ظلت الثقافة في واقعنا العراقي حبيسة الوضع السياسي ومشهده، وانعكاساً لتداعياته وتشظياته وأزماته المتكررة ما يعني أن كل المحاولات الثقافية التي تريد أن تلعب دوراً في صياغة وعي مجتمعها ستصطدم بجدار الراهن السياسي. فمع أواخر العهد العثماني كانت الثقافة في العراق قد نشأت على الأفكار التنويرية التي حملتها رياح الثورة الفرنسية عام 1789وبدت متأثرة بها وبأفكارها بشكل كبير قبل أن تتغير بوصلة التأثير بعد قيام الدولة العراقية في عام 1921 لتشير باتجاه الأفكار القومية والماركسية حيث دخلت بقوة في تلك الفترة على خط المواجهة الثقافية.

فصار لكل من الاتجاهين موحيات وموجهات أسهمت في بلورة خطاب متصارع بين طرف ينحاز لعروبته وقوميته وآخر يساري يتبنى الأممية في خطابه وفكره، وكان لهذا الصراع بالغ الأثر في إرباك مشروع ذي سمات عراقية خالصة.

إن العوامل الدينية والتأريخية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي تحضر وبقوة في ثقافتنا جعلتها (ثقافة نسقية)، فكل عامل من هذه العوامل يحتاج إلى فهم طريقة انتاجه، فلا يمكن فهم التأريخ على سبيل المثال من دون فهم مقصديات صناعته والبحث الجاد والحقيقي فيما وراء هذه المقصديات، وكذا بالنسبة لفهم عملية انتاج الأحداث منه، وفي الجانب الديني ينبغي أن يفهم من خلال حضوره الروحي وتبني الفطرة الإنسانية له ولطقوسه وتماثلاته التي بقيت عاملاً أساسياً من عوامل طمأنينة النفس البشرية، وهكذا بالنسبة لبقية العوامل التي يجب أن تساعد في تطويع النسق واستيعابه بدلاً من الخضوع لسلطته.

وبناء على هذه العلاقة المضطربة بين الثقافة والمشهد السياسي بكل تقلباته وتناقضاته يمكن لنا أن نسأل: هل أنتجت هذه العلاقة ثقافة باستطاعتها بلورة خطاب متوازن يصلح لمجتمع متعدد كالمجتمع العراقي؟ وكيف نضمن أمام تشظي المشهد السياسي بين الايديولوجيات المختلفة والمتصارعة عدم انشطار المثقف وتأطيره لتعود أزمة المنتمي واللامنتمي تلقي بظلالها عليه وهو المعني بانتاج الوعي لا باتجاهات الناس ومتبنياتهم؟

الواضح ان المشهد العراقي منقسم على الصعيد السياسي بين تيارات سياسية اسلامية تصدرت المشهد بعد سقوط النظام الديكتاتوري بأحزاب وعناوين مختلفة، وتيارات ليبرالية تنوعت مسمياتها وإن بدت مختلفة التوجهات بين يساري وعلماني وديمقراطي…… الخ، وكلا التيارين يحاول بجهد جهيد استمالة العامة لخطابه ومشروعه الذي يمكنه من الصعود للسلطة التي تجعله على رأس بلد ينعم بخيرات الله الكثيرة وبالموارد كالعراق.

إن الخطاب الديني الذي تتبناه تيارات الإسلام السياسي والتي صارت حقيقة ماثلة وفاعلة في الواقع العراقي نجد له -بما لايقبل الشك- قبولاً واسعاً عند فئات الشعب كل حسب توجهاته المذهبية حتى وإن تذمرت من السلوك السياسي لهذه التيارات وهذا ليس كلاماً تنظيرياً لأن الشواهد والأحداث هي التي أثبتت ذلك بعد كل تجربة انتخابية حدثت بعد سقوط نظام حزب البعث في 2003 ولحد الآن.

هذا الصعود المتكرر لأحزاب الإسلام السياسي هل يعكس فشلاً ليبرالياً وتراجعاً لدوره في الحياة العراقية سياسياً ومجتمعياً؟ والليبرالية كمفهوم فكري معاصر يركز -بحسب من يتبناه- على الحرية الفردية ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة الليبرالية تتمثل في حماية حريات المواطنين كحرية التفكير والتعبير، لكن الليبرالية ظلت مصطلحاً غامضاً لتركيزها الكلي على الحرية فانقسمت لجماعات متعددة متباينة الاتجاهات تتبنى الحرية كذلك وكل جماعة تتخذ منها سلماً لتصدير فكرتها بحيث صارت مضادة لليبرالية وفي ذات الوقت تعتمد الحرية كمرتكز لها ولكن وفق مقاساتها كما في الحركات الشيوعية والفاشية والنازية، وهو ما أدى في فترات لاحقة إلى ظهور مفهوم الحرية الايجابية والحرية السلبية.

أما اشكالية العلاقة بين الليبراليين والدين ونظرتهم التي تقترب من العدائية لدوره المجتمعي فظلت قائمة بل وتتجدد بين فترة وأخرى حيث التصقت الصورة غير المحمودة للمثقف الليبرالي خصوصاً فيما يتعلق بنظرته الفوقية للمجتمع وتقاليده الموروثة وطقوسه الدينية المتعددة، وهي التي ينبغي عليه -قبل غيره- أن يدافع عنها وعن الأشخاص الذين يقومون بممارستها كجزء من الحريات الشخصية التي يؤمن بها وهي أساس ومرتكز مايتبناه من فكر، ليتشكل حاجز كبير بينه وبين طبقات مجتمعه وفئاته.

وحتى عندما اتفق طرفا المعادلة الشعبية من عامة الناس بين متدينين وليبراليين بشأن رفض الفساد السياسي والإداري الذي تمارسه الطبقة السياسية أصرّ الليبراليون على تحميل المتنفذ الديني المسؤولية كاملة متجاهلين أن الدولة تدار بمشاركة ومحاصصة أخذ الكل منهم حصته فيها، فانطلقوا بشعاراتهم المسيئة للدين ورموزه من دون اي اعتبار لمشاعر العامة من الجماهير، هذه الشعارات كانت أحد أهم أسباب ضعف هذه التظاهرات المطالبة بحقوق الناس، الغريب واللافت في الموضوع أن الناشطين الليبراليين كانوا يظهرون على شاشات الفضائيات ووسائل الاعلام المختلفة مهاجمين الدين والتدين الذي يعتقدون بأنه السبب وراء فساد الطبقة السياسية التي أشرنا الى تنوع مشاربها، وفي ذات الوقت يستشهدون بآراء الخطباء يوم الجمعة! وفي الوقت الذي شكلوا فيه وفوداً لمقابلة زعماء تيارات سياسية دينية كانت صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة زاخرة بالسباب والشتائم على كل شيء له علاقة بالدين مايعكس حالة الانفصام الواضحة لدى هؤلاء الناشطين الذين بدوا وكأنهم من دون رؤية واضحة أو هدف ومشروع حقيقي يمكن له أن يقنع الآخر بجدواه وجدوى حضوره ومدى فاعليته، فما كان منهم الا أن وسّعوا الفجوة بينهم وبين الأكثرية في مجتمعهم.

إن سبب التراجع الليبرالي يكمن في عدم ترجمة ما تم التنظير له من أفكار إلى سلوك واقعي وفعلي يؤمن بحرية الفرد ومعتقده بحيث ان الآخر المختلف يتم منعه على سبيل المثال من الدخول في مجموعة تتبنى الأفكار الليبرالية على صفحات التواصل الاجتماعي الالكترونية وتبيان وجهة نظره كمختلف بل وقد يكون عرضة للسخرية والاتهام بالرجعية والتخلف من دون الخوض في آرائه على الصعيد العلمي والمعرفي وتحليلها وفق متبنياتهم النظرية وهو شيء طبيعي لإنتاج حوار حضاري خصوصاً لمن يفترض أنه يتبنى أفكاراً عصرية متحضرة، وكأن مفهومهم لايتعدى الدعوة للانحلال والانقلاب على المفاهيم والتقاليد المجتمعية وتقليد الغرب في سلوكياته التي بدأ يفكر جدياً بعدم جدواها.

ولسنا نتجنى إذا ماقلنا أن أغلبية الليبراليين -في العراق على أقل تقدير- ينطوون على وعي متعصب متحيز وانتقائي والغائي حتى وان ارتدى لباساً فضفاضاً كحرية التعبير فهم لايحبون سماع الا مايرغبون بسماعه ومايدعم من آرائهم. وحتى المؤسسات التي تتبنى المفاهيم المدنية نجدها تفتقر الى الآليات التي تنادي بها في خطابها وشعاراتها كما يؤكد الكاتب سعد محمد رحيم في كتابه (صراع الدولة والجماعات في العراق) بقوله "من البديهي أن الحزب السياسي الذي يفتقر الى تقاليد الممارسة الديمقراطية في اطار تنظيمها الداخلي ويركب الموجة الديمقراطية اضطراراً لدواع مصلحية (براغماتية) في علاقاتها مع الأحزاب والحركات السياسية الأخرى لايمكنها انشاء علاقات صحية في المناخ الديمقراطي، لاسيما اذا كانت ايديولوجيتها ذات طابع شمولي، وعقلية قادتها وأعضائها مسكونة بنظرية المؤامرة، وللأسف فأن الأغلب الأعم من أحزابنا وحركاتنا السياسية العراقية لم تنج من واحدة من هذه الأمراض المستعصية والمزمنة ان لم نقل كلها والتي مابرحت تنعكس في مواقفها وممارساتها على أرض الواقع". وبطبيعة الحال، يمكن القول أن أغلب الناشطين هم جزء من آليات وممارسات مؤسساتية لا تتبنى الحرية إلا من خلال شعارات أفضت لسلوكيات تنبئ بخريف ليبرالي محتمل، تلك السلوكيات هي التي أدت الى تعثر التجربة العراقية الجديدة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2