لا يقارن المجتمع الذي يرزح تحت حكم المستبد حتى بمجتمع الغابة، لان الواقع يميز بينهما في طبيعة كل مجتمع والنظام القائم فيه وما يمارس فيه من حكم وفق قوانينه الخاصة، ومقدار تحقيق العدالة بين كل طبقة من طبقاته، بل والقدرة على التعقل وممارسة المنطق والحكمة والأخلاق في التعامل بين الجميع.

الا ان الملاحظ ان الصورة باتت مقلوبة في واقع اليوم، بعد انحدار المستبدين الى أدنى درجات الرذيلة والدناءة، وأقسى ممارسات الظلم والعدوان، والتي لا تقارن حتى بقوانين الغاب التي قد تبدو عادلة ومنصفة إذا ما قورنت بمقدار القسوة والتسلط والجبروت والعنف الموجه الى الانسان في اغلب الدول والمجتمعات التي يعاني مواطنيها من حكم المستبد.

ولعل الشيء الوحيد الذي يحسب للمستبد ويميزه عن غيره هو العدالة في ظلم الجميع باستثناء شخصه، وهي طبيعة راسخة في حكم جميع المستبدين، كما يعبر عنها المرجع الراحل الامام الشيرازي: "إن من طبيعة الاستبداد اضطهاد كل الطبقات، حتى الطبقة الحاكمة، باستثناء فرد الحكم"، وبالتالي لا يأمن الجميع شر هذا المستبد حتى أقرب اعوانه وانصاره، لأنه يقودهم الى طريق الهاوية والهلكة بصورة مباشرة او غير مباشرة.

ان الأمثلة على ذلك كثيرة، بل وأكثر من ان تحصى، وهذا الامر غريب في حد ذاته، ان تجد امثلة الاستبداد والظلم أكثر من امثلة العدل في المجتمعات البشرية التي يفترض ان تبنى على السلام ونبذ العنف والحرية والكرامة والشورى، وهي الطبيعة التي خلق الانسان وجبل عليها وفق العقل والمنطق: "وأن يعيش الإنسان حراً كما خلقه الله، من دون أن يستسلم للظلم والاستبداد ولا يخنع للجور والطغيان، وألا تكون أزمة الأمور ومصير الشعوب بيد حاكم ظالم مستبد".

في المقابل تطورت آليات الاستبداد ووسائله وطرقه نتيجة لتراكم التجارب والتواتر في هذا الطريق حتى وصل الامر الى مديات خطيرة حولت المجتمعات الإنسانية الى حظائر مدجنة تستهلك ما يراد لها استهلاكه من النفايات المعرفية، واللون الفكري الواحد، واتباع الصنم، والرذائل، ضمن سياسة القطيع الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يفكر الا بما يرى ويسمع ويتكلم ويفكر به المستبد والقائد الواحد.

ولا فرق بين المستبد عندما يكون فردا او حزبا او جماعة او فكرة، فجميعهم يمارس ذات الدور في الحكم الاستبدادي من اجل التحكم بمقدرات الشعوب ونهب خيراتها واذلال الفرد والسيطرة على المجتمع من خلال تجهيله بلا ضمير او رادع.

وينطبق هذا الامر على المجتمعات الإسلامية التي عانت الأمريّن من حكوماتها وانظمتها الفاسدة التي ادعت بانها ذات نظام وتوجه واحكام قائمة وفق تعاليم وقيم الدين الإسلامي الحنيف، مع شديد الأسف، الا ان زيف هذا الادعاء أوضح من الادعاء نفسه، خصوصا وان ادعاء تبني الإطار الإسلامي في الحكم يتناقض تماما مع واقع الحالي الذي وصلت اليه وتعيشه الشعوب المسلمة من التراجع والتخلف والجهل، بما لا ينسجم وطبيعة الحضارة الإسلامية القائمة على قيم التقدم والبناء.

وقد سبق وان حذر الامام الشيرازي (رحمه الله) الافراد والتيارات والأحزاب التي تدعي السعي للنهوض بواقع المسلمين الوقوع في فخ الاستبداد: "على التيار الإسلامي الذي يريد النهوض بواقع المسلمين وتحقيق تطلعاتهم، ألا يقع هو بنفسه في رذيلة الاستبداد، وأن يعمل جاهداً ليل نهار لإخراج الاستبداد عن الميدان".

الكلمة الفصل في الذهاب نحو الاستبداد في المجتمعات الاسلامية تتمحور حول طلب (فرد/ جماعة/ حزب) السلطة وفورة القوة والمال الفاسد، والتي تجتمع لتشكل الاستبداد والتفرد في الحكم وإخضاع الجميع لرغبات هذه السلطة، وسط ضعف او غياب سلطة الرقابة، وقوة القانون، وانتشار الفوضى، وانحدار القيم، وتراجع الحرية، وقبول الرأي الآخر، وتفشي الجهل والتعصب والعنف والفساد التي تمنع او تصعب أي عملية للتغير في المستقبل: "الجماعات الضاغطة، والمال السياسي، والابتزاز السياسي، والاعلام المضلل، وضعف مؤسسات الدولة يحول دون وصول الكفاءات الى الحكم، وان كانت في البلاد انتخابات حرة بحسب الظاهر، وهكذا، فان السياسة المنحرفة تخنق كل خطوة باتجاه تقدم البلاد وتحسن وضع العباد".

"بالتالي، من الطبيعي ان تعيش الشعوب المسلمة على هامش الحياة السياسة، وذلك بسبب السياسة المنحرفة التي تجعل الناس في واد لا يعيرون أهمية لما يجري في بلادهم، نتيجة لذلك، فان هذه الشعوب عموما لا تحب حكامها ولا تثق بهم بل تسعى لإسقاطهم، في الوقت، ان الشعوب في الغرب عموما تطمئن لحكامها لان الجميع تحت طائلة المراقبة والمحاسبة والقانون".

ان انعدام الثقة ولد الفجوة الكبيرة بين الحاكم والمحكم في هذه المجتمعات، وتراجع مستمر نحو الهاوية في مختلف الأصعدة، الامر الذي ولّد انعدام المسؤولية، وتراجع الخدمات والتبادل المنفعي الإيجابي، وضعف الحرص بين الطرفين في تقديم الأفضل للبلد.

ان مسؤولية إعادة بناء المجتمع ونظام الحكم فيها، والتحول من الاستبداد الى الشورى والديمقراطية الحقيقية في الحكم، يتطلب أمور عدة منها:

1. شعور المجتمع بالمسؤولية التي تقع على عاتقه في ضرورة التغيير ورفض الظلم والاستبداد والخنوع بكل اشكاله، خصوصا إذا كان هذا الاستبداد يمارس بغطاء إسلامي يسيء الى عظمة الإسلام وحضارته الخالدة.

2. رفض القيادات التي تدعي سعيها الى الإصلاح والتغيير وهي في واقع الامر جزء من هذه السلطة المستبدة التي يراد الانقلاب عليها، لان هذا الادعاء مجرد إعادة لتدوير النفايات الحاكمة ونوع آخر من الاستبداد بالحكم بعد استغلال الشعب للتخلص من المنافسين له في الحكم.

3. العمل على بناء الانسان الصالح لتشكيل النواه الصالحة للحكم وفق رؤية تؤمن بحقوق الانسان وحقه في العيش بكرامة وحرية من دون إخضاعه وتقييده بقيود الجهل والتخلف والعنف والظلم، وبالتالي خلق جيل واعي لا يفرط بحقوقه بسهولة، مثلما يعرف واجباته ولا يتهاون في احترامها وتنفيذها.

4. تغذية المجتمع بالقيم السماوية والأخلاق الإسلامية التي شكلت الحضارة الإسلامية الخالدة بكل تفاصيلها، خصوصا في جانب رفض الظلم والوقوف بوجه الظالم، وعدم مسايرة الظالمين في عدوانهم وتسلطهم، وبالتالي خلق معارضة قوية وواعية بحقوقها وقادرة على صنع التغيير والتخلص من افات الظلم والاستبداد.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2022
http://shrsc.com

اضف تعليق