يؤكد القرآن الكريم ان الفساد منتج بشري بحت: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".

والفساد هو التخلف، هو الخلل الحاد في المركب الحضاري. وهو نتيجة لما "كسبت ايدي الناس". وهو عمل تنتج عنه اثار وظواهر سلبية تلحق الضرر بالناس "لنديقهم بعض الذي عملوا"، ولهذا نقول ان المظاهر السلبية التي يعاني منها المجتمع كالفقر وتدني مستوى الانتاج والظلم والبطالة والغلاء والتبعية هي نتائج للتخلف او الخلل في المركب الحضاري، انها مؤشرات للتخلف وليست التخلف نفسه.

ويربط القرآن بين القانون والتخلف، بصورة مباشرة او غير مباشرة،. مثل الآيات التالية: "وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا" (الجن ١٦).

"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (الاعراف ٩٦)

فالكلمات المفتاحية "استقاموا على الطريقة، امنو، اتقوا" تشير الى القوانين الصالحة والانظمة العادلة. وتقرر ان المجتمع الذي يقيم حياته على اساس هذه القوانين فان ذلك سوف يقود الى وفرة الانتاج بدلالة "اسقيناهم ماءً غدقا" و"لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض". فلو شئت ان تفسر هذه الايات، بفعل شرطها وجوابه، تفسيرا غيبيا دينيا فلك ذلك؛ لكني بامكاني ان افهمها فهما حضاريا مؤداه النظام العادل الصالح من اسباب وفرة الانتاج ورفاهية العيش.

هناك ايات كثيرة تتحدث عن حبط الاعمال (١٦ مرة) وعن الخسران في الدنيا والاخرة، مثل قوله تعالى:

"وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (المائدة 5) "قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ" (يونس 45)

ومن الواضح ان هذه الايات تربط بين النظرية الصحيحة، سواء في المجال السياسي او الاقتصادي او غيرهما، وبين تحقيق النجاح والتقدم والتنمية، والعكس يصح، فمع النظرية الفاسدة، تكون النتيجة "حبط العمل" اي فشله وعدم قدرته على الانجاز.

صحيح ان العمل هو العنصر الخامس من عناصر المركب الحضاري، لكن الخلل في العلم او المعرفة او النظرية او القيم التي يستند اليها، سوف يؤدي الى عمل غير ذي قيمة، فاشل، لا يستطيع ان يحقق النمو، انه العمل الذي يندرج تحت عنوان "تنمية التخلف".

وكذلك الامر في عبارة "لقاء الله"، ومثلها عبارة "سبيل الله"، فانها عبارات مجازية تدل على الخير العام، ومعناها ان العمل الذي لا يستهدف "الخير العام" او "المصلحة العامة" عمل ضال، يعبر عن انانية مفرطة وتفضيل للمصلحة الخاصة على المصلحة العامة، انه عمل يفتقر الى الايثار والتعاون وهما من شروط نجاح العمل الحضاري في المجتمع الصالح. فهذا المجتمع لا يتقوم بافراد انانيين، انما بمواطنين يتحلون بروح التعاون والايثار، والا فكيف يدفع مواطن قسما من دخله (عن طريق ضريبة الدخل) لتمويل صندوق التكافل الاجتماعي او social security كما يسمونه باللغة الانگليزية؟!

ويكفي في هذا الصدد ان نتلو قوله تعالى:

"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" (ابراهيم ٣٢ - ٣٤).

ففي هذا المقطع القراني رد مباشر على الاقتصادي الانگليزي توماس مالتوس (١٧٦٦ - ١٨٣٤) الذي افترض ان الثروات الطبيعية لا تكفي حاجة البشر المتزايدة مما يستدعي قيام الحروب لتحقيق التوازن بين الامرين. فالمشكلة لا تكمن في الوفرة الطبيعية انما في "الظلم" و "الكفر"، اي في وفرة الانتاج وعدالة التوزيع.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3