مع كل ما تقدمه التكنلوجيا من منجزات يبدعها العقل الإنساني، لايزال السؤال قائماً عن جدوى هذه الابتكارات والمنجزات، طالما أنها صارت شيئاً فشيئاً تقلب المفاهيم إلى أضدادها حيث يصير الوضوح غموضاً والربح خسارة. كيف يمكن للعقل أن ينحدر بالإنسان من إنسانيته إلى مراتب أدنى، ثم نرى المكابرة الفارغة إزاء هذا الانحدار؟

لسنا هنا بصدد إثبات أسبقية العقل على الأخلاق أو العكس، فهذا من شأن الفلاسفة الذين أسهبوا جدلاً في هذه الموضوعة بين من يقول بالعقل المجرد والمناداة بمغادرة الأخلاق نهائياً، بل نحاول أن نجد مسببات استعلاء العقلانية على القيم الثابتة، حتى ظن القائلون بهذا أن بإمكان نظرتهم في العقل المجرد أن تفسر كل الظواهر، الأمر الي سبب توتراً وازدواجية تم التنظير لها بترف نقدي وفلسفي يرى أن الازدواجية تحفز الإنسان على الحركة والتغيير، فصار التوتر يقابل اليقين المرفوض ــ كقيمة ثابتة ــ عند متبني هذه الرؤية التي أطلق عليها (الفكر التركيبي).

يرد الدكتور أحمد الفراك على المعتقدين بأن العقل حجة على غيره، وسلطة على ماسواه بقوله:

"من الدعاوى الباطلة في تاريخ الفكر الفلسفي دعوى إقامة الفصل بين العقل والحس، وهما متصلان من حيث لا يتصور خلُوُّ عقلٍ من حسٍّ ولا خلو حسٍّ من عقل، إذ إن الإدراك العقلي محال بلا إدراك حسي، والإدراك الحسي لا يمكن أن ينفك تماما عن الإدراك العقلي مهما حصل العقل من قوة على التجريد أو بلغ الحس من قوة على التجسيد. وعندما يَعرض القرآن الكريم العقل يعرضه متصلا بالقلب والحس والعمل، ويفتح أمام مختلف القوى الإدراكية صفحات النفس والكون والوجود، ويُطلعُه على الهندسة الدقيقة التي تنتظم وفقها الحياة، ويدله على آثار قدرة الله تعالى المنبثّة في كلّ شيء مِن حَوْلنا، فضلا عن دلالته لنا".

يشدد الدكتور الفراك هنا على ضرورة التلازم بين العقل والحس، والثابت عنده دوام الاتصال والتأثير والتأثر بينهما ، وما القول بهيمنة العقل إلا محض غرور فلسفي انبهر بالإنجازات التقنية والاتصالية التي حاولت العبث بالمسلمات اليقينية والشك بها؛ لذلك يلزم القول بأن السلوك القويم هو الذي تكون فيه الأخلاق محددة له وأن العقل فيها جزء من منظومتها، فكلما تحسنت الأخلاق تقدمت الإنسانية، بينما إذا تقدمت العقلانية من دون سياقها الأخلاقي فإنها قد تقلب الاشياء إلى أضدادها كما ذهبنا في بداية الكلام، إذ لا تستطيع التقنيات الاتصالية الحديثة مثلاً وهي من إبداع العقل الإنساني أن تحل مشكلة الشذوذ الجنسي على سبيل المثال، وهي ممارسة أقل مايقال عنها أنها نقيض العقل إلا إذا كان للتجريديين قول آخر، وهم الذين اجتهدوا في فصل القيم عن الأخلاق وإلحاقها بالعقل المجرد.

الأخلاق وارتباطها بالدين

يرى المفكر المغربي (طه عبد الرحمن) أن فلاسفة الغرب اشتغلوا على إيجاد علاقة بين الأخلاق الكريمة والدين من دون عموميات الأخلاق ــ بما فيها الرذائل ــ، وركزوا على ثيمة الأخلاق الفاضلة فقط، معتقداً ونحن معه في هذا الاعتقاد أن نسقاً مضمراً يحركهم على هذا الاشتغال النقدي، وفحواه هو أن يقولوا أن الدين ليس مصدراً للأخلاق الكريمة في محاولة مكشوفة للإيهام، وهو النسق الذي أسقطهم ومازال في فخاخ التجارب الحياتية التي أثبتت عكس هذه الرؤية، فيقول في كتابه (سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية):

"الملاحظ أن فلاسفة الغرب لم يتناولوا هذه العلاقة بين الأخلاق والدين من تلك الوجوه المختلفة كلها، بل اقتصروا على بعضها، وقد لايتعدون أحياناً الوجه الواحد، فضلاً عن أنهم قد لاينبهون دائماً على طبيعة الوجه الذي أخذوا به أو لايتكلفون تفصيل الوجوه القليلة المأخوذ بها".

وعلى هذا التخبط الفكري والفلسفي، قامت الحضارة الغربية الحديثة المفتتنة بتجرد العقل الذي أفضى وسيفضي إلى غموض المصير الحضاري، ومن ثم إلى طريق فكري مسدود كما تنبأ له العالم الألماني (أريك فرام) القائل: "العالم الغربي في طريق مسدود، لقد حصل على الكثير من الأمور الاقتصادية، وفقد أي معنى وهدف في الحياة، المجتمع الغربي مثل أي مجتمع آخر في الماضي، لابد من أن يفقد حيويته وقوته الداخلية".

وأمام هذه الأمواج المتناقضة من الأفكار والفلسفات، لابد للفكر الحقيقي والملتزم أخلاقياً تجاه الإنسانية أن يتصدى لمثل هذه الأفكار، بتبيان المعطيات الإقصائية لهذا النمط الفلسفي المضطرب وغير المنسجم مع الحقيقة، وإبراز الأنماط الفكرية الحقيقية القائمة على عدم الانفصال بين قيمتي العقل والأخلاق، ولأي محاولة للتعتيم على الرؤية الحقيقية للعلاقة بينهما ممثلة برسالات السماء التي تؤكد على أن يحصن الإنسان نفسه، ويرمم حياته بالشكل الذي يجعله بعيداً عن جذور الفساد والانحراف التي تعبث بإنسانيته ، وذلك من خلال إدراك جوهر الصلة بين الأخلاق والدين، مع إدخال العقل في هذه المنظومة؛ للوصول لمرحلة التكامل الوجودي.

والقيم الإسلامية تؤكد على هذا الجوهر، وتعمل على ترسيخه في المجتمعات وتعزيز علاقتها مع الله تعالى عبر (نزاهة روحية) تهذب الذات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3