عادة ما يتم تقسيم العنف ضد المرأة إلى عنف لفظي وجسدي وجنسي واقتصادي، وكل هذه الأنواع العنفية تأتي بدوافع اجتماعية ونفسية مخلفة آثاراً سلبية، الأمر الذي جعل المنظمات الدولية والحقوقية تطرح المبادرات والبرامح التثقيفية والتوعوية لوقف المظاهر التي تحدثنا عنها.

نعتقد أن نوعاً من العنف ضد المرأة ينبغي التحدث عنه بشيء من الواقعية، وهذا النوع يتمثل في العنف الذي تمارسه المرأة ضد نفسها بصورة غير مباشرة متوهمة أنها تعمد لهذا الفعل من باب الحفاظ على كيانها واستقلاليتها دون أن تلتفت إلى ماورائه من أضرار نفسية بالغة على شخصيتها وسلوكها. ولهذه الأضرار انعكاسات تظهر في المستقبل، وتؤثر سلباً على اولادها فيما بعد، فنراهم يصابون بالاكتئاب والاضطرابات النفسية الحادة. وأكثر النساء ممارسة لهذا النوع من العنف ضد أنفسهن؛ هن اللواتي يتمردن لأجل التمرد فقط على المُسَلّمات الاجتماعية والأخلاقية.

واكثر النساء المشمولات بهذا الكلام ينتمين لطبقات تصنف على أنها فوق المتوسطة، وهنا نشير إلى طريقة التنشئة الأسرية لهذه الطبقة المجتمعية، وماتمنحه من (حريات).

نعم، نحن مع ان تقوم العائلة ببناء شخصية البنت بمايتناسب مع دورها المستقبلي، لكن ذلك لايعني بشكل من الأشكال أن يتطرف البناء الأسري إلى حالة تجعل من البنت في حالة انفلات، ثم تبدأ بمرحلة ممارسة العنف الذي يكون مخفياً ضد نفسها.

ومن مظاهر التنشئة الأسرية المؤدية لهذا النوع من العنف؛ المظهر المتعلق بتلاشي دور الأب في الحرص على مستقبل ابنته، بذريعة أنها واعية وعاقلة لدرجة تركها مثلاً في اتخاذ قرار مصيري ومهم كالزواج غير المتكافئ. فمثلاً قد تفتتن البنت بكاريزما كاذبة لشخص يكبرها سناً بكثير من السنوات لا لشيء إلا لكونه صاحب مركز اجتماعي معين، او يعيش في اوروبا التي تمثل لهذه البنت ولغيرها املاً زائفاً في الحرية الشخصية، من دون ان تعلم أن هذا الأمل ليس سوى فخ ستندم على الدخول فيه بإرادة طائشة.

يسكت الأب (المتحرر)، ويوافق ويترك ابنته تواجه وحدها مصيراً غامضاً تبدأ بوادره مع المنطق الحياتي الطبيعي في عدم التكافؤ، وفرق السن، وصولاً لمظاهر الانفلات التي تتيح لزوجة صغيرة السن وفشلت في علاقتها الزوجية بعد سنوات قليلة، لتبدأ رحلة البحث عن الكيان والاستقلالية تحت لافتات التحرر والتمدن، فتضيع في دوامة وصراع بين فطرتها الاصلية، وما تشاهده من مظاهر لم يعد باستطاعتها مقاومة مغرياتها.

والأمرُّ من هذا المصير الغامض؛ انتقال الدوامة إلى الأولاد الذين نشأوا في جو أوروبي مع أصول شرقية تم التنازل عنها من طرف الأم؛ لذلك يصبح من الاستحالة السيطرة على سلوكيات الأولاد، ولنا أن نتخيل عزيزي القارئ حجم الضرر الناتج عن هذه المغامرة غير المحسوبة، والتي تجلت فيها الصورة الأوضح لممارسة المرأة العنف ضد نفسها وامتدادها ممثلاً بالأولاد.

إن هذا النوع من العنف؛ له جذر سببي وهو إقصاء المرأة لهويتها بعد وقوعها في فخ التصدير الاعلامي لهذا الاقصاء. فالكثير من النساء للأسف مستعدات ذهنياً ونفسياً للتيه المقنّع بالميديا التي تصدر حضارة سطحية متسارعة وفارغة من أي محتوى حقيقي. وهذا هو الحاصل حالياً، من خلال انتعاش النسق الفوضوي الساعي لخلط الأوراق بإعطائه الفوضى الفكرية (فوضى فكرية خلاقة) شرعية إعلامية تصبب الواقع أكثر ببرامج تدعي اقترابها من مشكلات الإنسان، بينما هي تعمل على استعمار ذاته والتأثير عليها. وما قضية تحرر المرأة إلا مثال واضح على هذا الاستعمار الذهني، فتحرر المرأة اليوم يتم اختصاره بحرية تعاملها مع جسدها، وهي الحرية المدعومة بمنظومة إعلامية هائلة.

والمرأة أخطر من يتعرض لتأثيرات الوسائل الاتصالية؛ لأن هذا التأثير - كما أشرنا - سينتقل بكل سلاسة إلى الاولاد المشدودين فطرياً وعاطفياً للأم ما يعني أننا إزاء عنف متواصل يلزم الانتباه له، والتوعية بمخاطره قبل استفحاله.

والتوعية تبدأ من خلال إدراك المرأة لقيمتها الحقيقية إدراكاً حقيقياً. وهذا لا يعني بالضرورة تحميل المرأة مسؤولية عنفها ضد نفسها بشكل كامل؛ لأن أكثر أسباب هذا التوجه يأتي كرد فعل لبعض سلوكيات الرجال تجاه المرأة، واحتقارهم وتصغيرهم لدورها المحوري؛ لذلك لابد من توعية أخرى مشابهة للجنس الآخر.

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
العراق
ظننت اني سأواصل قراءة المقال لمزيد من الأسطر قبل ان أفاجأ بنهاية المقال بشكل غير متوقع! مع الشكر الجزيل للكاتب المبدع، على الاقل يحق لي البحث عن جواب لكيفية إدراك المرأة قيمتها الحقيقية؟؟ وأجزم ان هذا السؤال سيدور في خلد القارئة المحترمة ايضاً لتكون من مقدمة المستفيدين من هذا المقال الرائع في فكرته وطرحه.2018-11-22

مواضيع ذات صلة

1