الأسطورة بالمعنى البسيط للكلمة عبارة عن قصة خيالية تحكي عن وقائع وأشياء من صميم الخيال والحياة معا بطرق شعرية ورمزية، تحكي عن حدث أو ظواهر معينة، طبيعية وما فوق طبيعية وثقافية وتاريخية، لا تشير الأسطورة إلى زمن محدد، بل تحمل في مضمونها حقيقة أبدية تروي تفاصيل ومغامرات الآلهة وأشخاص حقيقيون بالزيادة أكثر من النقصان، إنها قصص للتهويل والتمجيد والتقديس، إنها تروي عطش الباحثين عن الخلاص، وظمأ الراغبين في نماء الذاكرة باستحضار وقائع ماضية من نسيج الخيال لكنها شكلت ثقافة مجتمع في زمن ما.

استعادة ذاكرة الأجيال قصد ملأ الأذهان بكل ما يحتاجه الجيل اللاحق، كما تفعل الأسطورة فعلها من حيث تغلغلها في البنى الفكرية والثقافية، تعبر عن الضمير الجمعي وخلاصة ثقافة الجماعة، أسطرة الواقع بكل ما تحمله الأساطير من قيم وصور رمزية، بكل ما تتضمنه من محتويات في جوهرها البحث عن الحقيقة، وعن كل ما يملأ الضمير من قيم نابعة من الأصل، ونابعة من الحاجة نحو تجديد الذاكرة والتاريخ، بحيث تحولت الأساطير إلى علم ودراسات علمية ثقافية في علم الاجتماع وعلم الثقافة، يرصد فيها الباحثون كل ما يتعلق بالقصص والأحداث في زمن ما بغية التفسير والوصف، دراسات بنيوية وتأملات فلسفية في البناء الاجتماعي ووظائف الأسطورة في المجتمعات البدائية وفي المجتمعات غير البدائية، دراسات علماء الاجتماع الفرنسي أمثال "مارسيل موس" و"إميل دوركايم" ودراسات أخرى للنظرية الوظيفية الاجتماعية مع "مالينوفسكي" و"راكليف براون" وغيرهم، دراسات معمقة دامت مدة معينة من الزمن في سبيل الفهم لحركية المجتمع ودينامية الثقافة ودلالة الأساطير باعتبارها مكون فكري وثقافي، ترشد الجماعة، وتشكل لحمة في تماسكها واستمرايتها، ما تفعله الأساطير في شحن الأذهان، وتوجيه السلوك والفعل نحو أهداف.

إن الأسطورة لحظة أساسية في تطور الفكر البشري لا تخلو من وظائف، ولا يوجد مجتمع إنساني بدون أساطير، بل هي التعبير عن الأزمنة والأمكنة، تعبير عن الممكن والمستحيل، تعبير عن الأفق الذي يمكن أن ترسمه الوقائع والحكايات للإنسان والعالم. تعبر الأسطورة عن عالم الكائنات اللامرئية، عن عالم الآلهة، تلك القوى الخفية التي تحكم الأشياء وتشارك في الأحداث، وتفعل فعلها من خلال القدرة على التحكم في الإنسان وإرغامه على الامتثال لأوامرها وضوابطها، مجموعة من الأساطير تؤلف نظاما متكاملا ترمي إلى معرفة الحياة، وتوجه الإنسان نحو الأهداف والغايات، ولما كانت هذه الأهداف غير منطقية، يبقى للأسطورة سحر خاص على المخيال الاجتماعي، وتحريك العقول نحو معتقدات معينة، فلا بد أن تكون للشعوب أساطير وقيم نابعة منها، لا بد أن تكتشف المجتمعات أن للأسطورة وظائف تغذي الوعي الجمعي، وتنمي فيه الملكات الخاصة بالفهم والإدراك، والتخيل لكل ما هو سحري وعجائبي.

كما للأسطورة دور في البناء للدول والكيانات، نتائجها مرتبطة بزمن معين، وقيمتها في الإرغام والإقناع بمحتوياتها وقدرتها في التوجيه والتوحيد لمن يقتنع بقيمة الحكاية وسعة الخيال الشعري، مسارات أخرى للدراسات الخاصة بالأساطير من حيث الوظائف، وما تحمله من أجوبة عن صميم الأشياء لأن قناعة الناس ليست واحدة، والتعبير المجازي عن الوقائع والأفكار جد مؤثر في صيانة الذاكرة الجماعية حتى لو كانت هناك مبالغة في التصوير والوصف، حمولة الأسطورة دينية واجتماعية، تحكي عن بطولات ومغامرات الآلهة، لعنة وبركة الآلهة تفسير للفعل والقدرة، كل ما ينسب للإنسان من بطولات يعود للآلهة وقدرتها العجيبة في التدخل، نوع من التقديس والزيادة في هول الأشياء، يعني أن للأسطورة جاذبية في الإقناع من خلال الصور المحسوسة عن الصراع بين الخير والشر، والصراع بين الآلهة وما نسميه بالقوى الخفية، عن مغامرات الآلهة وجبروتها في الفعل، وبالمقابل لا تصمد الأساطير أمام سلطة العقل، والمعرفة المسلحة بالمنهج الوضعي.

فمن الصعب تقويض الأسطورة، لكن تبقى مهمة من الناحية الجمالية والمعرفية قصد تكوين رؤية في ثنايا الحقيقة عن العقليات والسلوك في عصر معين، لحظة مهمة نقلت التفكير الإنساني في قفزة نوعية نحو العقل والتفكير المنطقي، صورة الأسطورة في فهم مختلف طبائع وأحوال المجتمعات، والسر في هيمنة الأساطير، المكون الوحيد للتفكير، نمط من التفكير في تنمية القول بكل الحكايات من عبق التاريخ، من دينامية الحكاية والسرد للقصص الممكنة في القول أن سحر الأسطورة لا يوازيها أي سحر في الإقناع بأسلوب شعري يفيض عذوبة، شعرية الأسلوب وقوة البيان من خلال تنميق الكلمة، وتهذيب القول بلغة البيان والبساطة، ذلك التعبير عن كل ما يمكن أن يكدس مشاعر التعاطف والتلقي والتعجب، الزيادة في العواطف الجياشة كلها تنمي الجانب الخفي في الإنسان، وتعمل على حشد الهمم من خلال القول الشفهي، وبناء على قيمة الرمز ودلالة اللغة الإستعارية من أهداف الأسطورة، وظائفها متعددة بتعدد المجتمعات والغايات منها، هناك الوظيفة الأخلاقية، الوظيفة الاجتماعية، والوظيفة النفسية والسياسية، كلها وظائف تجتمع في ميلاد الأسطورة، وتنتهي بنتائج عملية مفيدة في التماسك الاجتماعي، ومهمة في إيقاع شعلة معينة، عملية للضبط وتربية الأجيال على تقبل بطولات الأسلاف، من الأبطال، ذوي القدرات العجيبة والخارقة، وكيف كانت الآلهة تهتم بنصرتهم، وتدفعهم للتضحية في سبيل تحرر الإنسان، أو هكذا تبدو القراءة المتأنية للوظائف الخاصة بالأسطورة في مختلف الثقافات والحضارات، قيمة الحكاية في كل ما يوحد مخيال الجماعة نحو أهداف بعينها.

تعرض الأسطورة فكرة معينة من خلال قصة خرافية وحكاية من نسيج الخيال، تحكي الأساطير اليونانية عن الالتقاء بين الإنسان والآلهة، تحكي عن العوالم السحرية، كل ما هو غيبي يفوق طاقة العقل، ويخرج عن سياق المنطق والمألوف، موضوعات الأسطورة تتقاطع مع الفلسفة أحيانا في المضمون والمحتوى، ولو بقي الاختلاف ظاهرا في الأسلوب ولغة الإقناع، الأسطورة تختار المواضيع التي تلقى اهتماما من قبل الإنسان، من قبيل الحياة والموت والخلود والصراع والوجود، وسر الكون، وأصل الأشياء، تضفي معنى على الحياة، وتسكب على الحكاية نوع من التبجيل والتعظيم، وتعترف أن للآلهة قوة هائلة على البشر، وعلى تطور الحياة، الأسطورة بهذا المعنى، ليست للرواية والسرد، بل كذلك نوع من المعرفة في مخاض الحياة، وفي معترك التجارب الإنسانية المريرة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والطبيعة، كذلك الصراع الذي يحكي عن العلاقة بين الآلهة أنفسهم، إنها مؤثرة ومعبرة عن زمن ما، عندما هيمن التفكير الفلسفي على الحياة الاجتماعية والسياسية في العالم القديم، قبل أن يحل العقل والتفكير المنطقي المؤسس على تجليات العلم والفلسفة.

كانت الأسطورة تهتم بنفس الظواهر، تفعل فعلها في التوجيه والتربية، وكذلك في توحيد النفوس نحو الغايات المنشودة، العقل الجمعي الذي ارتوى من الأسطورة، نشأ هذا العقل في غمار الأسطورة، بحيث تتمتع الأسطورة بغنى الحكايات عن البطولات والمغامرات الخاصة بالآلهة، تحكي عن البدايات والنهايات، تحكي عن الحقيقة والواقع والتاريخ، وهي بذلك تنهل من نفس قضايا الفلسفة، لكنها بمنطق جديد يروم الإقناع، الأسطورة بالمعنى التاريخي والديني، تنطلق من خيال الإنسان، ومن المحكيات عن ظواهر غريبة وأخرى من عالم البشر، والآلهة تحكي عن ظروف النشأة، وأصل الكون والعالم، كما تستدعي الآلهة بمختلف طبائعهم كقوى خفية تتدخل في الطبيعة وسير العالم، ومنها انبثقت الأشياء، آلهة في صورة بشر، يتزاوجون، ولهم شهوات وقدرات خارقة ونقائص، هكذا لا تخلو الحضارات الإنسانية من ملاحم أسطورية، ومن أشعار تحكي عن بطولات الآلهة، وقدرتهم العجيبة في توليد الأشياء.

على سبيل المثال لا الحصر، هناك أساطير الحضارة اليونانية في القرن السابع والثامن قبل الميلاد، والقرون بعدها، حتى ولادة التفكير الفلسفي العقلاني في زمن سقراط، كانت الأسطورة غذاء للروح، وموجه للحياة العامة، من خلالها يتغذى الفكر على الأساطير المتعددة، في وظائفها وأعمالها الخارقة عن العالم، فاكتسبت الأساطير شعبية وشهرة وأشهرها ما كتب في "الإلياذة" و"الادويسة"، للشاعر الأعمى "هوميروس" الذي تفنن في الكتابة من خيال واسع ورحب، أنتج هذا الشاعر كمية هائلة من الصور الرمزية والحقيقة في بعدها الرمزي الاستعاري، الحقيقة هنا موجهة بالفكر، والقول في ثنايا الوجود والحياة، وفي غمار الصراع بين الإنسان والآلهة، وبين الإنسان والطبيعة، كتب الشاعر "الإلياذة"، وهي تعبير عن أسرار تتعلق بالحرب الطويلة بين اليونان ومملكة طروادة، لعل دوافع الحرب كما يرويها هوميروس مردها لاختطاف أمير طروادة أميرة اليونان، ولعل الأسباب التي تتوارى في الحكاية تعلق بأطماع اليونان في الهيمنة والسيطرة على ممالك ودول مجاورة، بفضل حضور الآلهة في سير المعركة، وبفضل كذلك لعنتها على المنتصرين في رحلة العودة، يتيه القارئ في زخم الأحداث، وعدم تماسك القصص منطقيا، لكنها قصص مشوقة وممتعة، تظهر فنون الحرب والدهاء، ومكر الإنسان في نصب الحيل والانتصار بالذكاء والمناورة، في معالم الحكاية تمكن الشاعر هوميروس من تصوير طريقة السيطرة على مملكة طروادة، وكيف قتل "أخيل" بطل هذه الحرب القائد هكتور، فانتهت المعركة بالدهاء بعدما حاصر اليونان طروادة مدة من الزمن، لكن الحروب ولعنتها تبدو بالغة وقوية التأثير على الأبطال في رحلة العودة من ميدان المعركة، ومنهم "أوديسيوس" صاحب فكرة الحصان الخشبي الذي حلت عليه لعنة "بوسيدون" إله البحر والمحيطات، هذه اللعنة جعلته يتيه في البحر مدة عشر سنوات في جزيرة "كاليبسو" ولما اشتد حنينه لبلده تدخلت أثينا إلهة الحكمة والجمال، توسلت للآلهة للسماح له بالعودة إلى وطنه، في عودته اكتشف أن زوجته لازالت في انتظاره.

القارئ للإلياذة والأوديسة يدرك بالفعل قدرة الشاعر"هوميروس" في إرساء أسس الشعر الملحمي، وتوجيه الأسطورة بكل ما يخدم الحياة وقيم التضحية والشهامة، ويعمل عل توحيد لحمة المجتمع، وما تقدمه الأسطورة من تفسير وشرح للبطولات الخاصة بأمجاد الأبطال السابقين بمباركة الآلهة.

بنية الخطاب الأسطوري قائمة على مقاصد تتعلق بالشحن والتلقين، بنية مبنية على القول الشفهي، والقدرة على تمرير الأفكار بلغة غاية في الفصاحة والبيان، أما التماسك المنطقي الذي يعتبر أنه مناقض لآليات الخطاب الأسطوري فمرده لاعتبار الأسطورة حكاية وقصة تحكي عن الزمن الغابر، تحكي عن المكان والزمان والشخصيات، وتملأ الفراغ المعرفي وتقدم تفسيرات عن الظواهر الطبيعة باستدعاء بطولات الآلهة، وكل ما يتعلق بالعجائبي، خيال الشاعر هنا فائقة في لملمة الأجزاء، والعمل على تركيب الحكاية، وما يناسب أغراضها ووظائفها، تعبير عن المقدس، وصف لما يخالج الإنسان من نزوع نحو الفهم بأدوات بسيطة، جموح البشرية في الإجابة عن الأسئلة القلقة، مكون أساسي من الثقافة الشفهية، تعيد الأسطورة إنتاج نفسها من خلال سلطة التقاليد والطقوس، وتقديس الأمكنة والشخصيات الأسطورية، والإعلاء من قيمة منجزاتها وأدوارها، وتبقى الأسطورة عالقة في الأذهان، تنقل مجريات الوقائع بالحكاية المفصلة، القصة هي بالفعل لا تستدعي من المستمع قدرات ذهنية في التصنيف والتحليل، ولا تستدعي المنطق والبرهان إلا أنها تروم أن تأخذ مكانة مهمة في الاستمالة والاستيعاب من قبل جمهور واسع، في أسطورة "بروميثيوس" تحكي القصة عن عملاق حارب في صف الآلهة ضد العمالقة في الحرب الكبرى، علاقته وطيدة في البداية مع كبير الآلهة "زيوس" الذي عهد له بتشكيل البشر والحيوان، أشفق على البشر كما تقول الأسطورة، ونقل ذلك إلى "زيوس" لأن رغبته كانت بالفعل أن يرى البشر أقوياء وليسوا ضعفاء أو خانعين لسلطة الآلهة، يعرف أسرار التفوق الخاصة بالآلهة، الذي يعود للمهارات والمعارف والمواهب، وكل الفنون والأدوات المعرفية في التحكم، ولذلك سرق "برومثيوس" النار من الآلهة، وما تعنيه النار في الأساطير اليونانية، وبذلك استفاد البشر من العطايا، بحيث قدم لهم فنون العمارة والتجارة، وطريقة التداوي، وأشياء مفيدة في الحياة العملية، أما أكثر الأشياء قيمة فهي النار التي سرقها من جبال "الأولمب" في غفلة من الإله الذي يحرسها، وأهداها للبشر كمحبة لهم، ورغبة منه في تخليصهم من الاسترقاق والضعف، لكنه عوقب على فعله، ولكي يغفر له كبير الآلهة هذا الفعل الشنيع، عرض عليه أن يقاسم لحوم البشر كقرابين لكبير الآلهة، ومن هنا بدأت القرابين تأخذ فعلها في تقديس الآلهة، وما يستفاد من النار أنها أصبحت رمزا للألعاب الأولمبية، حيث تطوف الشعلة بين الأمم قبل أن تستقر في البلد المضيف للألعاب الاولمبية، كذلك ما تمثله الآلهة القديمة في الثقافة اليونانية، إذ جعلت من الفيلسوف "نيتشه" يحاول المزج بين الروح الأبولونية والروح الديونيزوسية في تفسير قيمة الجمال والفن والعمل الفني، في مجال الاعتدال والعناية بالمظهر والشكل، وفي روح المرح والنشوة واللذة، تأويل يتناسب وعشق الفيلسوف نيتشه للفلسفة الإغريقية السابقة على سقراط، وفيها يرصد ولادة "التراجيديا" في مقاومة الموت وعشق الحياة، في ولادة تهتم بالغرائز والرغبات، ولادة الروح المرحة والنشوة الدافعة للحياة.

يمكن أن نستشف ولادة أخرى للأساطير في المرحلة المعاصرة التي أصبحت الأسطورة جزء أساسي من التحليل الخاص بالشخصية الإنسانية والخاصة بالعقل الجمعي أو اللاشعور الجماعي في توليد الأفكار وانبعاثها من جديد، المستوى الأول من تجليات الأسطورة في الأعمال النفسية الخاصة بالمحلل والطبيب النفسي "سيغموند فرويد" من خلال استلهام "أسطورة أوديب" الذي قتل أباه وتزوج من أمه، يحلل الطبيب عقدة أوديب في المراحل المبكرة من عمر الطفل، في العقدة الأوديبية، وهذا الخوف من الأب الذي تتولد عنه أزمات نفسية، ومجموعة من الاضطرابات التي شكلت خفايا اللاشعور، ثم كيف أصبحت أسطورة أوديب فكرة مقبولة في التحليل الأدبي والتحليل للعصاب والاضطرابات النفسية، والقلق الذي يساور الإنسان من اختلال العلاقة المسببة للكبت، اختلال التوازن بين الفطري والمكتسب أو اختلال في التربية السليمة وضعف في تقوية الجانب النفسي المهم في كل شخصية طبيعية، كل الكوابح المسببة لظواهر معينة تتعلق بالتشخيص وتوظيف الأسطورة في المعطى العلمي المتعلق بالنفس والشخصية المتوازنة، كذلك هناك "أسطورة سيزيف" الذي حكمت عليه الآلهة حكما قاسيا أن يصعد بصخرة ويقوم بدحرجتها من فوق مرارا وتكرارا، هذا الفعل كان نتيجة تكبيل سيزيف إله الموت بالقيود وخداعه، يستلهم "ألبير كامي" الأسطورة ويمنحها معنى آخر يتعلق بالعبث والانتحار، تتعلق بالضجر والملل من اليومي، من روتين الحياة ورتابة الواقع، لا ينصح ألبير كامي بالسقوط في العبث أو يدعو للخلاص بالانتحار وتصفية الذات، لكنه بالمقابل، يرفض ما يسميه البعض بعقلانية الحياة ومنطقية الأشياء، فكل الأمور تأتي إلينا، وتختفي، وكلها تتكرر، وتعود بنفس الصيغة والمعنى، وبهذا نواجه الحياة باللامبالاة أو بنوع من التمرد، وعندما تكون وضعيتنا مأساوية كالتي عاشها سيزيف في دحرجة الصخرة، يكون هنا الأمل أن يتحرر الإنسان من الجماعة أو يتحرر من ضغط القوى المهيمنة على الحياة، أن يختار لنفسه ما يمكن أن يشعر فيه بنوع من الحرية، رؤية أخرى خاصة بالوجودية، وكل من يعتبر نفسه خارج الإطار أو يرسم لنفسه اختيارات مناسبة للعيش لأن فن العيش نتاج اختيار أسلوب ممكن للشعور بالتفرد والحرية وأكثر من ذلك الاستقلالية.

مظاهر الأسطورة حاضرة في الفكر الفلسفي المعاصر، فلا تعني الأسطورة أنها نقيض الفلسفة، بل على العكس من ذلك، أنها تتشكل من سمات وخصائص مشتركة بين الإنسانية، وقديما طبع الفكر الإنساني بطابع الهيمنة الخاصة بالأسطورة، هنا في الشرق أساطير موجودة في كل الثقافات، من الهند والصين ومصر وبلاد فارس وبلاد الرافدين، الأساطير من أيام السومريون في العراق، أسطورة "جلجامش" الحاكم الطاغية الذي تحول بفعل خلافه مع الإلهة "عشتار" انتقاما منه، أرسلت له "انكيدو" نصفه بشر ونصفه حيوان ليحاربه، لكن سرعان ما تحول هذا العدو إلى صديق بفعل التوازن بين قوتين متجانستين، هذا العداء الذي تحول لصداقة ينتهي بالتدرج نحو العدل والحكمة، هنا يتجلى مسار البحث عن الخلود والحياة الكريمة وراء القوة والجبروت، رحلة البحث في الأعماق تتحول إلى رحلة من أجل الوجود والسمو الروحي، والصراع هنا من خلال ملامح الأسطورة، وبناء على الغايات، منها تحليل الصراع بين الغريزة والروح، وبين الحياة في العالم السفلي والحياة في العالم الروحي.

الأسطورة قصة خيالية تروي مسار الإنسان نحو الغايات الممكنة، تروي عشق الإنسان للمعرفة، والبحث عن الحقيقة بطرق تستند على السرد والقول الشفهي، تستند عليها الحكاية، وعلى المتعة والتشويق، لا بد أن تكون من طينة المستمعين والمنصتين للغرائب والعجائب التي تثير الزوبعة الذهنية، وتنقلنا للسؤال عن المصير والحياة الأبدية، مظاهر الأسطورة حسب "مرسيا إلياد" حاضرة في الفكر الإنساني المعاصر، حاضرة على شكل نظريات في بناء العالم، منها النظرية الشيوعية وانتصار البروليتاريا والقضاء على الطبقية والاستغلال للعمال، ونظريات نهاية التاريخ، كما يصورها الفكر الليبرالي، ونهاية العالم في الفلسفات الطوباوية الغارقة، في المثالية والنظريات الحالمة بعالم بديل يسوده العدل والحكم الرشيد، ويحكمه أهل الخير، من العلماء والفلاسفة، وأسطورة الفوضى، والصراع ضد الدجال أو الصراع بين الخير والشر. هناك نظريات الدورات الحضارية التي جاءت بفكرة الدورة الحضارية وانتقال الحضارة من مكان لآخر.

الأسطورة هنا جزء أساسي من التفكير، ولا انقطاع بين الأسطورة والفلسفة أو الفكر الإنساني بصفة عامة إلا أنها اتخذت منحى آخر في الفهم والتفسير لما يقع في العالم، وما يمكن أن يكون في المستقبل من خلال تأويلات وتنبؤات يسكب عليها المؤرخون والفلاسفة نوع من العلمية والقراءة الإستباقية، تغلف باسم الدراسات المستقبلية لأن الفكر الإنساني في مضمونه ليس بالضرورة منطقي، بل في الإنسان تجتمع الأضداد، ويكون هناك منطق مزدوج يمزج بين الوعي واللاوعي ويؤلف بين الحقيقة والوهم.

جوهر الأسطورة في الحكاية كما يقول "ليفي ستراوس"، الأساطير التي يحللها في نطاق بنية الثقافة مهمة لمعرفة تطور الفكر الإنساني، لا يقلل المحلل من قيمتها، ولا من قدرتها على الترميز ورسم حياة الجماعة، الفكر البري هنا حسب "ستراوس" هو الفكر الذي كان الغرب ينظر إليه نظرة دونية من خلال العقلانية والوضعية حتى أصبح هذا التفكير محل احترام وتقدير. إذا كنا نعتقد في الموضوعية أداة علمية للفصل بين الذات والموضوع في المعرفة التي تنظر للمجتمعات من داخلها، وما تحتويه من بنيات فكرية، وبنيات اجتماعية وسياسية ودينية فإن هذا النوع من الفكر ملزم باحترام المسافة الفاصلة بين الحمولة الفكرية للباحث والظواهر، ملزم بالحياد العلمي لأن النزعة المركزية الغربية أجهزت على البنيات الثقافية للآخر باسم التقدم والتطور، وكلها مفاهيم أيديولوجية لا يمكن إدراجها ضمن خانة المفاهيم العلمية في مجال الدراسات البنيوية، واقع المجتمعات ومسارات التفكير المعطى أساسيات في كل عمل يرمي نحو فهم الأسطورة وعملها على إعادة تشكيل الفكر.

في عمق المجتمعات التي نسميها بدائية حياة متماسكة توحي بوجود ثقافة متجذرة في الوجدان، وفي القيم الراسخة، بنية متشابكة، وعبارة عن وحدة متصلة تمنحها الأسطورة دلالة في شد الفرد نحو الجماعة، من خلال الدراسات الثقافية، هناك منحى واحد للحضارات، والعقل البشري واحد، عقل منسجم مع الطبيعة البكر، وعقل رياضي حسابي مسلح بالمنهج العلمي والمعرفة الموضوعية، هذا العقل أنتج نظريات علمية ساهمت في تطويع الطبيعة، وساهمت كذلك في تدميرها واستنزاف خيراتها. لا فرق بين الذين يحملون الحضارة في بعدها العلمي والفلسفي، وبين أولئك الذين وصفهم "إدوارد تايلور" بقايا التاريخ، لأنهم يفكرون ويمتلكون ثقافة ويعيشون في مجتمع. الأسطورة حية لا تموت، كما تبعث الأساطير في أشكال مختلفة، ويعاد تأويلها وبنائها من جديد.

إذا كانت الأسطورة بحث عن المعنى والحقيقة بأسلوبها الخاص، كذلك للفلسفة طرق وأدوات للبحث في القضايا الخاصة بالوجود والمعرفة والإنسان والقيم، فلسفة الأوائل من اليونان لا تخلو من الأساطير كقولة طاليس أن العالم ممتلئ بالآلهة. هناك رواسب من الأساطير الأورفية المنسوبة للشاعر "أورفيوس "ابن الإله "أبولون"، موسيقي يؤمن بتناسخ الأرواح، وكانت الأورفية معارضة للنظام السياسي والديني في اليونان، القرن السادس قبل الميلاد، أنصارها يلبسون البياض، ويرفضون أكل اللحوم، ويقتاتون على ما هو نباتي. زمن الحركة تزامن وميلاد الحكمة في مدينة ملطية على ضفاف أسيا الصغر، مدينة الحكماء الثلاث، منهم طاليس وانكسيمندر وأناكسيمانس، بداية الحكمة من خلال القول بالمبدأ الواحد المفسر للطبيعة وأصل الأشياء، هنا تجلت أبعاد الوحدة بين العلم والفلسفة، تجليات الحكمة في الابتعاد قليلا عن مضمون الأسطورة في تفسير الظواهر الصعبة، وقضية الوجود، تفكير فلسفي خالص انبثق من الأسطورة وتحرر منها، انعتاق من سلطة الآلهة، وسيطرة التفسير الأسطوري على التفكير، وهنا تولد الفكر الحر من خلال تأملات الحكماء، وبناء على آليات العلم الجديد الذي منح "طاليس" الحكيم القدرة على تمثل الأشياء وتحويل الكثرة والتعدد في التفسير الأسطوري إلى تفسير الطبيعة بعناصر مادية كالماء والهواء والنار وعناصر أخرى دقيقة وموجودة كعناصر طبيعية، نظرة جديدة جمع فيها طاليس بين العبقرية العلمية والنظرة التأملية الشمولية للعالم، حيث اعترف أفلاطون في إحدى المحاورات أن طاليس كان مشدودا للسماء يتأمل النجوم والأفلاك، ونيتشه كذلك الذي اعتبر طاليس أول الفلاسفة، لأنه من فكرة غريبة وعجيبة انبثق فكر جديد، نقلة نوعية في مسارات الفكر الإنساني أن بدأ العقل التحرر من "الميتوس" فأصبح "اللوغوس" والاستدلال العقلي أساس المعرفة، ورغم بقاء الأسطورة والقول أن الحكمة تحتوي على جزء من الأساطير، هذا طبيعي نتيجة الهيمنة لعدة قرون، الفكرة تحتاج بدورها إلى زمن وعقل جديد يحرر الفكر بشكل مطلق ونهائي، بوادر التحرر هنا في بداية القرن الرابع قبل الميلاد، وانبثاق نظام جديدة في أثينا عمل على تحرير الفكر من "الميتوس" ولعبت الحياة السياسية دورا في تنشيط الفكر بالجدال والنقاش، حياة جديدة ساهم فيها "بركليس" وفلاسفة أثينا والحركة السفسطائية حتى أصبح الإنسان مقياس كل شيء، كما يقول السوفسطائي "بروتاغوراس"، مقياس للحقيقة والمنفعة، مقياس للقول الصائب والحقيقي، تراجعت الأسطورة، وكذلك البحث في الطبيعة لأن الفلسفة علم يشمل كل مجالات المعرفة والبحث.

الفلسفة هنا تتضمن المباحث الكبرى كالوجود والمعرفة والقيم، الفلسفة التي أنتجت المذاهب الفلسفية الكبرى، الفلسفة التي كرست حياة العقل، والبحث عن المعنى والدلالة في الواقع ضد الأساطير التي ترسخت في أشعار هوميروس وهزيود، ولا ينكر جاحد أن الوحدة بين الفلسفة والأسطورة ساهمت في الصراع والتحرر معا، ولما عاد الفيلسوف إلى توظيف الأسطورة كما هو الشأن مع أفلاطون في "أسطورة الكهف" كان ذلك محاولة للمقارنة في المعرفة بين عالم الحقيقة والعوالم المزيفة، المقارنة الفلسفية بين عالم الحواس والمعرفة الظنية وعالم العقل، الركون في الكهف والاستكانة في الظلام عالم مزيف يرمز للجهل والقصور المعرفي والبعد عن الحقيقة، الفيلسوف هنا يحلق عاليا بحثا عن الحقيقة بالتأمل في عالم المثل أو عالم المعقولات، توظيف عملي للأسطورة وأداة في خدمة الفكرة الفلسفية عن عالمين متناقضين، والطريق الصائب واحد هو طريق العقل وليس الحواس، قيمة الفيلسوف في السير نحو الحقيقة التي لا يمكن أن يسلكها الإنسان الفيلسوف دون الانفصال عن الحواس والمعرفة الحسية والارتقاء بالعقل نحو عالم المثل والصور المجردة، من هنا يتجلى للفيلسوف الحقائق والنماذج المثالية، من الجمال والعدالة والخير والعالم بعيدا عن النسخ المشوهة، طريق الحقيقة على خطى "فيتاغورس"وخطى "بارميندس"، خطوات دقيقة ومحسومة في نيل الحقيقة والشعور أكثر بالوجود في عالم يزداد غموضا إذا انغمس الفيلسوف في الغريزة والمظاهر.

طريق الفلسفة العقل والنقد والمحاكمة العقلية والاستدلال والإعلاء من الحقيقة الصورية، والتعبير بلغة منطقية، والاستعانة بالجدل في توليد الأفكار والدفاع عن الفكرة بالحجة المنطقية، ناهيك عن استخدام المفاهيم الذهنية والتعريفات، وما يتعلق بالقياس والبرهان، أما الأسطورة فهناك اختلاف واضح مع الفلسفة في الأسلوب والتعبير واليقين، وتميل الأساطير للعاطفة وحشد الأذهان بالحكايات والقصص، وترك نوع من الاندهاش والغرابة، والتشتت في العقول لعدم تماسك الحكايات مع الواقع، وما يتعلق بالعالم الغرائبي والعجائبي. لغة الفلسفة صورية تأملية خالصة في المجرد والمحسوس، لغة منطقية معيار صدقها الاستدلال العقلي والبرهان، وجوهرها السؤال، ولا تدعي الفلسفة أنها تمتلك الحقيقة المطلقة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق