حاولت المملكة العربية السعودية استقطاب اهم حلفائها الكبار الى التحالف (العربي- السني) الذي روج اليه الملك السعودي الجديد "سلمان بن عبد العزيز" وفريق عملة المقرب منه (من السديريين)، لمواجهة نفوذ ايران المتنامي في الخليج والشرق الاوسط، والذي بات مصدر قلق وتهديد حقيقي للعائلة المالكة ونظام الحكم، سيما وان المخاوف من تصدير الازمات الخارجية الى الداخل السعودي امر وارد، اضافة الى مخاوف السعودية من التنظيمات المتطرفة التي يتعاطف معها الكثير من الشباب السعودي (القاعدة، داعش) والتي قد تستهدف امن واستقرار المملكة، على غرار ما قام به تنظيم القاعدة من عمليات انتحارية استهدفت اشخاصا ومصالح اجنبية عام 2003، وركزت السعودية في تحالفها العربي في المقام الاول على دول مجلس التعاون الخليجي (الامارات، البحرين، الكويت، عمان، قطر)، ومع اخراج عمان التي فضلت البقاء على الحياد، وقطر التي ارتبطت مع السعودية من باب المصلحة، خصوصا وان الخلاف السياسي والتاريخي بين الطرفين (السعودية وقطر) اكبر من ان يتم احتوائه بتحالف عربي عسكري، وحتى لو وضع حكام قطر والسعودية خلافاتهما جانبا، فلا تشكل دول الخليج ثقلا قتاليا بالمعنى العسكري.

كما حاولت السعودية استقطاب (الاردن، المغرب، السودان) الى تحالف استراتيجي يقف بوجه التهديدات الايرانية (او تنامي النفوذ الشيعي السياسي في عدة دول عربية)، الا ان جميع هذه الدول، على الرغم من استعدادها للموافقة على تشكيل التحالف العربي المفترض، موزعة بين دول ضعيفة وبين دول لها عدد من المشاكل الداخلية التي قد تمنعها عن المشاركة الفاعلة في التحالف مع السعودية، وخصوصا على مستوى المشاركة الفعلية بقوات برية قد تنقلها الى خارج اراضيها للقيام بعمليات عسكرية في بلد ثالث، كاليمن، في حال طلبت منها السعودية ذلك، ولم يبق امام السعودية سوى التفكير بدول لها ثقلها العسكري والاقليمي في المنطقة (مصر، تركيا، باكستان)، والتي تربطها، عموما، علاقات جيدة مع هذه الدول، على الرغم من التقلبات السياسية التي حكمت هذه العلاقات في بعض الاوقات (كما حدث مع تركيا والخلاف حول الاخوان، اضافة الى الخلاف مع مصر في زمن عبد الناصر، اضافة الى خلافاتها الماضية مع باكستان).

ويبدو ان السعودية التي استشعرت وجود خطر داخلي وخارجي يهدد نظام الحكم (الديني-الوهابي) والعائلة المالكة بصورة فعلية، قد لجأت فعلا الى حلفائها العرب والمسلمين الاقوياء بالتزامن مع انطلاق "عاصفة الحزم" ضد اليمن، كاختبار حقيقي لمدى الترابط الذي يجمع السعودية بباكستان وتركيا ومصر، الا انها فوجئت بردود الافعال "الباردة" والتصريحات الغامضة، ورفض التدخل في الحرب التي تقودها السعودية بصورة مباشرة من اقرب حلفائها الاقوياء، هذا الموقف يشابه الموقف الامريكي الاخير الذي رفض الاستماع الى المخاوف السعودية تجاه الاتفاق النووي المحتمل مع ايران، والذي ادى الى توتر غير مسبوق في العلاقة بين البلدين.

وخيبة الامل السعودية من الموقف الباكستاني (بعد ان رفض البرلمان المشاركة في عاصفة الحزم)، ربما عبر عنها وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية "أنور قرقاش" عندما قال "باكستان مطالبة بموقف واضح لصالح علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج العربي، المواقف المتناقضة والملتبسة في هذا الأمر المصيري تكلفتها عالية"، مؤكدا أن "الخليج العربي في مواجهة خطيرة ومصيرية وأمنه الاستراتيجي على المحك، ولحظة الحقيقة هذه تميز الحليف الحقيقي من حليف الإعلام والتصريحات." واضاف أن "قرار البرلمان الباكستاني والذي ينص على الحياد في الصراع اليمني ويعرب عن دعمه الصريح للسعودية، متناقض وخطير وغير متوقع من إسلام أباد"، كما انه نتقد تركيا من خلال تصريحات وزير الخارجية التركي ورأى فيها "تطابق وجهات النظر مع إيران حول اليمن، والحل السياسي مسؤولية تركية وإيرانية وسعودية، مواقف الحياد المتخاذل مستمرة"، واوضح ان "خير دليل علي أن الامن العربي من ليبيا إلى اليمن عنوانه عربي"، مشيرا إلى أن "اختبار دول الجوار خير شاهد علي ذلك".

وربما تعلم السعودية ان الاعتماد على تدخل بري مصري قد يكون اقرب الى الاعتماد على "السراب"، فالوضع الداخلي في مصر اكثر تعقيدا من ان يسمح لرئيس مصر "السيسي" بالمغامرة بحرب برية شاملة في اليمن، سيما وان المواقف السابقة لمصر في اليمن قد تعزز من هذه القناعة، واكد السيسي ان مسؤولية مصر في حماية الممرات المائية والخليج جزء من امن مصر القومي، الا انه لم يعبر عن رغبة مصر الصريحة في دخول قوات مصرية الى اليمن، على الرغم من تقديم مصر لمشروع اقامة تحالف عربي عسكري في قمة شرم الشيخ الاخيرة.

بالمقابل فان تحركات ايران السريعة نحو تركيا وباكستان جاءت بنتائج غير مرضية للسعودية، مع تأكيد هذه الاطراف للبحث عن حل سياسي للازمة اليمنية، ويعني هذا الامر ايقاف حملة "عاصفة الحزم" والحوار مع الحوثيين على تفاصيل اقتسام السلطة (يعني الاعتراف بهم كشريك رئيسي في الحكم)، قبل ان تحقق الحملة غايتها المرسومة لها (وهو تهميش الحوثيين واعادة هادي الى السلطة بالقوة)، وهو امر قد لا تقبل به السعودية في الوقت الحالي، الا ان السعودية تعلم، في ذات الوقت، ان اطالة امد الحملة العسكرية لن يكون في صالحها، وقد يأتي بنتائج عكسية، خصوصا بعد قتل مئات المدنيين وجرح الالاف وتهجير اكثر من 100 الف يمني بسبب القصف الجوي (وهو ما دعاها للتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية من اجل تحديد اهدافها الجوية بصورة اكثر دقة)، لكن في ظل "خذلان الحلفاء" وتباطؤ الاخرين عن دعمها ما هي الخيارات الاخرى التي يمكن ان تخرج السعودية من مستنقع اليمن باقل قدر ممكن من الخسائر السياسية؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0