تحف العقول: ص198

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2