تنتعش عملية تنمية المعارف والعلوم والأفكار بآليات ثقافية تواصلية، حيث تتفاعل بين منتج الفكرة والآخر الذي يأخذ على عاتقه مهمة الكشف عن المعنى، وبالمعنى يمكن أن تكون الحياة ممكنة، وذلك عبر التأويل والشرح الصحيحين لقيمة المنتج.

وحينما نتحدث عن أهمية المعنى بوصفه مقصداً رئيساً لعملية التأويل؛ فإننا لانسلم بنظرية المعنى الأحادي، فكل منتج في الحقول المعرفية يحتمل تعدداً في المعاني؛ لذا من الطبيعي عدم التسليم بالتفسير الأحادي الذي يستحيل عليه التعبير عن تطلعات البشرية بأمزجتها المتباينة والمتعددة.

إن أهم إشكالية يمكن أن تطرح في هذا الصدد، هي الإنجرار وراء أنساق تأويلية لا تأخذ بنظر الإعتبار هذا التسارع الهائل والمتحولات في عالمنا المعاصر، خصوصاً في القضايا التي تلامس جوهر المشاكل الإنسانية، والتصدعات الحاصلة في منظومة القيم.

ولعل أكثر الأزمات التي نعاني منها حالياً تتمثل في الإجماع الذي يصل حد الهيمنة على منطق يجهض آمال التعايش السلمي، ويعمل على مصادرة الآخر فارضاً نظرية (المعنى الواحد)، ونحن هنا لانقلل - قطعاً- من أهمية الإجماع أو نحاول إلغاءه، إنما نتحدث عن إجماع إنفعالي يجعل من نفسه مالكاً أحادياً مطلقاً للحقيقة، وكأنه الوحيد المتحدث باسم الوجود البشري، والمعني بانتاج الحقائق.

ومع مايشهده العالم من أحداث متطرفة أربكت معنى السلم، وجعلت الإنسانية تعيش ذعراً كبيراً، صارت القناعة بأنَّ أهم المشاكل الحضارية في زمننا الحالي؛ نتجت بسبب التركيز على النظرة الأحادية، وتحكمها في التأويل وهيمنتها على مستويات الفهم والإدراك، فأنتجت المعاني والدلالات بعد أن أخضعتها للأهواء المؤدلجة على مستوى الفكر والعقائد، وجعلت عملية الشرح راكدة في ظرفها الزمني؛ لذلك من الطبيعي وفي ظل هكذا آليات تأويلية اتساع مساحة التطرف والعنف، وتقلص الحريات وإلغاء دور الإختلاف، فيكون العالم عندها أسيراً لمفاهيم جامدة، سطع ضوؤها مع الظهور الممنهج لجماعات العنف والتكفير التي لم تحتكر الحقيقة فقط، بل راحت تؤسس لأن تتبناها سلوكاً بأبشع الممارسات التي عرفها العالم الإنساني، الأمر الذي يجعلنا نسلم -بمرارة- بهيمنة هذه المعضلة الفكرية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فضلاً عن امتدادها المخيف لأماكن أخرى في اوروبا وامريكا.

هي معضلة حقيقية حملت معها خياران لاثالث لهما : إما الإستجابة للمنهج واستهلاك بضاعته ومنتوجاته التدميرية، أو ملاقاة المصير بأبشع صورة.

النظم الإسلامية والسبات الفكري

لاشك إننا اليوم نعاني من قضية التأويل الخاطئ للإسلام؛ بسبب أن غالبية المسلمين في العالم يفهمون الإسلام من خلال الشروحات البعيدة عن الجوهر الحقيقي لهذا الدين الإنساني، والقيمة الإنسانية الكبيرة التي تمثل ختام المشروع الإلهي، وبه ترتقي البشرية للخير والمحبة والصلاح. ولما كانت للإسلام نظم متعددة تتداخل في كيانه الواحد، كان لابد من السعي وراء التأويل الناصع والفهم الصحيح لهذه المنظومة المتكاملة من مصدرها الرئيس، وقد نوّه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) لهذا المصدر في كثير من المواقف، وكانت تنويهاته التي لم يكن ينطق بها إلا من خلال مايوحى إليه، رسائل للأمة التي لم تفهم وتستوعب هذه الإشارات النبوية مطلقاً.

الغريب في موضوعة التأويل المنطقي، هو أن كل المسلمين في العالم قرأوا من خلال مرجعياتهم الفقهية والفكرية تأكيدات على مصدر التأويل الحقيقي لمفاهيم الإسلام وقوانينه، ممثلة بأئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين)، لكنهم آثروا البقاء في مياه الركود الفكري، من دون التفكير بأية حصى يمكن أن تحرك هذا الراكد، مستسلمين لصيغة التأويل الأحادي الذي أنتج ومازال منتجاً كل أزمات عالمنا الإسلامي منذ الإغماضة الأخيرة لسيد البشرية المصطفى (صلى الله عليه وآله) وحتى يومنا هذا، بحيث أصبح هذا الخطأ الهيرمونوطيقي سبباً لازدياد الهجمة الشرسة على مفاهيم ومضامين الإسلام، من قبل المتربصين الذين غالهم تفوق منطق السماء الرباني على قوانينهم الوضعية التي أثبتت عدم قدرتها على الصمود والمواصلة أمام الحركة المستمرة والتطور الإنساني، وعجزها الواضح عن فهم جدلية الثابت والمتغير في الحياة البشرية.

وماكان لكل هذه الإشكاليات الفكرية أن تحدث لو انتبه المسلمون إلى لاجدوى البقاء في حيز تأويلي ضيق ومرتبك، وامتلكوا شجاعة الإعتراف بأنهم كانوا في غيبوبة استغرقت زمناً طويلاً ، مع تعزيز الإعتراف بسلوكيات التوجهات بإخلاص إلى كتاب الله وعترة أهل بيت نبيه (عليهم السلام أجمعين) حيث الإطمئنان لشروحات الكتاب الذي "لايمسّه إلّا المطهرون"، ولفظة المسُّ هنا جاءت في بعض التفاسير على أن القصد الدلالي منها هو المعرفة بالقرآن الكريم ومضامينه البلاغية العالية، أمّا لفظة "المطهرون" فهي تدل بشكل واضح وصريح على من كرّمهم الله تعالى بنص كتابه الشريف بقوله : " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "، فهل يتعظ المسلمون ؟ وهل يصلوا - وإن متأخرين - إلى نتيجة تجعلهم مدركين بأنهم كانوا طيلة الفترات السابقة ضحية فهم خاطئ واجتهاد إقصائي استهدف بالدرجة الأساس قيم دينهم وتمثلاته الفكرية ونظمه المتعددة؟.

العلائق الثقافية

لايمكن أن تصدر ثقافة محددة حاملة معها أنساقها، وتكون منهجاً يحتذى ويُستشهد به ، مالم تكن هناك تصورات وأفكار عن المحيط الذي تنشأ فيه، وتكون بريده للآخر.

ومادمنا نتحدث عن النظم الإسلامية، لابد من الحديث عن علاقتها كنظم مترابطة ومتداخلة في الكيان الإسلامي مع الثقافة، وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تتواشج مع الحاضر معبرة عن همومه وتطلعاته، وفي نفس الوقت تعطي التصورات عن المستقبل، فتصوغ بذلك طريقة صحيحة ومنهج حياة، فالعطاء الإنساني النافع ينمو ويزدهر في ظل الإلتزام بتطوير العلائق الثقافية وتعزيزها وحثها على أن تقدم الأفضل للبشرية، وذلك عبر اعتماد منهجية واعية تتفهم ضروراتها المرحلية، مشخصة علّاتها مع تقديم الحلول الواقعية والعلاجات الناجعة لكل ماينهك هذا الجسد، والأهم من كل ذلك، هو مايرتبط بموضوعنا الأصلي وهو التأويل، حيث لايمكن الحصول على ازدهار معرفي وفكري من دون أن يكون هناك وعي بهذا المجهود؛ لأن أي خطأ تأويلي يمكن أن ينسف عملية التطور، فتكون الثقافة بهذه الحالة مصدر هدم لابناء لو فُهِمت بمنهجيات بعيدة ولاعلاقة لها بالمضمون الحقيقي لما تنظّر وله وتعبّر عنه.

لقد كان لعملية التفاعل بين الثقافة والنظم الإسلامية الدور الأمثل في تعزيز الروابط المجتمعية، بإطارها الأكبر ممثلا بالبلدان المختلفة، والثقافات المتنوعة انطلاقاً من " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا "، وكذلك من خلال الإطار الصغير والأهم، وهو إطار الأسرة، وهكذا بالنسبة لعلاقة الثقافة بالدولة والنظام، وفي الإنفتاح على أنماط الحياة المعاصرة في جوانبها التربوية والعلمية والإبداعية وغيرها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2