لم تكن ثورات ما يعرف بالربيع العربي سبباً رئيساً في انحسار مساحة الأفكار الليبرالية على خريطة الفكر العالمي؛ لأن ممهدات كثيرة قبل هذا الفصل الربيعيّ الساخن قلصت من هذه المساحة، من أهمها افتقار الليبرالية إلى لغة خطاب متطور يعي مرحلته الزمنية وظرفه المكاني، مضافاً لها صدام الأنماط الفكرية بين بعضها البعض، أو محاولة متبني هذه الأنماط فرض وجودهم ورؤاهم بأية طريقة على حساب الآخر المختلف كالموقف اليساري الحاد تجاه السلطات السياسية الليبرالية، وبروز المفاهيم والسلوكيات الثورية، والممارسات الفوضوية، في مقابل نشوء أحزاب تتمظهر بمظهر الديمقراطية من بنيات مؤدلجة أعقبت الحرب العالمية الأولى التي أنتجت انهيار المركزية كثقافة، وانفراط عقد المفاهيم التقليدية عبر خطابات تبناها فلاسفة، وصولاً إلى آليات تستلهم مفهوم الحرية وتحوله إلى سلوك يوازي مايتم التنظير له، هذه الآليات تتصدى للأحزاب التقليدية اليسارية ذي النزعة الماركسية التي ولدت ثقافات شمولية. إلا أن أحلام الليبراليين اصطدمت بالعائق الإقتصادي بحسب خبراء ذهبوا إلى أنَّ السياسات الليبرالية الخاطئة جعلت من الديون الخارجية تستفحل مع اضطراب أسواق النقد العالمية.

هذه المعطيات تشير إلى أن الخطاب الليبرالي - عملياً - يعيش أزمة فشله في إقناع الآخر في تقديم الحلول الناجعة لمشاكل المجتمعات، حتى مع ظهور مفهوم الليبرالية الجديدة.

بعد هذه السياحة السريعة في أزمة الخطاب الليبرالي، وتشخيص مكامن ضعفه التي أدت به إلى فقدان ثقة الآخرين، ما هو الحل؟.

يقول الدكتور محمد سعيد الأمجد " فالبديل لرفض الليبرالية ونكوصاتها التطبيقية هو إيجاد آليات سياسية عربية وإسلامية من أجل ضمان الحقوق الطبيعية التي تصب في مجملها باتجاه توفير حياة كريمة له، فهل ممارسة الإنسان حقه الطبيعي في الإنتخابات تعني حصوله على كامل حريته ؟ وأين ستكون حرية الرأي والتعبير حيث يعيش عدد كبير من السكان في فقر مدقع ؟".

عندما نريد مناقشة قول الدكتور الأمجد حول إيجاد آليات سياسية عربية إسلامية تضمن للإنسان حريته وكرامته التي تتوافق وقيمته العليا، لابد لنا من استذكار - ولو على وجه السرعة - توصيات المجدد الشيرازي الثاني للأمتين العربية والإسلامية بضرورة نبذ الخلافات والتوحد تجاه الخطر الأكبر الذي يهدد وجودها وكيانها، فقد أشار المجدد الشيرازي الثاني إلى قضية بذل إسرائيل أموالاً طائلة من أجل حربها الدعائية والنفسية العازفة على أوتار العرقية والقومية، مشدداً على رفض أصوات التفرقة، وإلزام الإنسان المسلم بالوحدة تجاه القضايا المصيرية، وأن يطبق كل شخص الوحدة من أسرته كون الأسرة نواة المجتمع وباتحادها يصبح المجتمع متحداً.

الليبرالية وإلغاء الخصوصيات

قد يكون من المتيسر فهم التمرد الغربي على القيم الدينية والتقاليد الإجتماعية؛ وذلك لخواء الأديان الوضعية من كل قيمة إنسانية، مثلما أن حالة الإنحلال المجتمعي وتفكك الروابط الأسرية كفيلة بتغذية الشعور بالتمرد، لكن المستغرب منه تلك الببغائية التي يمارسها الليبراليون العرب محاولين تصدير كل مايمت بصلة للخصوصية الدينية أو المجتمعية، بل أن منهم من يقسر ليبراليته على حالة دون أخرى كما في نموذج الليبراليين في السعودية الذين استنفروا جهدهم التنظيري من أجل محاربة حجاب المرأة أو بعض الخصوصيات المتعلقة بالدين والمجتمع، بينما لانجد لهم موقفاً واضحاً تجاه بعض القضايا التي تتجلى فيها سطوة نظام العائلة المالكة و ممارساتها في قمع الرأي المعارض التي تصل لقطع رأس كل من يزعج توجهات العائلة، الليبراليون بهذا الصمت تجاه الحكم ورفع الصوت تجاه الخصوصيات؛ أنتجوا ليبرالية عوراء ترى بعين واحدة فقط.

وتعكس النظرة الفوقية لليبراليين للخصوصيات تناقضاً بين التنظير والسلوك، هذه التناقضات والإختلالات في الخطاب والسلوك الليبرالي، نعتقد أنه أدى إلى ازدهار التطرف المضاد وانتعاشه وكأنه رد فعل تجاه التطرف الليبرالي.

هذا التطرف الديني المتمثل بالجماعات السلفية تمدد بشكل سريع حتى صارت له ظلاله المخيفة في أكثر بلدان العالم، وأحد أسباب نشوء التطرف المضاد، إرتفاع نسبة البطالة في البلدان التي تشدقت بمفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، فضلاً عن الخلل الفكري الأصلي تجاه الإسلام الحقيقي وجوهره الأصيل وهو ليس موضوعنا هنا.

وبهذا وجدت الجماعات المتطرفة بيئة مناسبة تنطلق منها، تماماً كما مثلما نشأت الليبرالية كرد فعل ضد الممارسات الكنيسية.

الليبرالية الغامضة والحرية المضببة

هل يمكن إيجاد تعريف للحرية؟، وهل هي فعلاً مفردة واضحة المعنى؟، نعتقد أن دلالات مفهوم الحرية تتبدل مع مرور الوقت وحسب السياقات الثقافية، فقد اختلفت النظرة إليها فلسفياً واجتماعياً، وحتى على مستوى الفرق الإسلامية، كان مفهوم الحرية متبايناً بين الجبريين الذين أنكروها، بينما كانت عند المعتزلة شرطاً لعلاقة المخلوق بالخالق، لكنها تجلت بأبهى صورها من خلال النداء الخالد للإمام الحسين عليه السلام في كربلاء مخاطباً الجموع: "كونوا أحراراً في دنياكم".

إن الحرية من أكثر المفاهيم الإنسانية تلاشياً، وظلت مجرد حلم يداعب الوجود الإنساني ولايمكن العبور لأبعد من هذا الحلم من أجل الوصول للشكل المثالي لها.

ولعل الضباب الكثيف الذي يلف مفهوم الحرية يتأتى من غموض الإتجاهات الليبرالية المنادية بالحرية، وهي الإتجاهات المركبة من الحرية الفردية دون ضوابط أو حدود وإقصاء الدين.

وهناك مقولات كثيرة قالت بغموض الليبرالية، منها قول (دونالد سترومبيرج) : " والحق أن كلمة الليبرالية مصطلح عريض وغامض شأنه في ذلك شأن مصطلح الرومانسية، ولايزال حتى يومنا هذا على حاله من الغموض والإيهام ".

أما الموسوعة البريطانية فقالت بهذا الصدد : " ونادراً ماتوجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، بل أن بعضها تنهار بسببه ".

على مايبدو أن الليبرالية تعبير مخادع ومتناقض ، وأن الأحزاب العلمانية التي تتخذ من الليبرالية منهجاً لم تستطع - مع غموض التوجه - إيجاد هوية حقيقية أو خطاب خاص بها؛ لعدم بلورة تعريف واضح ودقيق لليبرالية مكتفية بنثار من مقولات فلاسفة ومفكرين كان التناقض سمتها البارزة.

وحتى من حيث التنظير الفلسفي، نجد أن الليبرالية مختلفة بين (جون لوك) و (جان جوك روسو) و (جون ستورات مل)، ويمكن أن نأخذ روسو مثلاً للتناقض الشاسع بين التنظير والسلوك، فهو المنظر بقوة للعدالة الإجتماعية، لكنه كان يُحقر أصحاب البشرة السوداء، بل كان يعتقد بالإعتقاد الكنسي القائل بأن الروح الطيبة والنقية لن تسكن في جسد الزنجي الأسود!

وكم تغنى (جان لوك) بحرية الفرد على مستوى المقولات، بينما كان يعمل نخاساً يتاجر بالرقيق !

وهكذا ظل الليبراليون في ورطة كبيرة وهم يشاهدون التداعي الكبير لفكرتهم سياسياً واقتصادياً، مضافاً لها التصدع في البنية الفكرية، كما ظلت إشكالية العلاقة مع الإسلام من أهم أسباب اصفرار الغصن العربي في شجرة الليبرالية.

ولفشل الليبرالية سبب آخر يراه الدكتور (محمد عفيفي)، وهو أن الغرب كان متعمداً أن ينقل نسخة مشوهة لليبرالية للعالم العربي؛ لتعزيز بسط نفوذه وتعزيز مصالحه كونه - الغرب - تصدى للحركات التحررية في البلاد العربية حتى مع نزعتها الليبرالية.

ومع احترامنا لرأي الدكتور عفيفي، نقول أن الليبرالية ولدت مشوهة أصلاً بدون خطاب واضح كما تقدم، وحتى لو سلمنا برأيه في أن الغرب يريد تعزيز نفوذه في بلداننا، فما سر التداعي والخسارات المتلاحقة في الليبرالية الغربية سياسياً واقتصادياً؟.

إن انحسار دور الليبرالية وفشل دورها لايرتبط بجغرافيا محددة كما أثبتت الأحداث والشواهد المتلاحقة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0